كيف استعدت مصر لتقليل الأضرار المحتملة للملء الثاني لسد النهضة؟ وكيف لعبت الطبيعة دورها؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

قدمت الطبيعة هدية ثمينة إلى كل أطراف النزاع في سد النهضة، وإن كان السودان ما يزال معرضا لمخاطر الفيضان، بسبب غزارة سقوط الأمطار على الهضبة الإثيوبية. وبما أن أزمة الملء الثاني لسد النهضة قد انتهت بفوز إثيوبيا، وإعلانها أنها أكملت الملء خلال أسبوعين فقط، بدون اتفاق مع دول المصب، فإن موضوع النزاع ينتقل إلى الخلافات بشأن المدة الزمنية لتحقيق الملء الكامل للسعة التخزينية لبحيرة السد التي تبلغ 74 مليار متر مكعب، وقواعد التشغيل الطويل المدى للسد، خصوصا في فترات الجفاف الممتد، وكيفية تجنب الأضرار أو تقاسمها، إضافة إلى المشاكل المتعلقة بربط تشغيل سد النهضة مع شبكة السدود الأخرى في دولتي المصب، خصوصا سد الروصيرص في السودان والسد العالي في مصر.
وقد شهدت الهضبة الإثيوبية في العامين الأخيرين سقوط أمطار شديدة الغزارة، وهو ما لعب دورا مهما في تخفيف الآثار السلبية على دولتي المصب بسبب تخزين المياه بحيرة سد النهضة خلال مرحلتين الملء الأول والثاني. وقد استغلت إثيوبيا الوضع الحالي بتعزيز حجتها القائلة بأن السد لن يتسبب في حدوث أضرار لدولتي المصب.

تقييم الاستراتيجية المصرية

يعتبر أمن المياه جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، فالمياه هي أصل الحياة، وهي أهم مصادر البقاء. وعلى هذا الأساس فإن استراتيجية مصر للتعامل مع النزاع بشأن سد النهضة لم تقتصر على مجرد المفاوضات من أجل توقيع اتفاق ملزم بين الأطراف الثلاثة، مصر والسودان وإثيوبيا، وإنما اتجهت الحكومة في القاهرة بعد توقيع الاتفاق الإطاري في الخرطوم في اذار/مارس 2015 إلى تطوير استراتيجية شاملة للتعامل مع كل احتمالات تطور النزاع، بما في ذلك احتمال تعرض البلاد لشحة مائية نتيجة لنقص في الإمدادات، خصوصا خلال مراحل ملء سد النهضة.
وعلى مدار السنوات الست الماضية طورت مصر هذه الاستراتيجية الشاملة، بحيث تضمنت ثلاث استراتيجيات فرعية أولها «استراتيجية المفاوضات» وهدفها التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن ملء السد وتشغيله، وكيفية إدارته خلال فترات الجفاف، ووضع نظام لتسوية النزاعات في حال تعارض المصالح. والثانية هي ما يمكن تسميتها «استراتيجية التحمل» وهدفها رفع القدرة على تحمل النتائج السلبية لإقامة السد وانخفاض منسوب المياه. والثالثة هي ما يمكن نطلق عليها «استراتيجية الضغط» وقد جاءت الأخيرة متأخرة عن سابقتيها، بعدما ظهر أن الطرف الإثيوبي ماض في طريقه، بتنفيذ المزيد من الإجراءات الانفرادية التي تضر بمصالح دولتي المصب. وتضمنت استراتيجية الضغط إطلاق مناورات عسكرية مشتركة مع السودان، وتطوير قاعدة عسكرية بحرية في جنوب حدود مصر على البحر الأحمر، وعقد اتفاقيات تعاون عسكري وتبادل معلومات بين مصر وعدد من دول حوض النيل.
وعلى ضوء ذلك فإن تقييم الاستراتيجية الكبرى للحكومة المصرية تجاه الأزمة، يجب أن يتناول مدى نجاحها في تحقيق أهداف الاختبارات أو التحديات الثلاثة الرئيسية التي تواجهها الاستراتيجية الكبرى للتعامل مع النزاع، وهي «اختبار المفاوضات» و«اختبار التحمل» و«اختبار الضغط». ومن الواضح أن مصر لم تحقق النجاح المطلوب في استراتيجية المفاوضات، كما أنه من المبكر الحكم على نتائج استراتيجية الضغط، علما بأنها ما تزال تتمتع بمساحة واسعة متاحة لممارسة الضغط والمناورة.
وسوف نتناول هنا بتفصيل أكبر تقييم «اختبار التحمل» باعتباره ركنا أساسيا من أركان استراتيجية الاستراتيجية الشاملة لمواجهة التداعيات السلبية طبقا لسيناريوهات مختلفة. وتجدر الإشارة أولا إلى إنني استخدم مصطلح «اختبار التحمل» في تحليل استراتيجية الأمن المائي المصري للمرة الأولى، وهو مصطلح قمت باستعارته لغرض التحليل من نظرية الاستقرار المالي وكيفية مواجهة «الصدمات المالية». وقد تم تطوير معايير «اختبار التحمل» للمصارف والمؤسسات المالية بشكل كبير بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. وفي تطبيق هذا المصطلح على «الأزمة المائية» فقد اعتمدنا على عدد من المؤشرات التي قام بدراستها مجموعات من الخبراء والمتخصصين في إدارة الموارد المائية والزراعة الحديثة، واستخدمناها باعتبارها «معايير التحمل» في استراتيجية مصر تجاه سد النهضة، الغرض الأساسي منها هو رفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة تحت ضغط نقص هذه الموارد، ومدى إمكان رفع إنتاجية المياه المتاحة لتعويض النقص المحتمل. ومن ثم فإن «اختبار التحمل» يتعلق برفع القدرة على تقليل الأضرار المحتملة من انخفاض موارد مياه النيل إلى مصر بسبب سد النهضة.
وقد تناولت الدراسات لرفع مستوى القدرة على تحمل تلك الأضرار، أربعة محاور رئيسية هي، أولا تقليل الفاقد من مياه النيل، وثانيا رفع كفاءة نظام الري لتوفير المزيد من الموارد المائية، وثالثا التوسع في أنظمة تدوير المياه، خصوصا بواسطة محطات معالجة مياه الصرف، لإطلاق مياه صالحة للري إلى القطاع الزراعي، ورابعا إعادة النظر في التركيب المحصولي للأرض المزروعة، بهدف زراعة محاصيل أقل استهلاكا للمياه، تتمتع بقيمة غذائية عالية.
وبناء على الدراسات التي تم إنجازها حتى الآن في هذه المحاور الأربعة، تبنت الحكومة عددا من المبادرات لتوفير قدرات أكبر للتحمل في قطاع الموارد المائية، من أهمها مبادرات تبطين الترع، وتحسين الري في الأراضي القديمة، وزيادة طاقة معالجة مياه الصرف، ووضع ضوابط للتركيب المحصولي خصوصا في الأراضي المستصلحة حديثا.
وطبقا لخطة التنمية الاقتصادية للسنة المالية الجديدة 2021/2022 فإن تمويل المبادرات التي دخلت حيز التنفيذ في قطاعي الزراعة والموارد المائية يتكلف حوالي 42.6 مليار جنيه أي ما يقرب من 3 مليارات دولار. وسوف توفر هذه المبادرات حوالي 7.1 مليار متر مكعب من المياه سنويا تكفي لزراعة مساحة جديدة تبلغ 1.5 مليون فدان، بافتراض أن متوسط الاستهلاك للفدان في حدود 5 آلاف متر مكعب سنويا. ومن أهم المبادرات التي دخلت حيز التنفيذ مبادرة تبطين الترع بتكلفة 17.5 مليار جنيه، ومبادرة ترعة الشيخ زايد في منطقة توشكى بتكلفة 1.2 مليار جنيه، ومحطة معالجة مياه الصرف على مصرف بحر البقر التي تتكلف 3 مليارات جنبه، لإطلاق 5 ملايين متر مكعب من المياه يوميا ، أي حوالي 1.8 مليار سنويا، عبر ترعة السلام إلى سيناء، بهدف زيادة المساحة المزروعة هناك إلى 330 ألف فدان. ومبادرة الري الحديث في الأراضي القديمة والحيازات الصغيرة التي ستقلل استهلاك الفدان من المياه بحوالي 1400 متر مكعب سنويا.
وعلى أساس تلك المبادرات، استطاعت الحكومة أن تستعد إلى حد كبير لمواجهة الأضرار المحتملة لانخفاض إيراد النيل بسبب سد النهضة في الأجل القصير. كما تتمتع الحكومة بوجود مخزون كاف بحيرة ناصر لمواجهة احتمال شحة المياه لعدة سنوات، وهو ما يفسر حالة الاطمئنان التي تعبر عنها تصريحات المسؤولين الحكوميين. وبناء على ذلك يمكن القول بأن مصر نجحت فعلا في «اختبار التحمل» في الأجل القصير، لكن المخاطر تظل قائمة في الأجل المتوسط والطويل، وهو ما يستدعي استمرار العمل لتطوير وزيادة فاعلية كل من «اختبار المفاوضات» و«اختبار الضغط» والبحث عن كل الوسائل والأدوات المتاحة لتحقيق النجاح في مواجهة الأزمة على المدى الطويل.
ومن الضروري الإشارة إلى خطورة الآراء التي تقول إن خطر نقص تدفق المياه إلى كل من مصر والسودان سينحسر إلى حد كبير بعد انتهاء سنوات ملء السد وتخزين السعة الكاملة لبحيرته التي تسع 74 مليار متر مكعب. مبعث الخطورة هنا، هو ما تدركه دولتا المصب فعلا بخصوص فترات الجفاف، التي يمكن أن تسبب أضرارا جسيمة، في حال لم يتم التوصل إلى نظام لإدارة المياه في تلك الفترات. وكذلك ما يتعلق بضرورة وجود نظام مشترك لتشغيل السدود القائمة على النيل، لأن ذلك يرتبط مباشرة بتشغيل المحطات الكهرومائية، وتنظيم دورات الري، وإدارة محطات مياه الشرب، والملاحة النهرية، وتوفير الأمان للمواطنين على جانبي نهر النيل. ففي السودان التي تبعد حدودها 15 كيلومترا فقط عن سد النهضة، لا يتوفر الوقت الكافي لاتخاذ الاحتياطات الملائمة لمواجهة طوفان مائي أو قحط شديد. ورغم كل ما تقوله إثيوبيا عن أمان السد، فإن ما تشهده الصين حاليا، والحديث عن مخاوف حقيقية من انهيار سدود كبيرة هناك، يجعل من وضع نظام متكامل لإدارة المياه عبر نهر النيل مسألة محورية تبرر ضرورة استمرار المفاوضات للتوصل إلى اتفاق ملزم لكل الأطراف، يضمن تحقيق المنافع المشتركة، وتجنب الأخطار المحتملة، وهو ما يتطلب أن تتبنى مصر والسودان مدخلا إقليميا للمفاوضات يكسر حدة الاستقطاب بين دولة المنبع ودولتي المصب في حوض النيل الشرقي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية