شحاتة عوضيبدو حسن شحاتة المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم واولاده من لاعبي المنتخب في حالة صدمة وفقدان توازن كبيرين منذ اندلاع ثورة 25 يناير المجيدة. وترجع هذه الصدمة وذلك الشعور بعدم الاتزان لدى شحاتة واولاده، الى شعورهم بانصراف الجماهير عنهم وفقدانها الحماس الشديد الذي كانت تبديه، وهالة القداسة والاعجاب التي احاطت منتخب مصر لفترة طويلة في الشارع المصري خلال السنوات الماضية، خصوصا على ضوء ما حققه المنتخب من انجازات لا تنكر في البطولات الافريقية وتتويجه ثلاث مرات متتالية بطلا لافريقيا.
حسن شحاتة واعضاء الفريق يرون في هذه الحالة التي تجلت بوضوح في مباراة مصر الاخيرة مع منتخب جنوب افريقيا في تصفيات كأس الامم الافريقية، التي انتهت بهزيمة المنتخب المصري، نوعا من الخذلان لهم ونكران لجميلهم من قبل الجماهير الكبيرة التي كانت تحملهم دوما على الأعناق وتتصدى لاي هجوم أو انتقاد ينال منهم. المعلم واولاده وهم يعيشون حالة الصدمة، ارتاحوا لفكرة الخذلان والنكران تلك، من دون أن يحاولوا استيعاب ما جرى في مصر من ثورة عظيمة كان لها وسيكون اثرها الكبير على كل تفاصيل الحياة في هذا الوطن بما فيه الرياضة.. ومن هنا فان على اعضاء المنتخب بلاعبيه وجهازه الفني قبل أن يستكينوا لفكرة الخذلان الجماهيري لهم، أن يعترفوا بانهم خذلوا هذه الجماهير قبل أن تخذلهم وتنكروا لجماهير مصر من البسطاء والفقراء، عندما انحازوا للنظام السابق ورئيسه ورموزه وخرج بعضهم وعلى رأسهم المعلم حسن شحاتة، في مظاهرات دعم ومساندة لمبارك وبقائه، في وجه ملايين المصريين الذين صنعوا هذه الثورة. ومن هنا حدث هذا الطلاق وتلك الفجوة النفسية الكبيرة بين الجماهير والمنتخب. لقد كان من الممكن أن يقبل ويستوعب الناس عدم ذهاب شحاتة أو أي من لاعبي المنتخب، وكثير منهم يحظى بحب ملايين الشباب، لميدان التحرير لتأييد الثورة ومطالبها، فلم يشارك كل المصريين في الثورة. لكن ما لم يكن مقبولا وما شكل صدمة لهذه الملايين الغاضبة التي ضحت بالمئات من ارواح شبابها الطاهر لانتصار الثورة، هو أن يختار معظم لاعبي المنتخب، وعلى رأسهم حسن شحاتة، الانحياز للنظام الفاسد ويعلنوا تأييدهم له، بدلا من انحيازهم للجماهير التي صنعت نجوميتهم وساندتهم في أوقات النصر والهزيمة، وطالما صرخت حناجرهم ودوت اصواتهم بالاعجاب والتأييد لهذا المنتخب، الذي كان يوما صانع الفرح الوحيد في هذا الوطن. فماذا كانوا يتوقعون ان يكون رد فعل الناس على ذلك سوى الانفضاض من حولهم.
لكن موقف المنتخب ومديره الفني أثناء ثورة 25 يناير، على أهميته ودلالته، لا يفسر وحده تلك الفجوة النفسية الهائلة التي تعمقت هذه الايام بين الجماهير ومنتخبها الذي طالما عشقته. في ظني أن هناك اسبابا أكثر عمقا واشد دلالة يمكن ان تفسر هذه الفجوة. ومن بين تلك الاسباب أن هؤلاء الشباب الذين أعادت ثورة 25 يناير اكتشافهم لانفسهم وقدراتهم، اعادوا بدورهم اكتشاف مصر من جديد ومن بين ما اكتشفوه وتمردوا عليه بشدة أنهم طوال سنوات مديدة تمتد لعقود في عهد مبارك لم يخرجوا للشوارع ولم يتحمسوا للمظاهرات، إلا بسبب مباريات كرة القدم او حين يتوج فريقهم الوطني ببطولة أو يحقق انجازا ما. ولم يحملوا علم بلادهم ولم تصدح اصواتهم بنشيد مصر الوطني الا في مثل هذه الاوقات. لكنهم بعد ثورة 25 يناير وما صنعته شجاعة وجسارة هؤلاء الشباب من تاريخ مجيد، اكتشفوا أن هناك ما هو ابقى وأهم وأثمن من كرة القدم على حبهم لها. اكتشفوا أن تحرير هذا الوطن من نظامه الفاسد والثورة على الظلم والفساد في عهد مبارك ومخطط توريث بلدهم وكأنها عقار او عزبة، هي الاهم والابقى. اكتشفوا حجم الجريمة التي ارتكبها نظام مبارك في حق هذا الوطن فكرهوه بعنف وكرهوا كل من ساهم في تجميل او تزييف وجهه القبيح الفاسد.
وهنا انتقل لسبب آخر أهم ربما يساعد في تفسير هذه الازمة بين الجماهير وكرة القدم في مصر الآن، وهو أن مبارك افسد كل شيء في مصر حتى الرياضة، وفي هذا الاطار تحول المنتخب وما حققه من انجازات، الى أداة استخدمها نظام مبارك وعائلته، وتحديدا نجليه جمال وعلاء، لتجميل الوجه البشع للنظام، والتغطية على هذا الكم الهائل من الجرائم التي ارتكبها مبارك ونظامه في حق مصر داخليا وخارجيا. فبينما كانت عصابات النظام تمارس عمليات النهب المنظم في ثروات مصر، وحينما كان السواد الاعظم من أبناء هذا الوطن يرزحون تحت وطأة الفقر والحاجة والمرض، كان النظام يغدق على المنتخب ولاعبيه الملايين اضافة الى الرعاية والاهتمام.
ولا ننسى أبدا أنه بينما كان هناك ما يزيد عن الف ومئتي مصري يغرقون في البحر ويقدمهم فساد النظام طعاما لاسماك القرش في مياه البحر الاحمر في حادث غرق العبارة السلام 98، بينما كان منتهى أمل اهالي هؤلاء الضحايا المكلومين أن يتمكنوا فقط من دفن ضحاياهم في قبور يزورنها في الاعياد. بينما كان المشهد على هذا النحو المأساوي الحزين، لم يخرج مبارك ليكفكف دموع هؤلاء المكلومين ولم يجد وقتا لتقديم واجب العزاء لهم، لكنه وجد في المقابل الوقت ليذهب مع نجليه الى معسكر المنتخب ويلتقي مع اللاعبين ويلتقط معهم الصور ويداعبهم.. وهكذا بينما كانت مصر تتشح بالسواد حزنا على هؤلاء الابرياء الذين ابتلعهم جوف البحر، كان تلفزيون مبارك يظهر صورة مبارك مع نجليه جمال وعلاء، وهم يداعبون لاعبي المنتخب ويتبادلون الضحكات، في مشهد جسد حالة الطلاق الكامل بين مبارك وهذا الشعب.
لقد استخدم منتخب مصر ولاعبوه ونجومه، سواء كان ذلك بعلمهم ومباركتهم أو من دون أن يتنبهوا، على مدى السنوات الماضية كأحد المعابر المهمة لتمرير سيناريو التوريث وتقديم جمال مبارك على أنه راعي المنتخب المصري والحريص عليه، ولما كانت انتصارات المنتخب هي صانع السعادة ومصدر البهجة الوحيد للمصريين الحزانى، فكان لابد أن يتصدر جمال مبارك المشهد الرياضي باعتباره السبب الاساسي في هذه الانتصارات.. وكان كل ذلك يتم بطريقة منهجية وضمن حملة منظمة من خلال نشر صوره مع الفريق ولقاءاته معهم وسفره الدائم مع الفريق في اللقاءات المهمة، وكذلك عبر جيش جرار من أزلام الابن وحملة مباخره في جماعة التوريث الذين احتلوا معظم البرامج الرياضية في القنوات الفضائية وكان همهم الاساسي تلميع صورة جمال وشقيقه علاء مسبوقين بلقب السيدين، باعتبارهما الحارس الامين والراعي المخلص للرياضة والرياضيين في مصر. كان مبارك وكل أفراد العائلة يدركون إلى حد اليقين، أن الوريث المحتمل لا يلقى اي قبول او شعبية لدى الناس، وأن الشعب لن يتقبل فكرة ان يتولى جمال الرئاسة خلفا لوالده كونه يفتقد أي مقومات تؤهله لذلك، فكان الباب السحري للتغلب على هذه العقبة أن يتم تسويقه عبر بوابة كرة القدم معشوقة المصريين وخبزهم اليومي ومصدر فرحهم الوحيد. وكما كانت انتصارات منتخب مصر في كرة القدم، تقدم على انها احد الانجازات المجيدة لنظام مبارك واحدى ركائز وجوده لدرجة اختزلت مصر العظيمة في فريق كرة قدم، فانها وبقدر أكبر كانت تستغل من قبل مجموعة التوريث للتمهيد لمبارك الابن في رحلة صعوده الصاروخية نحو مقعد الرئاسة. ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهي سفن جمال مبارك وانصاره، واندلعت ثورة 25 لتكتسح في طريقها سيناريو التوريث وكل من أيده ودعمه، وكان طبيعيا أن يمتد طوفان الغضب على مبارك وعائلته ونظامه ليغرق كل من كانوا من المقربين من جمال وساندوا طموحه غير المشروع لوراثه أبيه، وكان منهم للاسف عدد من نجوم المنتخب ومديره الفني حسن شحاتة، الذين طالهم لهب الغضب الشعبي لاسيما وأنهم يحاولون أن يتبرأوا من هذا الجرم المشهود، بل بالعكس ساهم موقفهم من الثورة ودعمهم لمبارك ونظامه حتى النهاية، في تعميق الفجوة وأزمة الثقة بينهم وبين الجماهير. لن ينسى الشارع المصري بسهولة هذا الموقف من المنتخب ونجومه، ولن يغفر لهم ذلك بسرعة، ولكن يبقى الرهان على الزمن والنسيان، والاهم من ذلك على قدرة نجوم المنتخب على أن يعيدوا اكتشاف انفسهم كما اعاد المصريون اكتشاف ذاتهم في 25 يناير، حتى يعودوا مرة أخرى منتخبا لشعب مصر بفقرائه وعماله وفلاحيه وكل هؤلاء المهمشين الذين طحنهم مبارك ورغم ذلك كانوا هم أكثر من ناصر وساند هذا المنتخب.. كما يجب على الجميع في منتخب مصر أن يدرك ان كرة القدم والرياضة عموما على اهميتها وشعبيتها لم تعد تحتل الاولوية حاليا لدى المصريين الذين يحلمون ببناء وطن حر ديمقراطي يتسع لكل المصريين في ان يعيشوا بحرية وكرامة وانسانية.. فالشعار الان الذي يجب ان نحافظ عليه في مصر هو ‘كثير من السياسة.. قليل من كرة القدم’ حتى يمكن أن نبني مصرنا الجديدة.’ كاتب وصحافي مصري