لندن – «القدس العربي»: أخيرا وبعد طول انتظار، انتصر مدرب برشلونة رونالد كومان، لنفسه وقناعاته الشخصية، بعد نجاحه في استعادة الكثير من هيبة العملاق الكتالوني، التي تعرضت لأبشع أنواع الانتهاك الكروي على مدار ثلاث سنوات، اختفت خلالها النسخة المحفورة في الأذهان عن ملوك «التيكي تاكا»، وشهدت كذلك فضائح غير مسبوقة في تاريخ النادي الحديث، قبل أن يرتدي المدرب الهولندي عباءة المُخلص، الذي ينتظره الجميع في «كامب نو» منذ رحيل بيب غوارديولا واعتزال أساطير العصر الذهبي، مجسدا مقولة المؤلف الأمريكي الراحل ديل كارينغي «لا يمكن تحقيق النجاح إلا أذا أحببت ما تقوم به».
مغامرة للتاريخ
بغض النظر عن مستقبل كومان مع البارسا وما سيحدث معه في نهاية الموسم، فلن ينسى كاتب التاريخ، أن صاحب هدف تتويج النادي بأول لقب دوي أبطال في 1992، هو نفسه من عاد بعد ثلاثة عقود، لينتشل بيته القديم من براثن الضياع والانهيار، مضحيا بمشروعه المكتمل في الأراضي المنخفضة وبفرصة نادرة في العمر للمنافسة على كأس الأمم الأوروبية، ليغامر بمستقبله الوظيفي مع فريق، وصل فعليا إلى قاع الحضيض، نتيجة الصراعات والمشاكل الداخلية، التي بلغت ذروتها بمجرد تسلم كومان الدفة الفنية خلفا للمنسي كيكي سيتيين، في ما عرف بتبعات فضيحة القرن أمام بايرن ميونيخ، أشهرها صدام ليونيل ميسي مع الرئيس السابق جوسيب ماريا بارتوميو، لرغبة البرغوث آنذاك في الرحيل، اعتراضا على تدهور أوضاع النادي مع الإدارة السابقة، إلى جانب الثورة العارمة على نفس المجلس، التي انتهت بالإطاحة به، لنجاح المعارضة في الحصول على التوقيعات اللازمة للاستفتاء على سحب الثقة من الملياردير الكتالوني، وغيرها من المشاكل التي أثرت بشكل سلبي على استقرار النادي، وبالتبعية عقدت مهمة المدرب الجديد، لاسيما بعد الانتقادات اللاذعة التي تعرض لها في بداية الموسم، تارة للأداء غير المبشر وتارة للنتائج الصادمة، على غرار ما حدث أمام يوفنتوس، بالسقوط أمام كريستيانو رونالدو ورفاقه بالثلاثة في قلب «كامب نو» في ختام مرحلة دور مجموعات أبطال أوروبا.
قبل وبعد
كان واضحا، أن أغلب المؤشرات ترجح سيناريو طرد كومان، على الأبعد في نهاية الموسم، لعدم ظهور بصماته بشكل واضح حتى أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، وأيضا كضحية للانتخابات، على اعتبار أن الرئيس الجديد سيأتي بمدرب بأفكار تتماشى مع مشروع إعادة برشلونة إلى مكانته الطبيعية، والدليل على ذلك، أن الفريق كان يعاني من نفس المشاكل ونقاط الضعف، سواء مع المدرب الأسبق إرنستو فالفيردي أو مع سيتيين، أكثرهم وضوحا الخلل الكبير على مستوى الدفاع، إلى جانب منطقة العمق المستباحة بين الوسط والدفاع، لاعتماد المدربين على طريقة لا تتماشى ولا تحترم عمر اللاعبين، خصوصا الركائز الأساسية التي تخطت حاجز الـ30، مثل لاعب الارتكاز سيرجيو بوسكيتس، حيث كانت تُستنفد طاقته، بالاعتماد عليه في نفس مركزه القديم عندما كان في ريعان شبابه، كلاعب وحيد على الدائرة مطالب بتغطية المساحة الشاسعة بين قلبي الدفاع والوسط في الرسم التكتيكي 4-4-2 أو 4-3-3. ومع انخفاض معدلات بوسكيتس البدنية وتراجع سرعته بحكم الطبيعة البشرية، انفجرت مشاكل البارسا الدفاعية، لمعاناة جيرار بيكيه من نفس الصداع، بجانب ضعف جودة المدافع الثاني لينغوليه، وسهولة اختراق الظهيرين لتباعد المسافة بينهما وبين الأجنحة ولاعبي الوسط، وهذا كان يُسهل مهمة المنافسين لضرب الفريق، خصوصا في الهجمات المعاكسة، كما فعلها ماوريسيو بوتشيتينو في مواجهة ذ هاب ثمن النهائي، باستغلال سرعة ملك الانطلاقات كيليان مبابي في الفراغات المكشوفة خلف بوسكيتس والظهيرين، فيما كانت أشبه بالصدمة أو الصفعة، التي أجبرت كومان على التفكير خارج الصندوق، بتعديل أفكاره، أو بالأحرى العودة إلى الجذور، التي تربى عليها على يد مواطنه ومؤسس مدرسة «تيكي تاكا» يوهان كرويف، باللعب بالطريقة الكلاسيكية 3-5-2 ومشتقاتها، تلك الطريقة التي كان يُبدع كلاعب مدافع بجانب بيب غوارديولا في زمن كرويف، ليجني الثمار بأثر فوري أمام نفس المنافس الفرنسي الذي فضح ثغرات الفريق، وكان ذلك في مباراة العودة، التي شهدت خروج الفريق من دوري الأبطال، بعد التعادل 1-1 في «حديقة الأمراء»، لكنها بعثت الكثير من الأمل والتفاؤل للمشجعين، بعودة حقيقية لسحر «التيكي تاكا» المفقود منذ زمن غوارديولا وجيل العظماء في بداية العقد الماضي، ووضح ذلك في توازن الفريق دفاعيا وهجوميا، وفي المساحات المغلقة أمام مبابي وباقي نجوم سان جيرمان، ووضح عمل المدرب الهولندي في سهولة نقل الكرة من قدم إلى قدم، وانتشار اللاعبين في الثلث الأخير من الملعب، والذي ساهم في خلق العديد من الفرص، التي لولا التفنن في إهدارها مع تألق الحارس كيلور نافاس، لانتهت بنتيجة قريبة من الفوز الكاسح على ريال سوسييداد في عقر داره 6-1، كأكبر انتصار للكتالان في الباسك منذ عام 2000.
مكاسب التحول
بوجه عام، يمكن القول إن العرض الراقي أمام سان جيرمان، واستجابة اللاعبين السريعة لأفكار المدرب، جاءت في الوقت المثالي، منها استكمل المدرب ما يتم البناء عليه منذ أكثر من ثلاثة شهور، ومنها أيضا تضاعفت ثقة اللاعبين بأنفسهم، بمواصلة الانتصارات والعروض المقنعة على المستوى المحلي، والتي وصلت لحد قهر المنافسين في آخر 9 مباريات خارج القواعد على مستوى الليغا، عكس وضع الفريق في عهد فالفيردي ومن سبقه، كانت مشكلته تكمن في تحقيق الانتصارات خارج «كامب نو». ولم يعرف الفريق طعم الهزيمة منذ سقوطه الأخير أمام قادش 1-2 في الجولة الثانية عشرة في بداية ديسمبر الماضي، لتتبدل أوضاع برشلونة من النقيض إلى النقيض مع بدء أبريل/نيسان الحاسم، من فريق كان ينتظر معجزة من السماء ليختم الموسم بصورة تليق باسمه، إلى أشرس منافس على لقب الليغا، بعد تقلص الفارق مع أتلتيكو مدريد المهتز إلى أربع نقاط فقط، فضلا عن فرصه الكبيرة في إعادة كأس الملك إلى مكانها المفضل طيلة العقد المنقضي، بعدما ضرب موعدا مع أتلتيك بلباو، في المباراة النهائية، التي ستكون ثأرية بامتياز، بعد الهزيمة الدرامية أمام الغريم الباسكي في نهائي الكأس السوبر، كأفضل تعويض للجماهير على الفترة الصعبة الماضية. وبطبيعة الحال، إذا فعلها كومان، ونجح في الفوز ببطولة، ستكون كافية لإلزام خوان لابورتا بالإبقاء عليه لموسم آخر على أقل تقدير، وحتى إذا جانبه التوفيق مع الألقاب، فجُل المؤشرات تظهر أنه كسب ثقة واحترام المحامي الرئيس، لما أنجزه في الفترة المعقدة وما يفعله الآن، بتقديم أوراق اعتماده، كمدرب يستحق استكمال المشروع، الذي ترك كل شيء من أجله.
الخطوة التالية
سيكون من الصعب على لابورتا الوقوف أمام الموج الجماهيري العالي، إذا استمر النسق التصاعدي للفريق حتى نهاية الموسم، من منطلق أن المصلحة العامة تفوق المصالح والوعود الانتخابية، وهذه ستكون الخطوة الأولى لضمان استمرار المشروع والحفاظ على الاستقرار الفني داخل الفريق، بعدها سيحتاج المدرب دعم الإدارة، أولا لإقناع قائد المشروع ليونيل ميسي بفكرة الاعتزال داخل النادي، ليواصل تقمص دور «سانتا كلوز»، كما يفعل في المباريات الأخيرة، مقدما نسخة تحاكي نسخته في أوج لحظاته مع فالفيردي، بصب تركيزه على تطويع عبقريته للعمل الجماعي، بعيدا عن صراع البحث عن الأرقام القياسية وهوس تسجيل أكثر من 50 هدفا كل موسم. ثانيا حل أزمة غياب المهاجم القناص، القادر على التسجيل من نصف فرصة، بدلا من صداعه الحالي، الذي يظهر في الكم الهائل من الفرص التي يهدرها عثمان ديمبيلي وأنطوان غريزمان، والبشرى السارة للمشجعين، أن أغلب المصادر المقربة من لابورتا، تؤكد أنه عازم على ضم إيرلينغ هالاند من بوروسيا دورتموند، باستغلال علاقته القوية بالوكيل مينو رايولا. أما آخر قطعة سينتظرها المدرب الهولندي، ستكون صفقة دفاعية، ويا حبذا لو مدافع من الطراز العالمي، للارتقاء بجودة الدفاع، والهدف المنشود هو متمرد بايرن ميونيخ ديفيد ألابا، الذي تتصارع عليه الأندية في الوقت الراهن، طمعا في الحصول على توقيعه بموجب قانون بوسمان، أما غير ذلك، فالمشروع الحالي لا يحتاج إضافات كثيرة، مع استعادة المفتاح السحري خوردي ألبا في الجهة اليسرى، وتحسن ديست من مباراة لأخرى، ونفس الأمر لفرينكي دي يونغ، الذي أعاد اكتشاف نفسه في مركز المدافع الثالث الحر، ذاك المكان، الذي رفع الحرج كثيرا عن بوسكيتس في دوره الدفاعي، بالتعاون مع مشروع أسطورة المستقبل بيدري، بلمساته الإبداعية ومعدل ذكائه الواضح في تطوره المستمر في كل مراكز الوسط الهجومي، كذلك حراسة المرمى تبقى في أمان طالما شعر تيرشتيغن بوجود منظومة تدافع بشكل جماعي، والسؤال الآن: هل أنقذ كومان وظيفته وسيعيد برشلونة المخيف مع تدعيمات الموسم الجديد؟