لندن ـ «القدس العربي»: بعد الوصول إلى قمة الهرم واستعادة جزء كبير من هيبة وكبرياء النادي بفضل الانتصارات الساحقة التي تحققت على حساب منافسين بحجم بايرن ميونخ وريال مدريد برباعية مقابل هدف على الأول ورباعية بلا هوادة على الثاني في عقر داره “سانتياغو بيرنابيو”.. حدث آخر وأسوأ سيناريو كان ينتظره عشاق برشلونة، بانتهاء شهر العسل سريعا بين المدرب الألماني هانز فليك، بتحول ما وصفه المراهق الإسباني لامين يامال بـ “أفضل فريق في العالم” في لحظات نشوة الانتصار العريض على الغريم المحلي الأول، والفريق الذي كان يغرد بمفرده في صدارة الدوري الإسباني بفارق تسع نقاط عن أقرب مطارديه، إلى مجموعة تعاني من آثار وتوابع الغطرسة المبالغ فيها، بتحول سلسلة الانتصارات المبهرة، إلى أخرى من الهزائم والخسائر، التي تسببت في تقلص الفارق بين البرسا والريال إلى أربع نقاط، ولولا سقوط كيليان مبابي ورفاقه أمام بلباو في سهرة منتصف الأسبوع الماضي، لأصبح الفارق الآن نقطة واحدة بالإضافة إلى مباراة خفافيش فالنسيا المؤجلة، والسؤال الذي يفرض نفسه هو ما أشرنا إليه في العنوان… كيف حدث هذا الانهيار السريع للفريق بعد عروضه ونتائجه المبهرة حتى آخر انتصار مقنع في الليغا على حساب الشقيق الكاتالوني الأصغر إسبانيول بثلاثية مقابل هدف، قبل أن يدخل مرحلة نزيف النقاط، بالتفريط في ثماني نقاط كاملة أمام ريال سوسييداد، وسيلتا فيغو ولاس بالماس على التوالي، إلى أن تنفس الصعداء بالفوز المريح على مايوركا بخماسية مقابل هدف، تزامنا مع سقوط الريال مضيفه الباسكي العنيد.
استنزاف طاقة
تبقى السمة الأكثر وضوحا في فريق برشلونة تحت قيادة فليك، هي المخاطرة الكبيرة التي يلعب بها أمام خصومه، بمحاولات على مدار الـ90 دقيقة لافتكاك الكرة من منتصف الملعب أو إيقاع المنافس في مصيدة التسلل، بما يُعرف بالضغط العالي المتقدم، الذي كان سلاحه الفعال عندما قاد بايرن ميونخ للفوز بالثلاثية التاريخية عام 2020، وكما يعرف عالم كرة القدم، مثل هذه الأساليب الجريئة، أحيانا ما تأتي بنتائج عكسية، خاصة عندما ينجح المنافس في التعامل مع مصيدة التسلل، التي قال عنها مدرب ريال مدريد كارلو أنشيلوتي، “كانت لدي خطة في ذهني، لكنها لم تنجح” في إشارة واضحة إلى أنه ومعه باقي خصوم الليغا ودوري الأبطال، سيبحثون عن طرق مختلفة لكسر هذه المصيدة، وهذا ما حدث في أول اختبار حقيقي أمام قطب الباسك الثاني ريال سوسييداد، صحيح في تلك المباراة تعرض الفريق الكاتالوني لظلم تحكيمي نادر، بإلغاء هدف روبرت ليفاندوفسكي بداعي التسلل -غير الصحيح-، لكن بوجه عام، بصم الفريق على واحدة من أتعس مبارياته منذ بداية الموسم، وسط موجة من الغضب الجماهيري العارم من المدرب، لاتهامه باستنزاف طاقة اللاعبين، من خلال تنفيذ أساليبه الانتحارية في الضغط على المنافس، التي ساهمت بشكل أو بآخر في ذاك التراجع الصادم في المعدلات البدنية لأغلب اللاعبين، بخلاف التراجع المخيف في متوسط أهداف الفريق المتوقعة وقدرته على الحفاظ على نظافة شباكه، آخرها التفريط في الثلاث نقاط أمام سيلتا فيغو، في مباراة الجولة الرابعة عشر، التي كانت في طريقها للانتهاء بفوز البرسا بهدفين نظيفين، ثم فجأة وبدون سابق إنذار، انهار الفريق بدنيا وفنيا في آخر 10 دقائق، تأثرا بطرد لاعب الوسط مارك كاسادو، بعد حصوله على البطاقة الصفراء الثانية ثم الحمراء عند الدقيقة 80، وكان ذلك باعتراف فليك الذي قال نصا بعد المباراة “لم تكن الدقائق العشر الأخيرة فقط، لقد كانت المباراة بأكملها. لقد لعبنا مباراة سيئة حقا. يجب أن نكون صادقين. لقد ارتكبنا الكثير من الأخطاء، ولم نكن واثقين بالكرة. لم نلعب كرة القدم التي اعتدنا عليها، كنا محظوظين في بعض المواقف وفي النهاية حصلنا على نقطة وعلينا أن نرد لأن ذلك لا يمكن أن يتكرر، هذه أشياء يمكن أن تحدث ولكن يجب أن نتطلع إلى الأمام. أقل شيء سيئ هو أنها مباراة واحدة فقط وحصلنا على نقطة، لكننا لسنا سعداء وكذلك اللاعبون. الجميع قادرون على اللعب بشكل أفضل من اليوم”.
أخطاء وثقة
ربما تخلى الحظ عن برشلونة في خسارته المفاجئة أمام لاس بالماس، ليس فقط لوصول نسبة الاستحواذ على الكرة لنحو 70 في المئة مقابل 30 في المئة لضيوف الملعب الأولمبي، بل لكم الفرص التي تفنن الجميع في إهدارها سواء قبل هدف رافينيا أو بعد التأخر بالهدف الثاني، لكنها كانت مباراة كاشفة لما قال عنها رافينيا في حديثه مع قناة “تي في 3” بعد إطلاق صافرة النهاية “انخفاض مستوى ما كان يقدمه الفريق في بداية الموسم”، مضيفا وهو يتحسر على ضياع 27 فرصة متاحة أمام مرمى المنافس “فشلنا في إثبات جدارتنا بالفوز بعد التأخر في النتيجة في مباراة السبت. هناك العديد من الأمور التي نرتكبها بشكل خاطئ، أنا غاضب. لا أهتم كثيرا بهدفي، كنت أهتم فقط بالفوز ولم نفز، لذلك لست راضيا”. لكن في المقابل، يُصر المدرب على أن الفريق لا يعاني من أزمة ثقة جماعية، مكتفيا بالتصديق على صحة ما يتردد على نطاق واسع، بأن فريقه فقد الكثير من الكثافة والتماسك، مقارنة بالنسخة التي كان عليها قبل فترة نزيف النقاط، لكنه يراهن الجميع على الأمور إلى نصابها الصحيح مع عودة الأساسيين من الإصابة، وفي مقدمتهم بطل اليورو وميسي القادم لامين يامال، الذي تأثر الفريق بغيابه أكثر من أي لاعب آخر، باعتباره صانع السعادة والعنصر الأكثر تأثيرا في أهداف الفريق الحاسمة في المباريات الكبيرة، لكن في نفس الوقت، سيتعين على المدرب الألماني إدارة دقائق لعب المراهق الذي يبلغ من العمر 17 عاما، لتجنب تجدد إصاباته العضلية، أو يسير على خطى أسلافه من أبناء أكاديمية “لا ماسيا” الذين تحولت بدايتهم المشرقة إلى كابوس، بسبب الإفراط عليهم في مرحلة النمو والنضوج، أبرزهم أنسو فاتي وبدرجة أقل غافي وبيدري
عودة الاتصال
واحدة من الأمور التي تسببت في تراجع النتائج في النصف الثاني من الشهر الماضي، ما وصفه المدرب في حديثه مع الصحافيين قبل سحق مايوركا منتصف الأسبوع الماضي “فقدان الاتصال” بعد تفشي لعنة الإصابات بين اللاعبين، لكن الخبر السار بالنسبة لمشجعي النادي، أن الفريق بالفعل في طريقه لاستعادة ذاك الاتصال المفقود، مع عودة غافي من إصابته الطويلة، ومعه الهولندي فرينكي دي يونغ، وبالمثل يقاتل الوافد الجديد داني أولمو لإنهاء مشكلته مع الإصابة التي بالكاد لا تفارقه منذ قدومه من لايبزيغ الصيف الماضي، وتشمل قائمة الأخبار السارة، عودة نجم الدفاع رونالد أراوخو، التي ستساهم في تخفيف الضغط على يامال في الجبهة اليمنى، وفي نفس الوقت، ستعطي الفريق العدوانية والشراسة التي افتقدها في الفترة الماضية، وهذا ما تطرق إليه فليك في آخر ظهور إعلامي، قائلا “تحدثت مع اللاعبين عن القتال وليس عن كرة القدم، إذ أنني عندما كنت لاعبا، كان تركيزي ينصب على مثل هذه المواقف الصعبة، ودائما كنت وما زالت أكره الخسارة، وأعتقد يتعين علينا خلق المزيد من عقلية القتال للفوز بالمباريات، يبدو لي أننا نؤدي بشكل جيد في بعض المواقف على أرض الملعب، لكن ما زال لدينا مجال للتحسن” وسيكون من الصعب الجدال على ما قاله فليك أو لاعبه يامال بعدما أثبت الفريق هذه الحقيقة أمام بايرن ميونخ وريال مدريد، لكن التحدي الأكثر صعوبة يكمن في قدرتهم على التعامل مع الهزائم، ومن الواضح، أن الأمور بدأت تتحسن مع عودة المصابين وانسجامهم بشكل تدريجي مع الفريق، وتجلى ذلك في الانتصار الساحق على مايوركا خارج القواعد، فهل يا ترى ستكون مباراة العودة وتصحيح المسار قبل الدخول في فترة أعياد الميلاد ثم الأشهر الحاسمة على الألقاب المحلية والقارية؟ أم ستعود توابع النتائج السيئة بعد خماسية مايوركا؟ هذا ما سيجيب عنه فليك ورجاله في برشلونة في الأسابيع القليلة المقبلة.