قرار نظام الأسد مساعدة القوات الكردية ضد غزو الجيش التركي ومعاونيه، “الجيش الوطني السوري”، إلى شمال شرق سوريا، كفيل بأن يغير قواعد اللعب في أثناء القتال التركي. والافتراض أن قرار نظام الأسد لم يتخذ في عملية اتخاذ قرارات مستقلة في دمشق، بل في ضوء مبادرة روسية. والدليل على ذلك جاء مع تصريحات أخيرة انطلقت من الكرملين بأن على تركيا أن تحترم السيادة السورية.
تركيا، التي اعتقدت بأن خروج القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا سيمنحها قدرة وصول حرة لاحتلال شمال سوريا، ملزمة الآن بأن تعيد الحسابات في خطواتها المستقبلية. شيء واحد.. وهو أن تهاجم قوات كردية بلا إسناد، وشيء آخر.. أن تهاجم هذه القوات وهي مسنودة بجيش نظام الأسد وبشكل غير مباشر بروسيا.
من الآن فصاعداً، كل هجوم تركي ضد قوات نظام الأسد سيعتبر هجوماً على موسكو. وبعد أن اتخذ أردوغان سياسة تقارب مع روسيا، حتى عندما خاطر بعلاقات تركيا مع أمريكا في شكل شراء منظومات الدفاع الجوي اس 400 الروسية، فإنه اليوم لن يسارع إلى هجر العلاقات الوثيقة التي عمل عليها بكد.
سيتعين على الرئيس التركي الآن أن يقرر بين إمكانيتين: أن يتخلى عن الحملة العسكرية ويكتفي بالإنجازات التي تحققت، في شكل احتلال تل أبيض وراس العين؛ أو يواصل الحملة بمشاركة “الجيش الوطني السوري” فقط. وكون روسيا ستساند جيش نظام الأسد، يمكن الاستنتاج بأنه حتى لو اختار اردوغان مواصلة الأعمال العسكرية من خلال الثوار الجهاديين، ستظل احتمالات تحقيق تركيا نجاحاً في مثل هذه الحملة متدنية جداً، ولا سيما إذا دار الحديث عن احتلال منبج، التي انتقلت لتوها إلى سيطرة الروس. ويحتمل أن تنجح القوات الكردية، بتشجيع من الإسناد الروسي، في استعادة أراض احتلها الأتراك.
وهكذا فإن الرابح الأكبر من بدء الحملة العسكرية التركية في سوريا هي موسكو. فقد وفرت الخطوة التركية على الروس جملة من المخططات والوسائل الدبلوماسية والعسكرية لأن تحقق مستقبلاً سيطرة سورية مرة أخرى على القسم الكردي في سوريا. إن المستفيد الأول من ذلك هو نظام الأسد. منذ الآن، دون إطلاق رصاصة واحدة، استعاد نظام الأسد عشرات في المئة من الأراضي التي فقدها في الحرب الأهلية، أدخل قوات كردية في جيشه ضمن ولاء كردي في المستقبل، وقلص التطلعات القومية الاستقلالية الكردية في سوريا.
روسيا نفسها زادت بشكل كبير سيطرتها في سوريا. الخطوة التالية لموسكو هي محاولات الوساطة بين تركيا والقوى الكردية وجيش نظام الأسد. وهكذا ستزيد روسيا مكانتها في العالم واستقرارها كلاعب قوي يشارك في السياقات المهمة في الساحة الدولية. كل هذا في الوقت الذي تفقد فيه الولايات المتحدة أكثر فأكثر نفوذها في المنطقة طوعاً. إضافة إلى ذلك، نجحت روسيا في جلب ثقل وزن تأييد القوات الكردية لصالحها، على حساب دول الغرب والولايات المتحدة، إذ إن الأكراد يرون فيها الآن لاعباً وحيداً نجاهم من التطهير العرقي.
يجب أن يضاف إلى ذلك نجاح روسي آخر في سياستها لزرع الخلافات والصدامات داخل الناتو. الأحداث الأخيرة عمقت التوتر الذي ساد بين إدارة ترامب ودول الناتو في مسألة توزيع نزيه للعبء العسكري. كما أن التوتر الذي نشأ بين الدول الغربية والولايات المتحدة من جهة – بما في ذلك فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية على تركيا- وأنقرة من جهة أخرى، أضاف الانشقاق داخل الناتو.
بقلم: عومر دوستري
باحث في معهد القدس للاستراتيجية والأمن
معاريف 17/10/2019