كيف أعاد مانشيني كبرياء وعظمة إيطاليا في وقت قياسي؟ 

حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”: انتصر المدرب الإيطالي روبرتو مانشيني لنفسه على المستوى الشخصي ولبلاده بوجه عام، بإعادة البسمة على الوجوه في مدرجات ملعب “الأولمبيكو”، بعد 23 شهرا من كارثة المدرب السابق جانبييرو فينتورا، الذي أعاد أسياد الدفاع عقودا إلى الوراء عندما فشل في تخطي السويد بدون زلاتان إبراهيموفيتش في ملحق التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2018، في ما عرفت في وطن البيتزا بـ”صدمة نوفمبر” 2017، باعتبارها أسوأ لحظة مرت على المشجعين الطليان المعتادين على الحضور الدائم في المونديال في آخر نصف قرن.

العهد الأول
عندما تولى المانشيو الدفة الفنية للآزوري، كانت هناك حالة تشاؤمية غير مسبوقة مسيطرة على الشارع الرياضي الإيطالي، فبعيدا عن خيبة أمل الاكتفاء بمشاهدة منتخبات العالم عبر شاشات التلفاز، كانت هناك مخاوف لحد الذعر من نضوب المواهب، خاصة في المراكز التي ترتكز عليها مدرسة “الكالتشيو” و”الكاتاناتشيو”وغيرها من المصطلحات والانطباع العام في الأذهان المعروف عن أبطال العالم 4 مرات من قبل، لعل أهم وأبرز هذه المراكز قلب الدفاع، فبعد جنتيلي ومالديني وكوستاكورتا ونيستا وفابيو كانافارو، عجز هذا البلد على اكتشاف وتحضير أسماء قادرة على تحمل المسؤولية مع استعداد بارزالي وجورجيو كيليني لتسليم الراية، ليأتي الزمن الذي نشاهد فيه دفاع ملوك الدفاع بنفس مستوى وربما أقل من منتخبات الصفوة في أوروبا، والأخطر من ذلك، افتقار الأسماء الرنانة في مختلف المراكز، لم يعد هناك مايسترو بخبرة بيرلو، ولا لاعب نجم بحجم وشعبية ملوك الألفية الجديدة كتوتي وديل بييرو، والدليل، أنه منذ لحظة انفجار هذا الجيل في 2006، لم تقم لإيطاليا قائمة إلا في مناسبات نادرة، على غرار انتفاضة يورو 2012، ونسخة غرينتا أنطونيو كونتي في يورو 2016، بينما في كأس العالم، خرجوا مرتين من الدور الأول، والثالثة فشلوا حتى في التأهل. مع ذلك، قبل مانشيني التحدي، متخليا عن فارق 8 مليون يورو بين راتبه مع زينيت الروسي وراتبه مع المنتخب، والأهم، أنه في حديثه الأول مع وسائل الإعلام منتصف مايو، تعهد بتقديم “شيء ما” للوطن.

عودة الأيام الخوالي

والآن وقبل أن يُكمل عامه الثاني في سُدة حكم المنتخب صاحب الشعبية الجارفة في الوطن العربي، يرى كثير من النقاد والمتابعين، أنه قدم على أرض الواقع أكثر مما تعهد قبل أن يتسلم المهمة الأكثر ثقلاً وصعوبة من تسلق أعلى الجبال، أولاً أعاد إلى الأذهان زمن لم يعهده ربما أكثر من 90% من سكان إيطاليا الحاليين، بمعادلة رقم المدرب الأسطوري فيتوريو بوزو، محققا الفوز في تسع مباريات متتالية في مختلف المسابقات، تماما كما فعل الفائز بكأسي العالم عامي 1934 و1938 في الفترة بين 1938 و1939، في سيناريو لم يحلم به حتى أكثر المتفائلين بنجاح تجربة مانشيني، أن يعود المنتخب إلى الساحة العالمية بهذه السرعة، وبأرقام سيتوقف عندها التاريخ، كما فعل بضمان تأشيرة اللعب في يورو 2020 بعد أول سبع مباريات في التصفيات. ولم يكتف بذلك، بل واصل بإضافة العلامة الكاملة في ثماني مباريات متتالية، بعد الفوز التقليدي على ليشتنشتاين بخماسية كاسحة مساء الثلاثاء الماضي، بسجل شبه مثالي وصل لـ25 هدفا في مرمى المنافسين مقابل استقبال ثلاثة أهداف، بعد منتخب بلجيكا الذي جمع نفس نقاط إيطاليا، لكن بسجل خرافي 30 هدفا في شباك المنافسين، ولم تهتز شباكه إلا مرة واحدة، كأفضل رد من المانشيو على حملات التشكيك التي نالت كثيرا من كفاءته وخبرته واسمه كمدرب، رغم رصيده السابق سواء في “سيريا آه” مع الإنتر أو في البريميرليغ مع مانشستر سيتي، كما أنه أشبع رغبته في الانتقام من كل من ظلمه عندما كان لاعبا، وربما من يتذكره كلاعب، يعرف جيدا أنه كان عملة نادرة في أوج وأعظم لحظات الدوري الإيطالي، بتقديم نفسه كلاعب بالصبغة اللاتينية مع سامبدوريا ولاتسيو، مع ذلك لم يحصل على فرصته مع المنتخب بما يتماشى مع موهبته، فقط سجل 4 أهداف من مشاركته في 34 مباراة دولية، لتتبدل الأحوال ويصبح الآن بالنسبة لعشاق الكرة الإيطالية بمثابة الرجل المخلص، الذي جاء في الوقت المثالي لينتشل المنتخب من براثن الضياع.

أكثر من مجرد أرقام
بصرف النظر عن لغة الأرقام التي تعكس ما قام به مانشيني، فعلى المستوى الفني والتخطيط للمستقبل، يُمكن القول أن مانشيني نسف الاعتقاد السائد عنه، أنه مدرب أقل جودة من عظماء التسعينات فابيو كابيلو وساري ومارتشيلو ليبي، وكذلك أبناء جيله الحاليين كارلو أنشيلوتي وماوريسيو ساري، ومن نحسه العجيب في السنوات الماضية، أنه كان كلما يحقق إنجازا مع فرقه لا ينسب له، على سبيل المثال حين فاز مع الانتر بلقب الدوري أرجعوا السبب لغياب يوفنتوس ومعاناته بعد فضيحة “الكالشيوبولي”، وواجه نفس المصير عندما وضع حجر أساس مشروع مانشستر سيتي، بقيادته للفوز بأغلى وأصعب لقب بريميرليغ ربما في تاريخ الكرة الإنكليزية، قيل آنذاك “فعلها بالصفقات الرنانة والملايين”، وهذا الانطباع السيئ جعل شريحة لا يُستهان بها، لا تنتظر أي جديد منه، على اعتبار أنه سيعمل على محاكاة أنطونيو كونتي، بالاعتماد على ما تبقى من الأسماء الكبيرة في السن وأنصاف نجوم الدوري المحلي، ليكون المنتج النهائي صورة تقليدية للمنتخب الإيطالي، يعول على الغرينتا وغلق المساحات أمام المنافسين وقتلهم بفرصة أو اثنتين على المرمى، لكن على أرض الواقع، نجح في تقديم نسخة مختلفة لبلاده، بتحويله إلى منظومة جماعية تدافع وتهاجم على قلب رجل واحد، بعناصر كانت مجهولة قبل عامين، والآن في منتصف سلم النجومية العالمية، من نوعية زانيولو وبيرنارديسكي وباريلا وسينسي، الذين أصبحوا الآن مؤثرين في روما والإنتر ويوفنتوس، مقارنة بوضعهم مع أنديتهم السابقة قبل عامين، أو بالأحرى مع تسلم مانشيني مهمة تدريب المنتخب. ويُحسب له كذلك، تطعيم القوام الرئيسي المكون من شباب معدل أعماره 25 عاما، بأسماء من ذوي الخبرة كانوا مهمشين وخارج الصورة، مثل أتشيربي، الذي خاض مباراته الدولية الرابعة بعمر 31 عاما، وأرماندوا ايتسو (27 عاما)، وفينتشينزو غريفو وكيفن لازانيا ودامبروسيو (31 عاما)، ومع هذا الخليط، يرتكز في مشروعه على ثلاثي الوسط الخلاق، المتمثل في البرازيلي الأصل جورجينيو والموهوب فيراتي كثائي ثابت يتناوب عليه سينسي وباريلا وآخرون.

الخلطة السحرية
مانشيني لا يفعل المستحيل مع إيطاليا، كل ما في الأمر أن الرجل ترك رسالة للجميع أن أبواب المنتخب مفتوحة على مصراعيها للمجتهدين والملتزمين والمستعدين للتضحية من أجل شعار إيطاليا، وأثبت ذلك باختياراته التي لم يختلف عليها إلا الفئة المعترضة في كل مكان من أجل الاعتراض، وأكمل عمله بإستراتيجيته المتطابقة مع كرة القدم الحديثة التي نشاهدها مع يورغن كلوب وبيب غوارديولا والبقية، بمرونة في تغيير أسلوب اللعب، فأحيانا يبدأ المباراة بثلاثة مدافعين وأمامهم أربعة في الوسط وثلاثة في الهجوم، وفي الشوط الثاني يعود للعب بأربعة في الدفاع، لكن الثابت، أنه يستغل إيموبيلي كما يفعل كلوب مع روبرتو فيرمينو، رأس حربة وهمي، يفتح الطريق لبيرنارديسكي وسبيناتزولا من على الأطراف ولإنسيني في العمق، متسلحا بجودة جورجينيو في الاحتفاظ بالكرة وتمريرها إلى الأمام بدقة تقترب من 100%، مع إبداع القصير الماكر فيراتي، الذي يعيش أفضل لحظاته بوصوله لقمة نضجه كلاعب وسط من طينة سحرة برشلونة أندريس إنييستا وتشافي، ونلاحظ ذلك بالاختلاف الشاسع في نسبة استحواذ الآزوري على الكرة في مبارياته مع مانشيني، مقارنة مع أي مدرب آخر، انتهى زمن الاستحواذ بنسبة أقل من 55%، وبدأ عهد جديد لا يعتمد على الكرات الطولية أو إبداع ديل بيرو أو توتي أو أفضل لاعب في تاريخهم باجيو، فقط يعتمد على نقل الكرة من قدم لقدم بشكل طولي ومنظم، مع تحركات بدون كرة في الثلث الأخير من الملعب، بقوام رئيسي تفوح منه طاقة وحيوية الشباب، والقليل من الخبرة اللازمة المطلوبة كالملح على الطعام، متمثلة في بونوتشي ودامبروسيو ومن فوق 30 عاما، الذي يعول عليهم في الوقت المناسب حفاظا على التوازن بجمع كل الأعمار في تشكيلته الأساسية. والأمر المبشر، أنه كلما غاب أي لاعب من التشكيلة الأساسية، يأتي بديله ويؤدي المطلوب على أكمل وجه، كما حدث في مباراة فنلندا المعقدة التي خاضها بدون ماركو فيراتي بداعي الإيقاف، لكن الأمور سارت بشكل طبيعي جدا في وجود جورجينيو وسينسي وباريلا.

مستقبل مشرق
بطبيعة الحال، إذا واصل مشروع مانشيني على نفس النسق حتى الصيف المقبل، سيكون واحدا من أقوى المرشحين للفوز باليورو الفريد من نوعه الذي يقام في عدة مدن، أولاً وضع إيطاليا لا يختلف كثيرا عن أعتى المنافسين مثل إسبانيا وألمانيا، كليهما في مرحلة تجديد الدماء، ولا يبدو أنهما في مستوى أعلى من فريق مانشيني، حتى المنتخب الفرنسي، أموره لا تسير على ما يرام في الآونة الأخيرة، بمعاناة مع تركيا لافتكاك صدارة المجموعة، الاستثناء الوحيد يبقى المنتخب البلجيكي، الذي وصل جيله الحالي لقمة التفاهم والانسجام مع روبرتو مارتينيز، أما غير ذلك، ستبقى فرص الطليان متساوية تماما مع الكبار، بمن فيهم البرتغال في حضرة أسطورتهم كريستيانو رونالدو وهولندا بجيلها الشاب المهتز في الوقت الحالي. الشاهد، أننا في الغالب سنكون أمام منتخب إيطالي مرشح كالعادة للمنافسة على أي بطولة يشارك فيها، وإن لم يحقق هدفه بالذهاب لأبعد مكان في اليورو، وهذا يبدو مستبعدا في ظل التقارب الكبير في مستوى الخمسة أو الستة المرشحين، فسيكون مونديال قطر 2022 موعد جني ثمار المشروع الذي أثبت مانشيني من خلاله أن إيطاليا ما زالت عامرة بالمواهب في كل الفئات السنية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية