إن معنى التقرب مع المغرب، إلى جانب الاتفاقات مع مصر، والأردن، والإمارات، والبحرين والسودان، يتجاوز بكثير أماني التطبيع، والرحلات الجوية المباشرة، والفلسطينيين والتطلع إلى “السلام”. يدور الحديث عن تراكم الكتلة الحرجة في صراع متواصل تخوضه إسرائيل ضد المنهج السياسي الذي أملى الموقف منها في العالم العربي وأوروبا وحتى في الولايات المتحدة. فالاعتراف بفشل محاولة تقزيم مكانة إسرائيل وإملاء تنازلات ومخاطر غير محسوبة عليها، يتغلغل في دوائر مهمة في العالم العربي وإحدى مدارس السياسة الخارجية الأمريكية ودوائر متعززة في أوروبا؛ فقد تنكر أوباما ومؤيدوه لفشله، ومثله أيضاً كان الاتحاد الأوروبي وبقايا متقلصة من اليسار الإسرائيلي.
لقد حاول أعداء دولة إسرائيل تصفية اليهود ودولتهم بالإرهاب وبالحرب، وبعد فشلهم توجهوا إلى تفوقهم في الساحة العالمية بفضل النفط، والمعابر الاستراتيجية، وأسواقهم الواعدة، وسيطرتهم على المنظمات الدولية، وقدرتهم على إثارة المسلمين الراديكاليين. وفي العقود الأخيرة، نجحوا في تجميد مشاعر الذنب ما بعد الاستعمار في الدوائر “التقدمية” في الغرب والميول اللاسامية السائدة في أوروبا، لنزع الشرعية عن إسرائيل. وقد تمكنوا من تشجيع أسطورة شعبية تبسيطية وكأن العداء للغرب في الشرق الأوسط وفي أوساط “العالم الثالث” ثار ويتطرف بسبب تأييد الغرب لإسرائيل. وعلى هذه الخلفية تطور في أوروبا، وحتى في الولايات المتحدة، وهم بأن فرض “إرادة الأسرة الدولية” على إسرائيل، في شروط تقوض قدرتها على الدفاع عن نفسها ضد أعدائها، سيطفئ العداء ويعمق الاستقرار.
إن منهج الضغط على إسرائيل لاستقرار المنطقة فشل على المستوى الاستراتيجي بفضل تصميم إسرائيل، التي فرضت على أعدائها الشروط اللازمة كما تراها للدفاع الذاتي عن نفسها. ولا يدور الحديث فقط عن انتصاراتها العسكرية وقدراتها على الصمود على مدى الأجيال في وجه الإرهاب بكافة مظاهره، إنما يدور الحديث أساساً عن قدرتها المتواصلة لبناء الذات والازدهار، بينما يغرق أعداؤها العرب حتى الرقبة في الفقر والتخلف والعنف.
في الخمسينيات والستينيات، ردت إسرائيل محاولات أوروبية وأمريكية تقليص مساحتها وإدخال لاجئين فلسطينيين إليها، وأفشلت بعد 1967 المطالبة بالانسحاب من كل إنجازاتها لقاء جملة كلمات عديمة القيمة، حققت معاهدة سلام منفصلة مع مصر مقابل الانسحاب من سيناء وتجاهلت بمنهاجية العداء المهووس ومزدوج الأخلاق من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. في بداية القرن الحالي، حطمت إسرائيل الإرهاب الفلسطيني بالقوة. منذ 1948 فرضت تسليماً بالقدس الغربية كعاصمة إسرائيل في ضوء 70 سنة معارضة أمريكية. كما أحبطت بالقوة سعي صدام حسين وبشار الأسد إلى السلاح النووي. وفي العقد الماضي، منعت بالقوة تموضع إيران في سوريا وردت الضغوط لتسميات مع الفلسطينيين من جانب أوروبا وأوباما.
العرب هم من يعترفون بهذا التدريج ومعناه. أولاً، العامل الأهم من كل العوامل الأخرى كلها معاً هو مصر، التي تقيم مع إسرائيل شراكة ضد ثلاثة أعداء مشتركين: الإخوان المسلمين، وإيران، وتركيا. ثانياً، الأردن الذي هو على علم أكثر من الجميع بتسيب وبخطر الحركة الوطنية الفلسطينية، ويعرف أن وجوده منوط بقوة إسرائيل. ثالثاً، دول الخليج، التي تفهم التهديد الوجودي من إيران. وبالتدريج بات دول بعيدة “تخرج من الخزانة” أيضاً كالسودان والمغرب. كل هؤلاء تعلموا بالطريقة الصعبة بؤس أوروبا وخطر الإدارات الأمريكية التي تحاول، بسذاجتها، إحلال الديمقراطية في الشرق الأوسط، بشكل يخدم الراديكاليين ويقوض حلفاءهم.
ثمة أهمية بعيدة الأثر لاعتراف العالم العربي بقوة إسرائيل ومصداقيتها. فالهندسة الإقليمية تتغير: الغرب الديمقراطي لا يحتاج لأن يختار بين إسرائيل و”العرب”: إسرائيل ولباب العالم العربي في معسكر واحد، بينما الراديكاليون بالمقابل (إيران، تركيا، الإخوان المسلمين، سوريا، وغيرهم) يعانون من توترات داخلية عميقة. من المهم خلق شراكة استراتيجية مع إسرائيل، ولا يرغب بالصدام. ها هم العرب بدأوا يستوعبون؛ والولايات المتحدة حذرة؛ حتى الأوروبيون و”التقدميون” سيتعلمون في النهاية.
بقلم: دان شيفتن
إسرائيل اليوم 15/12/2020