كيف الحال : بانوراما المجتمع السعودي لجمهور الخارج

حجم الخط
0

كيف الحال : بانوراما المجتمع السعودي لجمهور الخارج

الانتاج للوليد بن طلال والاخراج لفلسطيني والقصة للبناني والسيناريو لمصري والموسيقي للبناني كيف الحال : بانوراما المجتمع السعودي لجمهور الخارجدبي ـ من سلمي كركوتلي لا شك أن ظهور فيلم سعودي روائي في صالات السينما العربية يشكل حدثا هاما واستثنائيا، بغض النظر عن التركيبة الإنتاجية لهذا الفيلم فمخرج الفيلم فلسطيني كندي، والقصة لناقد لبناني يعيش في أمريكا، والسيناريو لمصري، والموسيقي للبناني، ومصور الفيلم غربي. وإذا كان منتج الفيلم روتانا أي الوليد بن طلال وهو رجل أعمال سعودي معروف، فإن بطلة الفيلم الذي تدور حولها الأحداث أردنية، لكن الفيلم قدم بالمقابل الفرصة لتقديم هشام الهويش أو نجم ستار أكاديمي السعودي واستثمار نجوميته التي حققها له هذا البرنامج في محطة (ال بي سي) بين الشباب، ومنحه الفرصة ليكون أول فتي شاشة سعودية بامتياز، في أول فيلم سعودي يتخطي حواجز التجاهل والتحريم الداخلي السعودي لهذا الفن، الذي يعتبر من أهم الفنون جماهيرية منذ أكثر من قرن من الزمان.إبداء رأي بهذا الفيلم عليه أن لا يتجاهل المصاعب التي اعترضت وجود فن سينمائي في السعودية، بل وأية أشكال فنية أخري حتي الآن، يتمتع بها الناس في كل العالم وفي المجتمعات والدول الإسلامية المختلفة، ويحرم منها السعوديون بقوة التفسيرات والفتاوي الدينية، في حين لم يمنع الدين الإسلامي ذاته ولا تفسيراته وفتاواه في مجتمعات إسلامية أخري من وجودها وتطورها والجدل حولها، أو حول موضوعاتها او هوامش الحرية فيها.منذ العنوان يدخل الفيلم في الموضوع مباشرة كيف الحال انه بمثابة تحية واستهلال لطيف لبدء حوار ودخول في الموضوع، فعنوان الفيلم لا يعبر عن القصة بحد ذاتها، وهي قصة فتاة ترفض الخاطبين وتريد أن تعمل في الصحافة، لكنه مقدمة لطرح جملة مسائل إشكالية ينبغي الوقوف عندها ومناقشتها، فمن خلال حدث بسيط جدا يعرض الفيلم بانوراما سريعة للمجتمع السعودي، من خلال الشخصيات والعلاقات المحيطة بهذه الفتاة، فوالد الفتاة رجل منفتح يحب ابنته ويدللها، ولا يريد إرغامها علي الزواج دون موافقتها، حتي ولو كان في ذلك قد يعزز من مصالحه مع شركائه في شركته، وأمها رغم تقليدية أفكارها وهامشيتها بالنسبة للاحداث فإنها في شكلها وسلوكها لا تختلف عن أية امرأة عربية عصرية في وقتنا الحالي.أما جدها الشخصية الأكثر تميزا وانفتاحا بين شخصيات الفيلم، فهو يحب الفن ويحب الموسيقي والأغاني الحديثة والفرح، ولا يتواني عن مشاركة الشباب اهتماماتهم، ويبدو أكثر اهتماما منهم بالفن في عصره فيستشهد في حواره ببيكاسو، بل أكثر من ذلك نراه يضع بيريه فنان وقد ترك شعره يطول كالرسامين عن عمد، لكن ذلك لا يعني انه لا يحاكم الأشياء بشكل منطقي رغم شخصيته التي تبدو غريبة في هذا المجتمع.وهذه الشخصية المفبركة التي لا تخلو من اصطناع والتي تلعب دور الرابط بين الشخصيات قد يكون لها دلالة ـ مقصودة أو غير مقصودة ـ فهو الجد ومن صلبه خرجت هذه العائلة، وشخصيته قد تحمل رسالة مباشرة تتناسب مع المستوي الفني المتواضع للفيلم السعودي الأول، رسالة تقول أن الرجل الأول في الأسرة السعودية ومؤسسها رجل غير متزمت وغير منفصل عن عصره ويحب القيم الجميلة في الحياة الذي يعتبر الفن احدها. وربما لتأكيد هذا يغلق الفيلم علي مشهد يقف فيه سعيد (الممثل هشام الهويش) خلف الكاميرا يصور فيه الجد الذي يمده بالمال لينجز فيلمه ويحقق حلمه الفني، وهما يضحكان بما يوحي أن المستقبل يمكنه تجاوز العوائق.سعيد (هشام الهويش) أحد الشخصيات الرئيسية، هو البطل الموازي للفتاة وابن عمها الذي يحبها بصمت ويخفي إحساسه، لكنه أيضا مشغول بإيجاد فرصة للعمل في المجال الذي تخصص به، فهو يهوي الفن ويريد احتراف التمثيل والإخراج، لكنه يواجه نظرة المجتمع التي تستهجن وتستنكر هذا الجانب من الحياة ولا تفسح المجال للشباب للبحث فيه. لكن علاقة الحب أو الميل بتعبير أدق بين البطل والبطلة في الفيلم تبدو هامشية ومعالجتها تعبر بشكل حذر، فالفيلم لا يريد أن يطرح قصة عواطف وحب كما يحدث في الأفلام المصرية المشابهة لهذا الفيلم، والعلاقة المطروحة لا تتعدي اهتمام تعبر عنه نظرات خجولة في إطار اجتماعي يحرم أي احتكاك بين الفتيات والشبان سواء داخل الأسرة أو في الأماكن العامة.وبالمقابل يعرض الفيلم حالة التناقض الذي يمارسه السعوديون في تصرفاتهم كأفراد وكأسرة خارج السعودية، فالعائلة التي تقدم صورة للعائلة السعودية نراها عندما تذهب إلي دبي في رحلة، تتصرف كعائلة طبيعية فيرافق الزوج زوجته وأولاده ذكوراً وإناثاً إلي المطاعم، ويترك بنته تخلع عنها العباءة وزوجته النقاب دون أن يري في ذلك تصرفا غير مقبول، فيما ذلك لا يمكن القيام به داخل السعودية، إنما هذه الليونة وهذا الميل إلي الانفتاح في الخارج يوازيه موقف منفتح من الأب في الداخل، حيث لا يقبل تزويج ابنته دون موافقتها مهما كانت المكاسب، رافضاً العادات الاجتماعية المتزمتة والأفكار الأصولية التي تنتشر وتنشر أفكارها الظلامية مخالفة للدين والشريعة الإسلامية، فنري الأخ الواقع تحت تأثير صديقه أستاذ المدرسة الذي ينشر أفكاره بين طلابه الأطفال محرضا لهم علي سلوك أهلهم طالبا منهم تقويمها، يحاول بشتي الطرق فرض وصايته علي أخته ومحاولة تزويجها من صديقه المتزمت ومنعها من العمل.بين خطي رغبة الفتاة سحر (ميس حمدان) بالعمل في الصحافة التي تضطرها لاستخدام اسم مستعار وبين رغبة الشاب سعيد (هشام الهويش) بإنجاز عمل فني مسرحي أو سينمائي، نري بانوراما لما يعاني منه المجتمع السعودي، نري الخوف من المطـــوع في الأماكن العامة، ونري تحــــرش الشباب بالنساء المنقبات دون أن يدركوا أنهم يتحرشون بنساء العائلة أحيانا، نري النزهات العائلية التي لا يمكن أن تتحقق إلا في الصحراء حيث لا بشر ولا طبيعة ولاشيء إلا الرمال، نري مشــــاهدات الشباب السرية لأفلام يوحي المشهد بأنها أفلام من نوع خاص، نري ما يمكن للستار الذي تجلس خلفه العائلات في المطاعـــــم، وما يمـكن أن يخفيه من تجاوزات أخلاقية في ألاماكن العـــامة.. نري الشباب العاطلـــــين عن العمل المشغولين بقيادة السيارات والمتسكعين في الأماكن العامة، كما يعرض الفيلم مشكلة قيادة المرأة للسيارة وكيف هي حاجة في بعض الحالات. كيف الحال فيلم يريد للسعوديين أن يعيدوا النظر في هذا الحال المرتبك الذي يبدو خارج الزمن وخارج العصر الذي يعيشون فيه، وان يتركوا الحياة تتطور بشكل طبيعي كما هو الحال في كل المجتمعات الأخري، وان يكن المستوي الفني العام للفيلم لا يرقي إلي الأهداف الاجتماعية الكبيرة التي يهدف إليها. كيف الحال فيلم بسيط بحكاية بسيطة ومعالجة سريعة وسهلة لموضوع كبير، أكثر شبها بالأفلام المصرية التجارية التي رأيناها في السنوات الأخيرة حققت أرباحا في شباك التذاكر علي حساب الفن السينمائي وتسطيح المواضيع..ما هو مهم هو أننا رأينا أخيرا فيلما سعوديا، وبغض النظر عن الملاحظات الفنية التي تسجل علي دراما الفيلم ذاتها وعلي الماكياج واختيار الممثلين اللذين قدما لنا جدا اصغر عمرا من ابنه دون أن يفلح في إخفاء ذلك، أو اختيار ممثل أكثر ملائمة للدور مما جعل من هذه الشخصية الطريفة تبدو غير مقنعة رغم أهمية المطلوب من وجودها، فلا بد في النهاية لآلة السينما السعودية أن تعمل ولا بد للمواطن السعودي أن يري نفسه ومشكلات مجتمعه عبر هذه المرآة، لكن ما يؤسف له هو أن الفيلم السعودي الأول لن يجد صالة سينما واحدة سعودية نعرضه لجمهوره في السعودية لعدم وجود أية صالة سينما في كل السعودية.بطاقة الفيلم: كيف الحال فيلم روائي طويلبطولة: هشام الهويش ـ تركي اليوسف ـ ميس حمدان ـ خالد ساميقصة: محمد رضا وبلال فضلسيناريو: بلال فضل موسيقي تصويرية: غسان الرحبانيإخراج : ايزيدور مسلم [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية