كيف تحول المغرب إلى برازيل أفريقيا والعرب؟

حجم الخط
4

لندن ـ «القدس العربي»: يتفاخر جمهور كرة القدم المغربي، بسلسلة الإنجازات الجماعية غير المسبوقة التي حققتها كافة منتخبات أسود أطلس في الفترة الماضية، أو ما تُعرف إعلاميا بالفترة الذهبية التي أعقبت معجزة الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم قطر 2022، كان آخرها الإنجاز الآخر الذي حققه المدرب محمد وهبي وجواهره الثمينة في نهائيات كأس العالم للشباب تحت 20 عاما، التي استضافتها دولة تشيلي الشهر الماضي، وانتهت بحصول أصدقاء ياسر زابيري بالكأس والميداليات الذهبية، كأول منتخب عربي في التاريخ يحقق هذا الإنجاز، متفوقا على قطر التي هُزمت أمام ألمانيا الغربية في المباراة النهائية لنفس البطولة في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي. وعلى سيرة الأول، كان أيضا أول منتخب أفريقي يعانق المونديال العالمي للشباب، منذ أن فعلها المنتخب الغاني في الأراضي المصرية عام 2009، وهو ما يعكس الطفرة المذهلة التي تعيشها الكرة المغربية في هذه المرحلة، وفي نفس الوقت، يثبت بما لا يدع أي مجال للشك، أن الوصول إلى المربع الذهبي في المونديال الشرق أوسطي، لم يكن بضربة حظ أو من قبيل الصدفة، بل نتيجة التخطيط السليم والعمل الجماعي الجاد الذي يجمع بين الاحترافية وبين التضحية والتفاني من أجل مصلحة الوطن، وذلك من قبل حتى وصول عراّب ثورة الأسود فوزي لقجع إلى منصب الرجل الأول في الجامعة الملكية لكرة القدم في العام 2016، الذي بدوره أعاد إحياء المشروع المؤجل من ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

بداية الأفضلية

بالعودة بالذاكرة إلى الوراء، وتحديدا في بداية سبعينات القرن الماضي، سنجد أن المنتخب المغربي كان أول منتخب عربي وأفريقي يتأهل إلى كأس العالم عبر نظام التصفيات، بعد سنوات من اعتماد الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» على نظام توزيع البطاقات وحصرها بين منتخبين أو ثلاثة من القارة السمراء والمنطقة العربية، وهي الطريقة التي سمحت للمنتخب المصري بالمشاركة في نسخة إيطاليا 1934، بعد التغلب على المنتخب الفلسطيني في مباراتي الذهاب والإياب، بينما منتخب الأسود، فكان سباقا في افتكاك أول بطاقة أفريقية مما يُسمى إلى وقتنا هذا بتصفيات القارة السمراء المؤهلة للمونديال، وحدث ذلك في نسخة المكسيك عام 1970. وعلى سيرة الأسبقية، عاد المغرب إلى المكسيك مرة أخرى بعد 16 عاما، وهذه المرة ليُحطم ما تُعرف بعقدة الخواجة، بعد تعادله في المباراة الافتتاحية أمام بولندا بدون أهداف، وتبعها بتعادل آخر أبيض أمام المنتخب الإنكليزي، وما أدراك ما هو المنتخب الإنكليزي في نسخة المكسيك 1986، يكفي أننا نتحدث عن المنتخب الذي جعل دييغو أرماندو مارادونا، يستخدم يده ليخطف أولى أهداف بطل تلك النسخة المنتخب الأرجنتيني، ثم بعد ذلك مارس هوايته المفضلة باكتساح البرتغال بثلاثية مقابل هدف، ليصبح أول منتخب عربي وأفريقي يتأهل إلى مراحل خروج المغلوب للعرس الكروي، وكأول المجموعة، ولولا بعض التفاصيل البسيطة، لتمكن على أقل تقدير من أخذ منتخب ألمانيا الغربية إلى الأشواط الإضافية ومن ثم ركلات الترجيح في بداية الإقصائيات، لكنه خسر بالضربة القاضية في الدقيقة 88 بهدف ماركة الأسطورة لوثار ماتايوس، وهذا الإنجاز في حد ذاته، فتح الباب على مصراعيه أمام فرق أخرى عربية وأفريقية وآسيوية، مثل المنتخب الكاميروني في النسخة التالية في إيطاليا، والسعودية في الولايات المتحدة الأمريكية 1994، وكوريا الجنوبية في نسخة 2002، وبينهما تعرض المنتخب المغربي لمؤامرة كروية على طريقة الجزائر في 1982، عندما تعامل المنتخب البرازيلي باستهتار في مباراته الأخيرة في المجموعة أمام المنتخب النرويجي، وذلك في نفس الوقت الذي كان يتفنن فيه الأيقونة بصير صلاح الدين ومصطفى حجي وباقي نجوم الحقبة في جلد القلوب الشجاعة الاسكتلندية بثلاثية نظيفة كانت قابلة للضعفين، وهذا لا يعكس سوى طموح المغرب ورغبته المبكرة في تحدي عمالقة اللعبة في أوروبا وأمريكا الجنوبية.

الأكاديمية وإيبولا

مع بداية الألفية الجديدة، بدا وكأن الكرة المغربية أخذت منحى هبوطي، باستثناء وصول أصدقاء يوسف حجي إلى المباراة النهائية لبطولة أمم أفريقيا، التي خطفها نسور قرطاج في نهائي «رادس» الشهير عام 2004، وهذا الأمر كان واضحا في الخروج المتكرر من الدور الأول للكان، والإخفاق في التأهل لكأس العالم منذ لحظات بكاء بصير صلاح الدين ورفاقه، واكتملت بالفشل في انتزاع حتى بطاقة اللعب في الكان في نسختي غانا 2010 وغينيا الاستوائية والغابون 2012، وعندما عاد الأسود في جنوب أفريقيا 2013، خرجوا سريعا من الدور الأول، وفي الأخير، جاء انتشار مرض إيبولا في غرب أفريقيا في الفترة التي سبقت تنظيم البلاد لبطولة أفريقيا 2015، ليضع المسؤولين وأصحاب القرار في الجامعة الملكية أمام الأمر الواقع، حيث اضطرت الحكومة للاعتذار عن عدم استضافة البطولة، بعد رفض الاتحاد الأفريقي لمطالب الجامعة بتأجيل موعد الكان، خوفا من انتقال المرض القاتل إلى الأراضي المغربي، فكانت النتيجة، الحرمان من المشاركة في النسخة التي تم إسنادها إلى غينيا الاستوائية عام 2015، لكن الشيء المثير للإعجاب، أنه في خضم الأزمات التي كان يعاني منها المنتخب والأندية المغربية على الصعيد القاري، كانت الحكومة تدشن لمشروع مستقبلي طويل الأجل، والإشارة إلى أكاديمية «محمد السادس»، التي ظهرت للنور في العام 2009، كمشروع يهدف لالتقاط المواهب والجواهر النادرة في كل أرجاء البلاد، وذلك بعد إنفاق ما يلامس الـ20 مليون دولار، لبناء هذا الصرح العالمي الممتد على مساحة تُقدر بحوالي 2.3 كيلومتر مربع، ومصمم على شكل دوار مغربي تقليدي بساحة مركزية محاطة بخمسة أبنية، شاملة 10 ملاعب كرة قدم بالمواصفات والمعايير المثالية للفيفا، غير أنه تحتوي على مركز طبي ورياضي متطور، ومجمع سكني فندقي من نوعية «5 نجوم»، يقول عنه موقع «كووورة»، أنه يستوعب من 50 لـ100 لاعب، يتم الاعتناء بهم في مدرسة داخلية متكاملة تضم 10 فصول دراسية وقاعات لياقة ومرافق ترفيهية ومسجد وقاعة مؤتمرات، في ما يصفها الاتحاد الدولي لكرة القدم بـ«جوهرة التاج للكرة المغربية»، والدليل على ذلك أنها اكتشفت 3 لاعبين من المجموعة التي ساهمت في التأهل لنصف نهائي كأس العالم قطر 2022، وهم يوسف النصيري، وعز الدين أوناحي ونايف أكرد، وحتى منتخب الأشبال الفائز مؤخرا بالمونديال اللاتيني، يضم في صفوفه 5 من خريجي أكاديمية الذهب، أبرزهم ياسر زابيري وياسين خليفي وفؤاد الزهواني وحسام الصادق وحمزة كوتون، وهو ما يعكس الدور الكبير الذي قدمته ولا تزال تقدمه الأكاديمية في خطة تطوير كافة المنتخبات الوطنية.

استقطاب المواهب

بالتزامن مع نضوج مواهب الأكاديمية، وأيضا مع وصول فوزي لقجع إلى مقعد الرئاسة قبل عقد من الزمن، بدأ العمل داخل الأكاديمية على سياسة استقطاب ألمع وأفضل المواهب التي ترعرعت في الأكاديميات الأوروبية من أبناء المهاجرين وأصحاب الجنسية المزدوجة، وذلك بعد سنوات من الاكتفاء بمشاهدة أبناء المهاجرين وأصحاب الأصول المشتركة يتأقلون مع أندية أخرى، على غرار مروان فيلايني مع المنتخب البلجيكي، وعادل رامي ويونس قابول مع فرنسا، وإبراهيم أفيلاي وخالد بولحروز وأسماء أخرى مع هولندا، فكانت البداية بخطف أشرف حكيمي من إسبانيا، وحكيم زياش من هولندا، وباقي المجموعة التي ساهمت في معجزة 2022، منهم على سبيل المثال لا الحصر، بلال الخنوس وسفيان أمرابط وزكريا أبو خلال وسفيان بوفال والبقية، وبعد نجاح التجربة، بدأت تتغير الكفة تجاه الجامعة الملكية في جُل معاركها مع الاتحادات الأوروبية على أبناء المهاجرين وأصحاب الجنسية المزدوجة، لعل أبرز مثال على ذلك نجاح المغرب في خطف إبراهيم دياز من أنياب إسبانيا، وذلك بعدما دافع عن لاروخا في كافة الفئات السنية، وبالمثل نجحت خطة الانقضاض على الموهوب إلياس بن صغير قبل فرنسا، وفي الطريق ساحر نادي ليل الفرنسي أيوب بوعدي وغيرها من الأسماء التي يُنظر إليها على أنها مشاريع نجوم من الطراز العالمي على المدى القصير، فقط لامين يامال، هو من أفلت بغرابة شديد من المشروع المغربي الطموح، وذلك بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من ارتداء قميص الآباء والأجداد، لكن بوجه عام، سيكون من الصعب الجدال على أن الجامعة الملكية، نجحت في بناء منتخب أقل ما يُقال عنه «عالمي»، أو على نفس مستوى منتخبات الصفوة في أوروبا، والأكثر إثارة للدهشة والإعجاب، ذاك التواصل أو الربط الاستثنائي بين كافة المنتخبات، الذي أسفر عن بناء قاعدة هائلة من المواهب القادرة على تسلم الراية في المستقبل، بدليل النجاحات الساحقة لكل منتخب يرتدي القميص المغربي بصرف النظر عن سنه أو جنسه، مثل الفوز بكأس أفريقيا للاعبين المحليين هذا العام، وقبلها حصل المنتخب الأولمبي تحت 23 عاما على كأس أفريقيا المؤهلة لدورة الألعاب الأولمبية، ثم بعد ذلك خطف الميدالية البرونزية والمركز الثالث بانتصار كاسح وعريض على الفراعنة بسداسية مهينة كرويا، بخلاف الحصول على كأس أفريقيا للناشئين تحت 17 عاما، حتى الجنس اللطيف كان له نصيب مع الإنجازات، بمشاركة منتخب السيدات في كأس العالم التي أقيمت في أستراليا ونيوزلندا، باعتباره المنتخب العربي الوحيد المشارك في البطولة، وحسنا فعل ببلوغه الدور ثمن النهائي، وبالتوازي مع التخطيط السليم والوفرة الهائلة على مستوى المواهب، تغيرت عقلية اللاعب والمشجع الغربي بعد مونديال قطر 2022، حيث أصبح الطبيعي لأي منتخب مشارك في حدث عالمي، أن يحاكي إنجاز الركراكي ورجاله أو يتجاوزه، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على عقلية فريق الشباب، الذي سافر إلى القارة اللاتينية من أجل معانقة اللقب العالمي، وليس لأجل التمثيل المشرف، ولهذا حدثت تلك الطفرة أو النهضة الكروية الكبرى في المغرب، لتصبح النسخة العربية الأفريقية للبرازيل عندما كان يُضرب بها المثل في النجاح والهيمنة والوفرة المخيفة على مستوى المواهب، فهل يا ترى تأتي المكافأة الكبرى في مونديال 2026 أو قد تتأخر إلى 2030؟ نتمنى كل التوفيق لأسود المغرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية