في الصفحة الرئيسية للأكاديمية الوطنية للتدريب في مصر، توجيه لتعبئة طلب مشاركة في عملية الحوار الوطني المخطط إجراؤها في الأسابيع القريبة المقبلة. المبادر لهذا الحوار، الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعلن عن ذلك رسمياً أثناء وجبة إفطار في الشهر الماضي، التي أوضح فيها بأن هدفه فتح قناة مباشرة بين النظام والشعب، وأن كل حركة، حزب أو تنظيم، مدعو لتوجيه أسئلة والتطرق للقضايا الساخنة التي يجب على النظام علاجها من أجل “بناء الجمهورية الجديدة”.
قائمة المواضيع للنقاش تشمل، ضمن أمور أخرى، الأمن والرفاه الاقتصادي والتعليم ومكافحة الإرهاب. لم يتم حتى الآن تحديد مدة الحوار، الذي بدأ التسجيل للمشاركة فيه في الأسبوع الماضي. هو يستهدف مقابلة مجموعات نقاش في أرجاء مصر مع بعضها، التي ستتم فيها صياغة الاقتراحات والطلبات للحركات المشاركة. في نهاية العملية، سيتم تركيز ملخص الأقوال، ثم عرضها على السيسي، الذي سيقرر ما سيتم تحويله إلى البرلمان ويترجم إلى تشريع. الحاجة إلى حوار وطني، أوضحت الأكاديمية الوطنية للتدريب (الخاضعة للرئيس والتي تم تكليفها بإدارة هذه العملية)، هو أن مصر “تتعرض لتهديدات أمنية تضعها في وضع استثنائي”.
الحوار الوطني ليس اختراعاً جديداً في مصر. فرؤساء سابقون مثل أنور السادات وحسني مبارك، استخدموا هذا الاختراع عندما واجهوا انتقاداً واسعاً من قبل الجمهور أو ضغطاً دولياً حول وضع حقوق الإنسان في الدولة، أو أثناء أزمات اقتصادية. بادر السادات عدة مرات إلى إجراء محادثات مع المثقفين المصريين والإخوان المسلمين ونشطاء في المعارضة للحصول على الدعم، أو على الأقل تحييد انتقادهم لسياسة الانفتاح على الغرب، التي بدأ في تطبيقها بعد حرب يوم الغفران.
في فترة قصيرة، اتضحت إخفاقات هذه السياسة التي منحت تسهيلات مبالغاً فيها لأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين الأجانب، وعمقت الفساد ولم تخدم تحسين وضع الطبقات الضعيفة. اتفاق السلام مع إسرائيل وسع الانتقاد العام ضد السادات، وفي النهاية، في أيلول 1981، قبل شهر من قتله، أنهى مهزلة الحوار الوطني وأمر باعتقال 1500 من النشطاء المثقفين والكتاب والأكاديميين المنتقدين.
أما الحوار الذي بادر إليه حسني مبارك في 2003 فقد استهدف تخفيف ضغط أمريكا الشديد الذي استخدم عليه عقب حرب الخليج الثانية. في حينه، ولدت مبادرة الرئيس الأمريكي بوش الابن لتسويق الديمقراطية في الدول العربية والإسلامية. أمر مبارك رؤساء الحزب الحاكم، الحزب الوطني الديمقراطي، بالبدء بحوار مع المعارضة لصياغة برنامج وطني مشترك، وسياسي واقتصادي-اجتماعي. اعتبرت المعارضة ذلك فرصة لقضم الاحتكار السياسي للحزب الحاكم، وأدركت بسرعة أن الأمر يتعلق بمناورة تستهدف حبسهم في محادثات لا نهاية لها، دون أي نية لإجراء إصلاحات، فقط أن يعرضوا أمام الولايات المتحدة صورة ظاهرية لجهود بناء ديمقراطية. هذا الحوار الذي كانت النقاشات فيه مغلقة أمام الجمهور ولم تشرك فيه كل الحركات والمنظمات، أنهى حياته بتصريح مشترك أدان تدخل “قوات أجنبية”، أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في شؤون مصر الداخلية.
الحوار الوطني للسيسي، يأتي على خلفية ضغوط واشنطن وبروكسل لتحسين وضع حقوق الإنسان والدفع بالديمقراطية في مصر. في أيلول، جندت أمريكا 130 مليون دولار من إجمالي المساعدات العسكرية التي ترسلها لمصر، وفي كانون الثاني تم خصم المبلغ من ميزانية المساعدات السنوية. هذا على خلفية الضائقة الاقتصادية الشديدة في مصر عقب وباء كورونا والحرب في أوكرانيا، التي أدت إلى ارتفاع أسعار دراماتيكي للمنتجات الأساسية. هذا جزء من التحديات التي يجد السيسي صعوبة في مواجهتها.
الهمسات في شوارع مصر، التي وجدت تعبيرات فظة في الشبكات الاجتماعية، تستخف بالمنشورات الحكومية حول تحسين الوضع الاقتصادي في مصر. بيانات النمو في الواقع متفائلة، لكن برامج الإصلاحات الاقتصادية، بالأساس الوعود بخصخصة بعض الشركات الحكومية والعسكرية، عالقة عميقاً في الأدراج، بالتحديد حيث تحتاج مصر إلى مساعدة أخرى من صندوق النقد الدولي، الذي يطلب منها إشراك القطاع الخاص بصورة أكبر في النشاطات الاقتصادية.
لا يحتاج السيسي إلى حوار وطني كي يستمع لما يقلق المصريين؛ يكفيه النظر في البيانات الحقيقية للمكتب الوطني للإحصاء، لا إلى البيانات التي ينشرها المكتب نفسه للجمهور. باعتباره الشخص الذي يقرر وبشكل حصري نظام أولويات الدولة، فإن نصائح أو اقتراحات من قبل أحزاب المعارضة أو منظمات حقوق الإنسان ليست بالضبط ما يحتاجه الرئيس، الذي سبق ووعد بأن يستمر في منصبه خلال العقد القادم، لكنه يريد تشكيل واجهة عرض مصرية للتخلص من الضغط الأمريكي وتجنيد مستثمرين من الغرب.
أحزاب المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان مترددة حول مشاركتها في الحوار، وبذلك تعطيه الشرعية أو تغيب عنه. رمى السيسي لهذه للمعارضة عظمة مغرية عندما أطلق سراح بضع عشرات من السجناء وأمر باستئناف نشاط لجنة إطلاق سراح السجناء، التي تم تشكيلها في 2016. يطالب ممثلون عن منظمات حقوق إنسان بأن يطلق الرئيس في البداية سراح آلاف السجناء السياسيين دليلاً على حسن نيته. ويقول بعضهم بأنه إذا كان الحوار الوطني يهدف إلى إشراك جميع الحركات بدون تمييز، يجب أن تضم له حركة الإخوان المسلمين التي تعتبر منظمة إرهابية.
في هذه الأثناء، يبدو أن النظام هو ليس الوحيد الذي يرفض السماح بمشاركة حركة الإخوان المسلمين، بل الحركة نفسها، التي تسود فيها صراعات قوى داخلية بين مركزها الموجود في تركيا والمركز الذي يعمل في لندن، ولا يمكنها اتخاذ قرار هل ترحب بمبادرة الرئيس، وبالأحرى المشاركة في النقاشات أو مقاطعتها، هذا إذا تمت دعوتها إليها. هذه خلافات نظرية، تثير ضجة في وسائل الإعلام المصرية، ضجة تخدم بالطبع هدف السيسي الذي يريد الإثبات بأن الأمر يتعلق بمبادرة جدية ستغير العقد القائم بين النظام والرعايا.
حوار شعبي محدود الضمان
بعد أسبوعين على نشر السيسي لمبادرته، وجد له مقلداً وهو الرئيس التونسي قيس سعيد. في بداية أيار، أعلن سعيد عن حوار وطني بمشاركة أربع منظمات مركزية، ستقدم اقتراحات وتوصيات لتغيير الدستور، وستخضع هذه التغييرات لاستفتاء شعبي في 25 تموز المقبل. إذا صادق الاستفتاء على التعديلات، فإنها ستشكل أساساً للانتخابات التي ستجرى في نهاية كانون الأول المقبل. مقارنة بالسيسي، لا يعتبر الحوار التونسي دعوة لجميع الجهات والحركات، والرئيس بكر في التوضيح بأن “الجهات التي خربت وتصرفت بصورة غير مقبولة مع الجمهور، لا يمكنها المشاركة”.
وكان يقصد بذلك حزب النهضة الإسلامي، وهو حزب يعتبر أخاً لحركة الإخوان المسلمين، إلى جانب المنظمات التي انتقدت خطواته الديكتاتورية الأخيرة. سعيد، الذي هو بروفيسور في القانون الدستوري والذي انتخب في 2019، يترأس دولة كانت تعتبر النموذج الوحيد للديمقراطية التي تطورت في الشرق الأوسط بعد ثورة “الربيع العربي”. تحولت تونس إلى نموذج للنجاح الدستوري. في الانتخابات التي جرت فيها بعد الثورة، حصل حزب النهضة على أغلبية ساحقة، وشبيهاً بنجاح الإخوان المسلمين في مصر بعد عزل مبارك من الرئاسة.
تولى السيسي الحكم هناك بعد سنة على الانتخابات، وعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي. أما تونس فجرت إدارتها على أيدي ائتلاف متفق عليه برئاسة حزب النهضة وحزبين علمانيين. ولكن سرعان ما وجدت نفسها في انقسام عميق في المواقف هدد استقرارها، إلى أن تم الاتفاق على عملية حوار وطني بإدارة أربع مجموعات، وهي: نقابة العمال الأكبر في الدولة، ورجال الصناعة، وجمعية حقوق الإنسان، ومكتب المحامين. وهذه نجحت في تأسيس نظام ديمقراطي متفق عليه وثابت بقدر ما. وفي 2015 فازوا بصورة مشتركة بجائزة نوبل للسلام على إنجازاتهم السياسية.
لكن هذه الإنجازات انهارت بضجة كبيرة في تموز من العام الماضي، عندما قرر سعيد بأن البنية السياسية القائمة لا تسمح بإدارة سليمة للدولة، بالأساس هي تقضم قوته وصلاحياته. فأقال رئيس الحكومة وحل الحكومة، وأعقبها البرلمان والمجلس القضائي الأعلى، وبدأ في إدارة الدولة حسب أوامر رئاسية بدون رقابة عامة أو إشراف. الانتقاد الداخلي والدولي لم يؤثر على سعيد، إلى أن أدرك بأنه لا يمكنه الحصول على مساعدات اقتصادية أو قروض من صندوق النقد الدولي إذا لم يتراجع عن خطواته غير الديمقراطية.
تونس بحاجة إلى القروض بمبلغ 6 مليارات دولار تقريباً. هبط سعر الدينار إلى حضيض غير مسبوق. تم خفض التصنيف الائتماني لتونس إلى مستوى “تريبل سي” (خوف من القدرة على سداد الديون)، ووصلت نسبة البطالة إلى 16 في المئة تقريباً، وفي أوساط الشباب إلى 38 في المئة. استدعى سعيد الآن نفس الرباعية التي أشرفت على الحوار الوطني السابق من أجل إدارة العملية الجديدة وصياغة تعديلات الدستور. هذه الخطوة جلبت له تربيتاً على الكتف من الاتحاد الأوروبي، وبدرجة متحفظة أكثر من الإدارة الأمريكية. ولكن الشعب التونسي على قناعة بأن النتيجة النهائية التي يسعى إليها سعيد هي نظام رئاسي ديكتاتوري حسب نموذج السيسي.
هكذا، في مصر وتونس، تحولت عملية الحوار الوطني إلى أداة في يد النظام من أجل زيادة صلاحياته من خلال خلق مظهر شكلي للديمقراطية، مظهر يتوجه مباشرة إلى الجمهور وكأنه يوافق على اقتراحاته ويعمل بحسبها. رغم أن كل طرف، الجمهور والأحزاب والمنظمات، تدرك النوايا الحقيقية التي تحرك النقاشات التي يبادر إليها النظام، وهي لا تتنازل في معظمها عن الفرصة من أجل طرح مواقفها والمشاركة في الحوار وكأن داخله يحوي وعداً بالتغيير.
لا يدور الحديث عن سذاجة أو أمل بأنهم سيؤثرون على قرارات النظام في هذه المرة، بل بضرورة الظهور كمن بذلوا كل الجهود لوقف ترسيخ الديمقراطية، حتى لو كانت مشاركتهم تشكل نوعاً من طبقة التنجيد التي تحمي النظام من انتفاضة جماهيرية. يدرك المشاركون جيداً بأنهم سواء شاركوا في الحوار أو لم يشاركوا، فسيظهرون كمن خدموا النظام، الذي سيقوم في الأصل بكل تحايل وكل مناورة لعرض النتائج كتأييد جماهيري لخطواته.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 20/5/2022