«كيرة والجن» عودة لأفلام المقاومة في السينما المصرية

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: يعود بنا “كيرة والجن” الذي عرض مؤخرا في مصر، لأفلام المقاومة الشعبية ضد الاحتلال، واستلهام التاريخ الوطني لأبطال هذه المقاومة، وهو النوع الذي افتقدته السينما المصرية لسنوات طويلة.
أحداث الفيلم مستوحاة من قصص أبطال حقيقيين شاركوا في مقاومة الاحتلال الانكليزي أثناء ثورة 1919 حيث بدأ بحادثة دنشواي عام 1906 التي تم فيها الحكم بإعدام أربعة من أهل القرية وسجن عدد آخر.
استمر تصوير الفيلم لثلاث سنوات، وجاء مبهرا في كثير من عناصره، منها الإخراج لمروان حامد، الذي نجح في تقديم نوع مختلف لم يقدمه من قبل، ليؤكد أنه مخرج متميز وقادر على تقديم كافة الأنواع.
ساعده في ذلك بالتأكيد وجود مصور بكفاءة وموهبة أحمد المرسي، الذي برع في تصوير مشاهد المطاردات، والتفجيرات، لولا الإكثار من استخدام الغرافيكس، الذي كان واضحا في عدد من المشاهد، خاصة مشاهد تفجير المعسكر الانكليزي، وكان موفقا في استخدام الكاميرا المحمولة في بعض المشاهد حيث عززت الإحساس بالواقعية والتوتر، ومن المشاهد المتميزة أيضا، مشاهد الانتقال بين حالتي حب أحدهما في السينما، والآخر راقص في القبو الذي تعلوه هذه السينما، وانتقلت الكاميرا بين المشهدين ببراعة، كما كان المونتير أحمد حافظ متميزا في القطع بينهما ما ساهم في تأكيد الحالة، وان كان المونتاج قد وقع في فخ التطويل في بعض المشاهد مثل مشاهد المعارك التي وصلت لدقائق طويلة.
الديكور من العناصر المتميزة أيضا في الفيلم، حيث تمكن من التعبير عن هذه المرحلة التاريخية المختلفة، وساعد في ذلك ملابس القديرة ناهد نصرالله، واهتم المخرج بجميع التفاصيل الخاصة بهذه الفترة التاريخية مثل أنواع السيارات، والأغاني، وأفلام السينما، أما موسيقى هشام نزيه، الذي انضم مؤخرا للجنة تحكيم جوائز الأوسكار، فساهمت بشكل كبير في نقل حالة التوتر التي يدور الفيلم فيها، باستخدام الآلات المختلفة مثل الإيقاعية في بعض مشاهد المطاردات، كذلك استخدم الآلات الوترية يزيد من حالة الترقب والتوتر في بعض المشاهد، ثم يعود ويستخدم نفس الآلات الوترية ولكن بشكل مختلف، ولكنه نجح في تحويل الحالة الشعورية للمشاهد من المطاردات والحركة والترقب، إلى حالة الحب والمشاعر، من خلال قصتي الحب التي تم نسجهما في الفيلم بعذوبة. وعندما انتقلت الأحداث إلى تركيا، استخدم موتيفات تركية بآلات موسيقية تركية أيضا، لينقلنا مع الفيلم إلى هناك.
الفيلم محمل بالمعاني والقيم الوطنية التي لا يعيبها المباشرة في بعض الأحيان، حيث ينتمي العمل لهذه النوعية من الأفلام التي تعمل على شحذ مشاعر الوطنية من خلال التأكيد على مجموعة من القيم، أهمها حب الوطن والتضحية من أجله، وكذلك قيمة الوحدة الوطنية، التي ظهرت بوضوح في وجود إمرأة مسيحية ضمن خلية المقاومة، وكذلك رجل يهودي، وربما تكون هي المرة الأولى في السينما المصرية التي تظهر فيها شخصية يهودية ضمن عناصر المقاومة، تأكدت هذه الوحدة الوطنية من خلال قصة الحب التي نشأت بين عبد القادر الجن، المسلم وبين دولت فهمي غبريال المسيجية، التي ضحت من أجله لتنقذه من الإعدام، ومن المعروف ان دولت فهمي شخصية حقيقية وضحت بالفعل من أجل بطل المقاومة عبد القادر الجن، إلا أنها لم تكن قد رأته من قبل، ولكن مراد أضاف قصة الحب التي باركها الفيلم، في سابقة لم تحدث منذ عدة سنوات، مما يشير إلى توجه جديد للدولة ولجهاز الرقابة على المصنفات الفنية الذي كثيرا ما رفض مثل هذه القصص من قبل، نظرا لحساسيتها الشديدة في المجتمع المصري.
ويؤكد الفيلم على أن الوطنية تنتصر على الحب إذا كان هناك تعارض، كما في حالة كيرة والفتاة الانكليزية، وإن كان الحب شعور إنساني لا يرتبط بالديانة ولا بالسياسة، ولكن تحكمه في النهاية اعتبارات كثيرة قد تكون ظالمة لكنها بالطبع مؤثرة .
صناع العمل وجهوا تحية للسينما من خلال مشاهد من أفلام شارلي شابلن، كما وجهوا تحية أيضا لسيد درويش موسيقار الوطنية المصرية، من خلال صورته المعلقة في كافيه ريش، ومن خلال أغنية “مقلتلكش ان الكترة لابد يوم تغلب الشجاعة” وجاء اختيارها لأنها تعبر عن حالة الوحدة الوطنية التي يؤكد عليها الفيلم ففيها مقطع يقول “غيرشي اللي كان هالك أبداننا ومطلع النجيل على عيننا.. ان فهمي يكره حنا. اش دخل دول يا ناس بس في ديننا .. دخل بيناتنا اللي موقعنا في بعضنا وراح متصدر.. فقسنا لعبته واتجمعنا ليضيع شرفنا الله لا يقدر” كما ظهر في الفيلم الدور التاريخي المهم لكافيه ريش في الكفاح الوطني ضد الانكليز.
نجح مروان حامد في اختيار الممثلين لكل شخصية، ووصل كريم عبد العزيز لمرحلة كبيرة من الاتقان وتقمص شخصية كيرة، لينجح في الانتقال بادائه من مشاهد العنف والغضب لمشاهد الحب والرومانسية. ويمثل كريم عبد العزيز مع مروان حامد أحد الثنائيات الناجحة في عالم السينما المصرية، وكذلك نجحت هند صبري في تجسيد شخصية الفتاة المسيحية المقاومة القوية العاشقة، وكانت عيناها معبرتان بقوة عن كل الحالات، ومن المشاهد المؤثرة مشهد خلعها للنقاب أثناء مظاهرة ضد الانكليز كدليل على التمسك بالحرية بكافة مظاهرها، سواء ضد المحتل الانكليزي أو ضد القيم البالية للمجتمع، وكان أحمد عز أيضا ملائما لدور الشاب مدمن الخمور متعدد العلاقات النسائية، أما روبي فلم يمنحها الدور أي مساحة للتمثيل، كذلك جاء وجود إياد نصار غير مؤثر في مشهدين، كان يمكن الاستغناء عنهما تماما من دون أدنى تأثير على أحداث الفيلم حيث لم يستفد من وجود إياد، وكان وجود تامر نبيل مفاجأة في دور الصعيدي المكسور، وهي شخصية بعيدة تماما عن شخصيته إلا انه أداها بنجاح من خلال نبرة الصوت واللهجة والنظرات المرعوبة المترددة، كذلك كان ظهور احمد كمال استثنائيا وقويا ونقلة هامة في أحداث الفيلم، حيث انتقلت الروح المقاومة بعد وفاته لإبنه.
المخرج لم يوفق في استخدام التعليق الصوتي على بعض الأحداث، حيث كان يمكن الاستغناء عنها وخاصة التعليق الذي اكد فيه على حب كيرة لابنه وخوفه عليه وهو ما تم تكراره من خلال الحوار بعد ذلك بين كيرة والجن.
الإيقاع عابه البطء والتطويل، في بعض المشاهد وخاصة مشاهد المعارك، وعانى الفيلم من عدم منطقية بعض الأحداث خاصة في النصف ساعة الأخيرة، التي شهدت أحداثا غير منطقية، بداية من خيانة أحد أعضاء المجموعة بشكل مفاجئ وبدون مبرر درامي قوي في السيناريو، وإن كان سيد رجب قد أضاف بأدائه كثيرا للشخصية، وقد أختير له اسم الهلباوي، اسقاطا على اسم المحامي المصري الخائن، مدعي النيابة الذي دافع عن الانكليز في حادثة دنشواي وساهم في صدور حكم باعدام الفلاحين المصريين، كما كان استمرار الأبطال على قيد الحياة أكثر من مرة بعد اصاباتهم إصابات خطيرة غير منطقي، بل قدرة واحد منهم وهو مصاب على الهروب من قسم البوليس، وصولا إلى الأحداث التي سبقت النهاية مباشرة والتي جاءت كلها مفتعلة وحشو زائد لا فائدة منه للفيلم، لتبقى مشكلة الفيلم الأساسية هي السيناريو خاصة في الجزء الأخير.
ورغم بعض عيوب الفيلم، لكن لابد من التأكيد على أنه تجربة سينمائية مميزة، تمكنت من استقطاب الجمهور، وتحقيق ما يزيد عن 20 مليون جنيه في أقل من أسبوع، وهو رقم كبير يؤكد أن الجمهور في حاجة إلى السينما الحقيقية، وأن السينما ستستمر رغم وجود المنصات واختلاف الظروف والتكنولوجيا، بشرط أن تحترم عقلية المشاهد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية