كيف تتعامل تركيا مع سيناريوهات تأخير الانسحاب الأمريكي وتمدد “تحرير الشام”؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول-“القدس العربي”:يعيش المشهد السياسي والعسكري في شمال سوريا تغيرات متسارعة أدت إلى تعقيد الحسابات السياسية والعسكرية لتركيا وفتح الباب مجدداً أمام سيناريوهات معاكسة لا تصب بالضرورة في صالح أنقرة، وذلك على عكس ما انصبت حوله التوقعات طوال الأسابيع الماضية.

وبعد أن كانت السيناريوهات تتمحور حول بدء عملية عسكرية واسعة للجيش التركي ضد وحدات حماية الشعب الكردية شرقي نهر الفرات، فجر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعلانه سحب القوات الأمريكية من سوريا بشكل “كامل وعاجل” وهي الخطوة التي اعتبرت في صالح تركيا كون أن انسحابا أمريكيا سريعا سوف يفتح الباب واسعاً أمام الجيش التركي للتحرك ضد الوحدات الكردية.

لكن هذه السيناريوهات أيضاً سرعان ما بدأت تتلاشى تدريجياً لتحل مكانها سيناريوهات جديدة تتعلق باحتمال تأخر الانسحاب الأمريكي والإبقاء على دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية، واحتمال نشر قوات عربية في مناطق النفوذ الأمريكي على الحدود التركية شمالي سوريا، إلى جانب السيناريوهات المتعلقة بالتمدد المتسارع لهيئة تحرير الشام على حساب الفصائل المدعومة من تركيا.

وفي التاسع عشر من الشهر الماضي أعلن ترامب أنه “حان وقت العودة، إنّ شبابنا وشاباتنا ورجالنا سيعودون جميعًا، وسيعودون جميعًا الآن”. وشدد في أكثر من تصريح لاحق على أن الانسحاب سيكون “سريعا” لكنه عاد يوم الاثنين الماضي للتأكيد على أن “الانسحاب من سوريا سيتم ببطء” وهو ما بدأ يثير المخاوف لدى أنقرة بأن يكون ترامب ينوي المناورة مجدداً وربما “يماطل” طويلاً في الانسحاب الذي لا يمكن لأحد الوثوق في إمكانية حصوله.

تصريح ترامب، لم يكن الوحيد المقلق لأنقرة التي أثار غضبها تصريح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بأن “من مهمة الولايات المتحدة ضمان عدم قتل الأكراد من قبل الأتراك في سوريا” وهي الإشارة الأبرز إلى أن الولايات المتحدة لا تنوي التخلي عن دعم وحماية تنظيم وحدات حماية الشعب الذي تعتبره تركيا امتدادا لتنظيم “بي كا كا” ويعتبر الدعم الأمريكي له نقطة الخلاف الأبرز في العلاقات بين البلدين. كما أكدت الخارجية الأمريكية “عدم وجود جدول زمني للانسحاب”.

وفي تأكيد آخر على الموقف الأمريكي، أكد مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون على حماية الوحدات الكردية عبر قوله: “ذاهبون من أجل مناقشة سبل التعاون مع حلفائنا بشأن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، ومنع ظهور داعش مجددا، وحماية مواقف الذين قاتلوا معنا ضد التنظيم”، وذلك قبيل زيارته المقررة إلى تركيا برفقة المبعوث الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، ورئيس الأركان جوزيف دانفورد.

وتنتظر تركيا من هذه الزيارة أن تُمكنها من الاطلاع على التوجهات الحقيقية للإدارة الأمريكية والتفاصيل المتعلقة بالجدول الزمني الفعلي للانسحاب، ورؤية إدارة ترامب للأطراف التي ستسد الفراغ عقب الانسحاب، وأسئلة أخرى مهمة حول استمرار دعم الوحدات الكردية من عدمه، وإمكانية سحب الأسلحة التي قدمتها الإدارة الأمريكية لهذه الوحدات.

وبانتظار نتائج زيارة الوفد الأمريكي لأنقرة، يواصل الجيش التركي أضخم عملية تحشيد ونقل للقوات والمدرعات إلى الحدود مع سوريا، للتعامل مع أي تغيرات عسكرية مفاجئة لا سيما في منبج، بالإضافة إلى إمكانية العودة إلى الخيار العسكري ولو بشكل محدود عبر مهاجمة الوحدات الكردية في بعض مناطق الشريط الحدود شرقي نهر الفرات.

ولا تبدو هذه التغيرات أقل أهمية وحساسية بالنسبة للمستوى السياسي والعسكري في تركيا من التسريبات المتزايدة حول إمكانية نشر “قوات عربية” تحل مكان القوات الأمريكية في شمالي سوريا، وهو سيناريو أكثر تعقيداً يمكن أن يفتح الباب أمام تحرك عسكري تركي سريع لاعتبارات مختلفة عن السابق.

وعلى الرغم من أن تركيا ما زالت تستبعد بدرجة كبيرة إمكانية وصول قوات عربية إلى شمالي سوريا، إلا أنها تضع في حساباتها أن أي قوات قد تتشكل من السعودية والإمارات ومصر سوف تكون بمثابة توجه معادي لها بالدرجة الأولى يمكن أن يضطرها للتحرك عسكرياً بشكل سريع في حال ثبت قرب وصول هذه القوات، مهما كانت النتائج سلبية على صعيد تعميق الخلاف مع واشنطن ومواجهة نتائج سلبية أكبر للأزمة السورية.

وما يزيد من صعوبة المشهد المعقد أصلاً، التطورات الأخيرة التي شهدتها مناطق النفوذ التركي شمالي سوريا، حيث دارت اشتباكات غير مسبوقة بين هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة سابقاً- وفصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا التي تلقت ضربة موجعة بخسارتها الكثير من مناطق نفوذها في أرياف حلب وإدلب وحماة لصالح الهيئة.

وعلى الرغم من أن القوات التركية لم تتدخل بعد بشكل مباشر لحماية الفصائل التابعة لها في تلك المناطق في محاولة منها للتفرغ لملف منبج وشرقي الفرات، إلا أنها قد تجد نفسها مضطرة لذلك في القريب العاجل لمنع تمدد نفوذ هيئة تحرير الشام بشكل أوسع وبالتالي تراجع النفوذ التركي والسيطرة الميدانية على تلك المناطق شمالي سوريا.

وحصول هذا السيناريو يعني تراجع الموقف التركي في المباحثات مع روسيا حول مصير إدلب والحفاظ على اتفاق المنطقة منزوعة السلاح الذي ينص على تحجيم هيئة تحرير الشام وليس تمددها، كما يعني تراجع الموقف التركي في المباحثات مع الولايات المتحدة باتجاه تقديم قوات المعارضة السورية المعتدلة، كقوة قادرة على السيطرة على مناطق النفوذ الأمريكي واستكمال الحرب على تنظيم “الدولة” بعد هزيمتها الجديدة من هيئة تحرير الشام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية