كيف أصبح الاردنيون فلاسفة مسألة’تربيع الدائرة؟

حجم الخط
0

مروان العياصرةعاش الأردنيون منذ بدايات تشكيل دولتهم في وعي محدد، محبوس خلف حروف كلمات الولاء والانتماء والطاعة ولو كانت عمياء، واشتغلت آلة النظام الأردني على هذا المنهج كل’المراحل التاريخية، منذ أن التقت إرادة القادمين الجدد (آنذاك)’من الحجاز مع إرادة الغرب مع إرادة نخب وطنية’تعاقدت على تشكيل كيان أردني أخذ شكل الدولة منذ’بواكيره، وأخذ مع تشكيل هذا الشكل للدولة بملء فراغات الوعي الوطني بقيم الولاء للنظام الذي استقام على رغبته بالحكم والانتماء للوطن الذي شكل حلم ساكني هذا المكان.

لا بأس بقليل من هذه الإحالة التاريخية المقتضب جدا، ما دام الحديث عن بناء وعي وطني قائم على مفهوم الولاء قبل الهوية والانتماء قبل المواطنة فيه كثير من الشجن حتى ليقال أن (الحديث ذا شجون) عن تجييش الشعب، بحكم أن الجيش أول ثغور الولاء وحصون الانتماء، فجرى على قدم وساق توجيه وعي الناس تجاه الانخراط في الجيش والانضواء تحت لواء الولاء الملكي، ولست أرى إن كان بإمكاني تسمية هذا توجيه وعي أم إبطال مفعول الوعي، ليس المهم هنا اللغة والمفردة بقدر أهمية الفكرة التي تؤسس لقناع بأن وعي المواطن الأردني جرى حبسه خلف مفاهيم الولاء والانتماء منذ أول عهدهم بالدولة بالرغم مما في بداياتنا الوطنية الأردنية من قيم وطنية تغالبت طويلا مع قيم الحكم والحكومات والنظام، حتى سقط في سبيل هذه المغالبة رموز وطنية لم يكن وصفي التل أو هزاع المجالي آخرها.. لم يكن لمفهوم الولاء والانتماء حمولة معرفية تقترب فيه من الوطن بالقدر الذي تقترب فيه من الحكم، لذا كان السلام الوطني سلاماً ملكياً ـ كمثال لا غير – على غياب الحمولة الوطنية من المفاهيم والقيم السائدة’والمسيدة، أعني بهذا أن الأردن عبر تاريخه الذي أصبح على مشارف بلوغ القرن ارتبط بنظام حكم أكثر مما ارتبط بوطن ومواطنة ووطنية، لهذا كانت خيارات كل الحكومات تقترب من’النظام أكثر مما تقترب من الوطن والمواطن نظرا لأحكام ومعايير اختيارها وتشكلها، مما أنتج حالة متراكمة عبر سنوات الحكومات المختلفة من غياب الشعور بالمواطنة، وبقي المواطنون أو لنقل (الرعايا) الأردنيين يطوون جرحهم كمواطنين في سبيل أن يظهروا ولاءهم كرعايا يقيمون حياتهم على المكارم والهبات والعطايا، ويخرسون صوتهم الداخلي بقناعة مزيفة لم ينالوا حظاً منها سوى الشعارات الجوفاء، والأماني الخرقاء، وهكذا قُدِّر لمعنى (يعيش الملك) أن يحيا، كما قدِّر لمعنى (يحيا الوطن) أن يموت أو’لنقل أن يتأجل لأجل غير مسمى، ولست على ثقة من أن هذا الزمن العربي الذي أنتج الربيع العربي هو زمن ذاك الأجل المؤجل. ليرتفع صوت (يحيا الوطن)، وذلك لسبب بسيط، أننا ما زلنا نقول ونحرص على أن نؤمن بأن الجيش من مقدساتنا، وأن الدولة الأردنية هاشمية وأنها هي النظام’الهاشمي، والتاريخ الهاشمي الذي ابتدأ منذ الثورة العربية وأن هذا الامتياز التاريخي متعاضد مع شرعية دينية كرسها وعي الولاء والطاعة والانتماء، أما الشرعية الشعبية فلا بأس بغيابها، فليست ذات قيمة ما دامت قيمة الدولة مرهونة بنظام حكمها لا بالوطن والمواطنة والهوية الوطنية.

بعد كل هذا التكريس لطابع (دولة النظام) على حساب (الدول الوطنية)،’يصبح سؤال الإصلاح للنظام والتأسيس للدولة الوطنية المدنية، دولة المؤسسات والقانون نوعاً من سؤال (تربيع الدائرة)، أعني بذلك أنه عندما يقول النظام أن هذا هو الإصلاح فإنه يعني هذا وكفى، وليس لنا أن نجادل ونسفسط بديماغوجية بليدة، ولكي أفسر أكثر أذكر هنا ما كتبه (جوليان’باجيني) تحت عنوان'(تربيع الدائرة)، إذ قال الرب للفيلسوف أنا هو الرب ربك، وتناهي القدرة والقوة، فقال الفيلسوف’اصنع لي أيها الرب دائرة مربعة، فقال الرب فلتكن دائرة مربعة، فقال الفيلسوف لم تكن، ما زالت مربعة، فقال الرب عندما أقول إنها دائرة مربعة في دائرة مربعة، ولتحذر وقاحتك، فقال الفيلسوف أنا لم أسألك تغيير معنى كلمة دائرة حتى تعمي مربعاً، بل سألتك أن تكون دائرة مربع على الحقيقة، حينها غضب الرب وألحق بالفيلسوف العذاب والانتقام.. لا أدري إن كنا نحن الأردنيين فلاسفة في مسألة الإصلاح مثل هذا الفيلسوف في مسألة الدائرة المربعة، وهل سيحل علينا العذاب والانتقام كما حل على غيرنا من الأقربين.. ؟’أم’أن الرب له حكمة مؤجلة’يدخرها’لنا إلى وقت معلوم يتحقق لنا بها الإصلاح على الحقيقة لا على الوهم وتغيير معاني الكلمات والتلاعب بالألفاظ.. مع هذا فإن فينا بقية باقية ما زالت تؤمن بأن (الهاشمية) أمينة على دولتها وشعبها ووطنها، وأنها تدخر لنا هذا الإيمان والأمان للأيام القادمة التي ستصدق ذلك أو تكذبه.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية