إسطنبول- “القدس العربي”: في الشارع المفعم بالحياة والمكتظ بالسياح القادمين من مختلف أنحاء العالم، الشارع الذي تصدح فيه الضحكات والموسيقى، تغير كل شيء في لحظة قرر فيها الإرهابيون زرع قنبلة لا تعرف صغيرا أو كبيرا أو عاجزا، ليُملأ المكان بصرخات الذعر والخوف والدماء، ويتعالى بكاء الأطفال، ويتناثر زجاج المباني من كل صوب.
شارع الاستقلال الواقع في وسط إسطنبول أكثر الشوارع المزدحمة في تركيا، غير ملامحه الانفجار الذي وقع يوم الأحد وأودى بحياة ستة أشخاص بينما جرح نحو 80.
تجولت عدسة “القدس العربي” في أزقة هذا الشارع وتحديدا في مكان وقوع الحادث حيث تجمع صحافيون منذ ساعات الصباح الباكر، وكذلك مواطنون جاءوا ليعبروا عن تضامنهم بوضع الورد الأحمر على مربع خصصته البلدية.
لم يتجمع الأتراك فقط بل قابلنا عددا كبيرا من العرب والأجانب الذين جاؤوا محملين بباقات الورود للتعبير عن تضامنهم ووقوفهم إلى جانب الشعب التركي.
الحركة في الشارع لم تكن كما في السابق حيث كان معظم المتواجدين من الفرق العاملة في البلدية والأمن، وبعض الموطنين الذين رموا الورد سريعا والتقطوا بعض الصور وغادروا الشارع مسرعين فضلا عن بعض المسؤولين، وفرق الصيانة التي تحاول حتى الآن إصلاح زجاج المباني.
ورغم أن بعض المحال التجارية قد أغلقت أبوابها إلا أن البعض الآخر قد فتح أبوابه لاستقبال الزبائن منذ الصباح.
وكان لـ”القدس العربي” حوارات مع بعض المتواجدين لمعرفة تفاصيل ما عاشوه أثناء التفجير.
أحد العاملين في المحال المقابلة لمكان وقوع الحادثة روى لـ”القدس العربي” ما حصل قائلا “كنت أعمل في المحل كأي يوم عمل طبيعي وكان الشارع مكتظا للغاية لأن يوم الأحد هو يوم عطلة رسمية وعادة ما يكون شارع الاستقلال مكتظا فيه، بل يتراص فيه الناس مشيا، وتسمع أصوات الموسيقى في كل مكان، فجأة سمعنا صوت انفجار قوي وكُسر زجاج المحل ولم نتمكن من رؤية شيء بفعل الدخان. سمعنا صراخا من كل مكان. كان المنظر مروعا”.
وتابع الرجل، الذي فضل عدم ذكر اسمه، “جاءت فرق الإسعاف والشرطة بشكل سريع جدا، لم تمض دقائق بل ثوان حتى امتلأ المكان بالعناصر، ولكن عدد الجرحى كان أكثر من المتوقع، لم يكن من السهل استيعاب ما حصل، فلقد تحول الشارع إلى مكان تتناثر فيه الدماء. تأثرنا كثيرا برؤيتنا عربة طفلة على قارعة الطريق. في الصباح كان كل شيء مختلفا علقت البلدية أعلام تركيا في كل مكان ووضعت الورد الأحمر لكن الخوف لازال يسري في قلوبنا حتى الآن. الحادث لم يكن عاديا”.
وفي المكان المخصص لوضع الورود لتخليد ذكرى الضحايا، سُمع بكاء وترحم امرأة عربية فتوجهنا لها وطلبنا محاورتها، وقد استجابت وقالت إنها سورية، عاشت في سوريا الحرب قبل أن تنتقل إلى تركيا “أنا سورية أعيش هنا أعلم أن البعض لا يحبون وجودنا ولكننا لا نتمنى أن تعيش أي بلد ما عاشته سوريا من حرب ودمار. رائحة المكان والأحداث بالأمس ذكرتني بذكريات صعبة يصعب علي الحديث عنها” .
وتابعت “تركيا استقبلتنا وأوتنا. تركيا بالنسبة لنا أصبحت بلدا ثانيا ونحن نرفض المساس بأمنها ونرفض أن تكون ضحية للإرهاب. تركيا دولة قوية أثبتت لكل العالم قوتها. إنه لمن المؤسف أن نعيش أحداثا كهذه على أرضها، لا يهم ما هي جنسيتي المهم أننا عشنا لسنوات على هذه الأرض ولم ننكر فضلها. لقد تأثرت بالانفجار أكثر من تأثري بأحداث سوريا لأنه وببساطة لا أريد أن تصبح أي دولة في العالم نسخة من سوريا”.
وخلال تجول “القدس العربي” في المكان، التقت بطالبة عراقية مقيمة في تركيا، قالت “كنت هنا وقت الانفجار، لقد اعتدنا أنا وصديقاتي المغتربات أن نأتي إلى هنا يوم الأحد احتفالا بالعطلة الأسبوعية فهذا الشارع لا ينام ومليء بالفرحة، وفي الوقت الذي كنا نسير فيه أنا وصديقتي فيه رأينا انفجار كبيرا ودخانا يتصاعد وناس تصرخ، ركضنا في الاتجاه المقابل، لم نكن نعرف ما الذي علينا فعله ركضنا ونحن نبكي نحو مكان تواجد الشرطة لنهدأ. كانت صديقتي على وشك أن يغمى عليها خوفا، حاولت أن أتمالك نفسي لأن أهلي ليسوا معي هنا أنا وحيدة حاولت أن أكون قوية ولكن الخوف تملكنا”.
بعض الذين تحدثوا مع “القدس العربي” قد ربطوا وقوع الحادثة بقرب الانتخابات وكل منهم أخد في توجيه الاتهامات لشخصية معينة.
لم تتوقف البلدية عن العمل على إزالة أثار هذا الحادث الشنيع، ولإعادة الحياة إلى المكان نشرت الأعلام في كل مكان وزينت الشارع لترسل رسالة تدل على قوة تركيا رغم الهجمات الإرهابية.