زياد عبدالقادرسبق أن رأيتُ هذا المشهد: الوقت ليلٌ. الأمطارُ لم تنقطع منذ أيام ثلاثة. دبلن بدت رطبة ومبتلة بشكل لا يوصفُ، حدّ أنه تملكني الشعور بقدرة عجيبةٍ على ثنيها وعصرها كما تُعصر ممسحة أو إسفنجة.عند تقاطع شارعي برسبكت وفسباره، غير بعيد عن نهر كروسكن، اصطدمتُ به. للمرة الألف يحدث هذا، وفي كل مرة لا يبدر منه ما يدلّ على أنه أحسّ بي. على الأرجح أنني كنتُ غير مرئيّ حتى أصطدم به وأعبُره بتلك السهولة التي تعبر بها النظرة عمق المراة وتبقى هناك. هكذا رحنا نتابع طريقه دون أن أفلح في استعادتي منه ، فهذا الغامضُ الذي اصطدمتُ به قد امتصني وانتهى الأمرُ. في الحقيقة بدا لي مزعجا أن أسير عكس ارادتي، لكنني مع كل خطوة يخطوها الغامض كنتُ أشعر بالرضى إلى أن سكنت روحي وطابت. الأمطارُ كانت غزيرة عندما انحدرنا في زقاق دمّرته المعارك ثم توغلنا سائرين تحت قنطرة السكك الحديدية المهيبة. عندما انعطفنا إلى شارع بيركلي ومض البرق. في تلك الانعطافة، عبر حقل الرؤية الخاطف الذي كان يتيحه الوميض، رأيتُ بوضوح كامل صورة الغامض الذي امتصني: وجهه َالمضنى و شعره الأشيب. أمكنني أن أرى ثوبه الخشن الذي بدا واسعا جدا وحذاءه الرث، حتى أنني كنتُ أشعر بالبرد حين تنحدر حبيبات المطر على فقرات رقبته النحيلة وتتبع مجراها إلى أسفل ظهره.للمرة الألف يحدث هذا.هذا أنا. مجرد رجل داخل رجل بائس ونصف خرفٍ. يدايَ تخبطان الهواء وشفتاي تنفتحان وتنغلقان ببلاهة مكنتني من أن أرى لثتي الداكنة وأسناني الصفراء. أمكنني أن أرى خيط لعاب يسيل من فمي وأن أسمع امرأة ايرلندية بدا كأنها تحدّث أحدهم وهي تشير ناحيتي من خلف نافذة عالية في بناية مقصوفة:’ أوه كونولي نورمان. كونولي المسكين !’ قالت المرأة. أراحت رأسها على كتفٍ لا يُرى قبل أن تُردف: . ‘ الشيخ العجوز حتّه الألم كمدًا على إيفان، ابنُه الأصغر الذي لم يبلغ ربيعه الخامس عشرَ، كلُ ما أبقته له الطائرات الألمانية التي ذرّرت أسرته الفقيرة في الجوّ. لم يكن الايرلنديون أقلّ قسوة من الألمان، فقد جاؤوا في صباح بارد وافتكوا الولد من أبيه. إيفان الذي لا يُحسن رمي حصاةٍ فما بالك برصاصة، ألبس بدلة كاكي أوسع منه وقبعة تغوص حتى أنفه وألحق بالجبهة.مضى أقلّ من شهر واحدٍ قبل أن تجيء الشرطة العسكرية وتنبئ كونولي أن ابنه قد سُجّل رسميا في عداد المفقودين، وأنه لا أمل في انتظاره اليوم أو غدا ‘.هذا هو إسمي إذن: كونولي نورمان. كونولي المسكين، البغل المجنون الني ينام على زبله. أنا من فقدتُ عائلة ومن ضيعتُ إبنا. من يدري، لعله الآن مجندل في خندق موحش بفك مكسور وأطراف مقطوعةٍ. لعلهم أشعلوه حيّا فظل يركض كدجاجة مشوية قبل أن يسقط مفرفطا بطريقة بلهاءَ مثيرا ضحك الألمان. إيفان حبيبي، إيفانيَ الطيب !كنتُ هناك، في الداخل، وأنا أنصت للغمغمة التي تحاول أن توصل وجهة نظر لا يمكن للبشرية أن تفهمها، حتى أنني سمعت صوتَ قطع نقدية تلقى داخلي. لن يكون الأمر قاسيا إذا قلتُ لكم : أنا كونولي نورمان، مجردُ صندوق موسيقى يلقمه الهٌ ضجرٌ حين يودّ سماع نغم يسلّيه. أخشى أن ذهاب عقلي لموتكَ يا إيفانيَ الطيب هو أقصى ما يمكن أن أقدمه لأطرد الضجر عن إلهك الذي كان نائما عندما سملوا عينيك وجدعوا أنفك وأطلقوك في السهوب المهيبة. حبيبي إيفان، إيفانيَ الطيب.كنتُ هناك في الداخل، داخل كونولي نورمان العجوز نصف الخرف، أغمغم بشفتيه وألوّح بيديه الطريتين كجناحي بطريق. كنتُ في الداخل لكن قدميّ كانتا خارجا، تسبحان في الحذاء المثقوب. كنتُ أتمنى أن يتوقف كونولي برهة ويفرغ حذاءه الواسع من الأوساخ والحصى، لكنه على الأرجح لم يكن يشعر بأصابعي التي تكاد تتجمّد من البرد، فيواصل سيره الأخرق في ليل دبلن مألوما ومصدوما كراعي أبرشية تخلىّ عنه أتباعه.لم يكن ثمة من أناس وأنا أتبعه من شارع موحش إلى آخر أكثر وحشة. فقط الكثير من الطريق والأمطار. على الرغم من أن الأمر حدث أكثر من ألف مرة، فإنني لازلتُ أعجز عن تذكر خط سيرنا الذي كان ينتهي بنا دائما إلى مقصورة هاتف خالية في نهاية زقاق مسدود. في كل مرة كنت أدخل معه المقصورة كان يرفع السماعة ثم يلبث دقيقة محدقا إلى الأعلى منصتا إلى الأمطار وهي تسقط على ظلة الزنك مصدرة إيقاعا موحشا يشبه تكتكات آلة خياطة قديمة الطراز. بمجرد أن تنقضي الدقيقة كان يرمي قطعة نقدية صغيرة في الجهاز ويدير رقما.في تلك اللحظة بالذات يرن هاتفي في ظلام الغرفة:تِري ري ري ري رن………..تـِري ري ري ري رنأمدّ يدي من تحت اللحاف وأرفع السماعة مجهدا:- ألو، من معي؟لكن المتصل كان يكتفي بأن يغمغم قبل أن يقفل الخط:- ‘ حبيبي إيفان، إيفانيَ الطيب !’للمرة الألف يحدث هذا.إذن هذا أنا: عجوزٌ خرف ينشج في مقصورة هاتف وينصت للأمطار في زقاق موحش من أزقة دبلن.qadqpt