كيف تبدو صفقة القرن فرصة لإسرائيل؟

حجم الخط
0

لا تزال تفاصيل صفقة القرن التي تنوي إدارة ترامب عرضها خفيّة، ولكنها أصبحت منذ الآن جزءاً من حملة الانتخابات، ويبدو أيضاً أنها ستعصف بالساحة السياسية والجماهيرية في 2019. في اليمين السياسي يردون منذ الآن بالسلب، سواء انطلاقاً من الإحساس بخطر حقيقي أم كي يميزوا أنفسهم عن الليكود ويظهروا الولاء الذي لا جدال فيه لرؤيا بلاد إسرائيل الكاملة. في حزب اليمين الجديد أعربوا عن التخوف من أن تنزل بالبلطة على الرؤيا لضم السأمرة ويهودا، وتسحق الأمل في إمكانية استخدام حكم الليكود في صالح الحسم المطلق لمستقبل أقاليم البلاد.
يخيل أن نتنياهو يتعاطى بإيجابية مع الاقتراح. ويحتمل أن الأمر ينبع من اعتبارات تكتيكية، ولكن معقول أكثر أنه يعرف بحكم منصبه أكثر من الجمهور بتفاصيل الخطة. على مدى فترة حكمه اتخذ نتنياهو نهجاً سياسياً، واقعياً وعملياً، تجاه المسألة العربية ـ الفلسطينية. صحيح أنه وقف في وجه تحقق فكرة الدولتين، وفي السنوات الأخيرة سحق حتى الفكرة في الرأي العام الدولي، ولكنه في الوقت نفسه امتنع عن خطوات معاكسة تتمثل بإحلال السيادة الإسرائيلية أو ضم السامرة ويهودا. بدلاً من ذلك فضل تطوير نظام الحكم الذاتي للسلطة الفلسطينية في ظل ضمان السيطرة الأمنية الإسرائيلية ودون المس بالاستيطان اليهودي.
تبينت هذه السياسة ناجعة: من جهة حققت الأمن والهدوء النسبي، ومن جهة ثانية لا تضطر إسرائيل إلى التصدي للمسائل الهامة النابعة من الضم، وكان بوسعها أن تحافظ على طبيعتها كدولة يهودية وديمقراطية. إلى جانب ذلك، وجه نتنياهو المقدرات للتصدي للعدو الإيراني ولتعميق علاقات إسرائيل مع الدول العربية السُنية.

مكانة إقليمية وسيطرة أمنية استيطانية على «يهودا والسامرة»

من شظايا المعلومات التي تنشر عن صفقة القرن، يؤخذ الانطباع بأنها لن تخرج ضد المنطق العميق الكامن في السياسة الإسرائيلية لنتنياهو في العقد الأخير، وبقدر كبير ستستند إليه وتستخدمه. وحسب منشورات مختلفة، تقوم الخطة على أساس ميل التغيير في مكانة إسرائيل الإقليمية. وهي ترى فيها رافعة لخلق نظام جغرافي ـ سياسي يقوم على أساس محرك النمو الاقتصادي كمفتاح لتحقيق الهدف المنشود لكل اللاعبين العاقلين في المجال، أي: الاستقرار وإطفاء بؤر الاحتراق، مثل تلك التي في قطاع غزة، من خلال تحسين جودة حياة السكان ومستواها.
ستتضمن صفقة القرن على ما يبدو موقفاً من مكانة يهودا والسامرة والتنازلات التي سيتعين على إسرائيل ظاهراً أن تتخذها، بما في ذلك التنازلات الإقليمية. ومع ذلك، مشكوك في أن تتمكن م.ت.ف وقيادة السلطة الفلسطينية من التسليم بالاتجاه الذي يهب من الخطة، التي تعكس أغلب الظن الواقع الجغرافي ـ السياسي والديمغرافي الذي تطور في المنطقة، ومعناه تراجع عن الصيغة السياسية التي وضعها الرئيس كلينتون للتسوية في أعقاب انفجار مؤتمر كامب ديفيد بين عرفات وباراك في العام 2000.
إن الرفض الفلسطيني للخطة سيسمح لإسرائيل بتعميق وتوسيع عملية توثيق علاقاتها مع دول الشرق الأوسط. فضلاً عن ذلك، فإنه سيمنحها القدرة على أن تدفع إلى الأمام حيال الفلسطينيين بصيغة تسوية لا تقوم على أساس حلول مطلقة وغير قابلة للتراجع من الضم الكامل أو تقسيم المجال. ويدور الحديث عن صيغة توفر مفعولاً وشرعية دولية للواقع الذي يجري منذ الآن على الأرض دون إعلان رسمي، وفي أساسه إطار حكم ذاتي عربي ـ فلسطيني يسمح لإسرائيل بمواصلة إدارة التوتر الذي بين رغبتها في الحفاظ على السيطرة الأمنية والاستيطان اليهودي وبين التطلع إلى الحفاظ على المبدأ التأسيسي للحركة الصهيونية في شكل دولة يهودية وديمقراطية.

دورون مصا
باحث ومحاضر في موضوع النزاع في كلية أحفا ومسؤول كبير سابق في المخابرات
إسرائيل اليوم 28/2/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية