كيف أُعيد الناس إلى أرائكهم!: إنجازات الثورة المضادة في مصر

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل بعد ما يزيد عن العام انزلقت الثورة المصرية إلى طورٍ من الترهل وأزماتٍ مضحكةٍ مغيظة أكاد أجزم بكونها مفتعلة من قبيل نقص الوقود وذلك على الرغم من قلة منجزاتها على الصعيد العملي… أعلم وأقر بأن مباركاً وابنيه والمتحلقين حولهم من الأسماء المعروفة قد أُطيح بهم إلا أن مصر لم تشهد أي تطورٍ اجتماعي حقيقي على صعيد إعادة صياغة المجتمع أو تغيير هيكل بنيته الاقتصادية لصالح عشرات الملايين من المعدمين الذين شكلوا مادة الثورة ووقودها وما زالوا يحلمون حتى الآن برفاهية خط الفقر، فضلاً عن كون تغيير من هذا النوع الذي ننشد وثار من أجله الناس لا يلوح في الأفق بتاتاً؛ على العكس من ذلك تماماً فقد انتخبت إلى مجلس الشعب قوى أكثر يمينيةً ورجعيةً وتزمتاً وانغلاقاً بما قد يدفع البعض إلى الترحم على ‘تقدمية’ و’تفتح’ نواب المجلس على زمن المخلوع!

كما أنني لن أنفي أن المجتمع يشهد حيويةً ونشاطاً محمومين غير مسبوقين أيقظا من سباتها تلك الرغبة الحارقة في البحث والفهم وبعثا ثقافة المشاركة السياسية وإنشاء التنظيمات والانخراط بها… إلا أن كل ذلك قليلٌ جداً إذا ما قيس بحجم الحراك الشعبي الذي زلزل العالم فأسقط مباركاً، وفي ضوء هذا يحق لنا أن أن نُعجب بأداء النظام طوال تلك الفترة وأن نسعى إلى فهم وتحليل الكيفية التي استطاع بها أن يناور ليبقى على قيد الحياة رغم قوة المد الثوري وعلو موجه ورغم ما ارتكب من حماقاتٍ مذهلة.

في البداية، أدرك مدبرو النظام من ممثلي المصالح الاقتصادية الكبرى (خاصةً من غير ذوي الأسماء الرنانة…) وقوات مسلحة ما عجز مبارك وحلقته الضيقة عن فهمه نظراً لاغترابهم المطلق عن الشارع… لقد تأكدوا بما لا يدع مجالاً للشك من أن زمن مبارك قد انتهى بلا رجعة وبأن أية محاولة لإطالته محض عبث ومحكومٌ عليها بالفشل؛ ليس ذلك فحسب، بل والأهم من ذلك بات واضحاً لديهم أن محاولاتٍ كتلك تعرض بقاء النظام وسلامة مصالحه للغرق تحت ثقل سفينة مبارك الموشكة على الارتطام بالقاع؛ ولم تشذ الإدراة الأمريكية عن هذا بل لعلها كانت الأسبق لما تتحلى به من واقعيةٍ قاسية تحكمها التزامات المصالح، خاصةً وأنها ليست المرة الأولى التي تتخلص فيها من أحد طغاة العالم الثالث كما تلقي بجواربها المتسخة المهترئة… ليس من شك في كون النظام ممثلاً في المجلس العسكري تحرك بذكاء وحسم في تلك اللحظة المفصلية واضعاً حداً للحراك الثوري بتخلصه من مبارك؛ أما الأهم فتمثل في تظاهره بالاحتفاء بالثورة والثوار وادعاء حمايته لها شراءً للوقت وتجميداً لاحتمالات تطورها… تلك كانت خطوته الأولى الموفقة التي مكنته من الاندساس في أوساط الثورة متدثراً بعباءة شرعيتها، ولئن مثلت حجر الأساس في مشروع إعادة إنتاج النظام فقد شيد عليها في ثاني خطواته حين شفع طنطنته عن دوره البطولي المزعوم بإغراق الثوار في شلالٍ من أضواء الإعلام المبهرة وأغاني التمجيد الحماسية.. لقد استغل النظام (كما اعتاد دائماً) أذرعه في إعلامٍ متواطئ قديم الفساد عميقه ليدشن حالةً من الفلتان الإعلامي في فوضى الفضائيات مما أوصلنا إلى ما نحن عليه الآن حيث يعيش البلد بأكمله تقريباً حالة ‘مكلمة’ يستهلك فيها الأخبار والنميمة وصراعات الفصائل في برامج ‘التوك شو’ ويشاهد بعضاً من الثائرين ينظر وقد اقتنع بأن تاريخه النضالي المديد الذي قد يصل إلى عامين أو ثلاث يؤهله لأن يكون في مصاف لينين وتروتسكي مع تفوقه عليهما بالذكاء والحنكة.

في أثناء ذلك تحالف المجلس العسكري مع الإسلاميين لسببين قديمين لا يتغيران: أولا لأن الطرفين يتفقان في رغبتهما الصادقة وعزمهما الذي لا يلين على بقاء التركيبة الاجتماعية كما هي بلا ثورةٍ حقيقية تعيد حقوق المظلومين وتنصف المهمشين (أي غالبية الشعب المصري) وثانياً لأن تاريخ التعامل بينهما تعايشاً وتعاوناً طويلٌ للغاية. لقد كان الإخوان آخر الحضور للميدان، وقد ظلوا طيلة العام متلكئين… لقد قصد النظام عبر الخطوتين السابقتين إلى تفتيت التكتل الثائر الضخم الذي مثُل أمامه محتلاً الساحات والميادين ونجح بشكلٍ مبهر.. يبدو كأنه كان يريد إعادة الناس إلى بيوتهم ليجلسوا مرةً أخرى على أرائكهم مستعيدين شكلهم الحزبي العتيد القديم الأذيع صيتاً والأكثر اعضاءً ‘حزب الكنبة’، وأضاف إلى ما سبق بأن دفعهم دفعاً عن طريق الانفلات الأمني المتعمد والفوضى العارمة والتخويف من شبح الخراب الاقتصادي المرعب… ثم نأتي إلى ثالث خطوة وهي بيت القصيد.. فبناءً على كل ما سبق جعل النظام يهاجم نواة الثوار الصلبة والمتشبثة بالاستمرار حتى يتحقق التغيير النوعي ويجرجرها إلى معارك غير متكافئة لينهكها ويستنزف قواها قتلاً ومن ثم زجاً في السجون العسكرية تحت سمع وبصر القوى الإسلامية المتحالفة الممالئة… نجح النظام متحالفاً مع الإسلاميين في فرض إيقاعه وجدول أعماله… ألقى للشعب بالفتات اللفظي والحماسي المتفائل وعن طريق لعبةٍ انتخابيةٍ هزلية أفرزت برلمانا عاطلا من أية صلاحيات وفي غيبة أي إنجازٍ حقيقي تُرك الجمهور، حزب الكنبة، فريسةً للملل والمشاعر المتضاربة بالغدر والإخفاق والقرف من كل شيء؛ وإذ تترنح قطاعاتٌ عديدة في انعدام اتزان وتتطلع في حنين إلى شيءٍ ثابت وقدرٍ من الاستقرار والانفراج في حياةٍ لم تقل قسوتها مطلقاً يتم الإعداد بتؤدة وإحكام على الأرض للضربة الأخيرة حيث يصاغ دستورٌ على هوى النظام والمجلس العسكري ويأتي رئيس مرضي عنه يكون ألمع وأكثر قبولاً من مبارك (وما أسهل ذلك!) في الحين الذي تمارس فيه القوى المدنية، يسارية وليبرالية، هوايتها المفضلة في التشرذم والانقسام ويتمادى بعض رموز هذه التيارات في المزيد من انتفاخ ذواتهم المتضخمة المتورمة التي لا يليق بها أي منصب دون الزعامة المطلقة! لا أعني أن النظام والمجلس العسكري لم يخطئا، على العكس تماماً فقد ارتكبا سلسلةً من الحماقات المدهشة والمضحكة من عينة أزمة تمويل منظمات المجتمع المدني التي بدأت بعنترية واختتمت بملهاة مخزية، إلا أنها في النهاية أخطاء تكتيكية لا تساوي بأي حال من الأحوال خطأ القوى الثورية الأكبر المتمثل في إخلائها الميدان تاركةً إدارة المرحلة الانتقالية للمجلس العسكري وتسليمها إياه السلطة.. لقد ضُيعت الفرصة التاريخية في لحظةٍ كانت الثورة في أعلى موجها قادرةً عل إحداث تغييرٍ حقيقي وعميق، وللأسف فليست هذه بالفرصة التي تتكرر كثيراً… أما الخطأ الآخر القاتل فيتمثل في عدم فهم طبيعة دور المجلس العسكري ودوافعه إلا متأخراً بعد تسرب الكثير من الشحنة الثورية الأولى… مازال الصراع في أوله وما تبقى كثير.. لكن كأي تجربةٍ في الحياة وخاصةً إذا كانت ثورية فعلينا تحليل الأحداث بدقة ومحاولة تعلم الدروس خاصةً من الأخطاء… الأهم من ذلك أنه يتعين علينا أن نمتلك الشجاعة لكي نعترف بأخطائنا ونواجهها… لقد تعثرت الثورة وعلينا أن نواجه هذه الحقيقة ونفهم أسبابها لكي لا نضيع الفرصة مرةً أخرى في المستقبل.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية