لندن ـ «القدس العربي»: في آخر ساعات سوق الانتقالات الصيفية عام 2017، تعاقد برشلونة مع الجناح الفرنسي اليافع آنذاك عثمان ديمبيلي، مقابل حصول ناديه الأسبق بوروسيا دورتموند على قرابة الـ150 مليون يورو بخلاف المتغيرات، في ما كانت أشبه بالمغامرة الجريئة بالنسبة لإدارة النادي الكتالوني لتعويض البرازيلي نيمار جونيور، الذي تخلى عن «كامب نو» والثالوث المدمر «MSN» لتحقيق أحلامه وطموحاته مع باريس سان جيرمان، لكن مع الوقت، تبين أن البلوغرانا لم يُحسّن الاختيار، وهذا ليس بسبب ضعف جودة ومهارة اللاعب الفرنسي، بل لكثرة مشاكله مع لعنة الإصابات، التي كانت سببا في ابتعاده عن الملاعب لفترات طويلة بين عامي 2017 و2021، لينتهي به المطاف بعد عامين بالانتقال إلى باريس سان جيرمان في صفقة انتقال حر، وعلى عكس أغلب التوقعات والترشيحات، بأن الشاب العشريني سيخرج سريعا من الباب الخلفي الصغير لقلعة «حديقة الأمراء»، نجح في تحقيق ما فاق خيال أكثر المتفائلين، خاصة في النصف الثاني من الموسم المنقضي، الذي قاد فيه كتيبة المدرب لويس إنريكي، للاستحواذ على كل البطولات المحلية والقارية، أو ما تُعرف إعلاميا بـ«الثلاثية التاريخية» (الدوري الفرنسي وكأس فرنسا ودوري أبطال أوروبا)، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن، كيف تحول ديبميلي من صفقة فاشلة مع البارسا إلى أفضل لاعب في دوري أبطال أوروبا، والأفضل في المباراة النهائية التي انتهت بسحق أفاعي الإنتر الإيطالي بخماسية نظيفة مع الرأفة… هذا ما سنستعرضه معا في هذا التقرير.
الموهبة والعقلية
باعتراف كل من أشرف على تدريب عثمان، أو شاهده في إحدى الحصص التدريبية، فهو واحد من أعظم المواهب التي تُستغل بالشكل الصحيح أو المطلوب في عالم كرة القدم، استنادا إلى ما قاله نجم موناكو وباريس سان جيرمان سابقا لودوفيك جولي، الذي قال في بداية هذا العام: «نتحدث عن مراوغ من النوع المذهل، والأكثر إثارة للإعجاب أنه يتمتع بخطوات سريعة وسرعة جنونية، لكن لو كان أفضل في إنهاء الهجمات، لكان من الممكن أن يصبح واحدا من أعظم اللاعبين في الدوري الفرنسي، والأهم كان سينافس على جائزة الكرة الذهبية»، مؤيدا ما أشار إليه المدير الرياضي السابق لنادي رين والمدافع الأسبق لمانشستر يونايتد ميكيل سيلفستر، بأنه «المراهق الأكثر موهبة بالفطرة بعد زميله سابقا في اليونايتد كريستيانو رونالدو»، حتى المهاجم الدنماركي مارتن بريثويت، الذي انضم إلى برشلونة عام 2020، قال عنه: «لم أر لاعبا بموهبته من قبل. أنا جاد. صحيح ليونيل ميسي لاعب مختلف تماما، لكن بعده لم أر لاعبا مثل هذا الفتى المميز»، لكن ما كان يؤرق جماهير برشلونة، أنه لم يكن يطوع هذه الموهبة والإمكانيات لمصلحة الفريق، ربما لأنه وصل إلى «كامب نو» في سن مبكرة، ولم يجد من يساعده أو يقدم له النصيحة بعد التحول الجذري في مسيرته، من مشروع لاعب واعد مع بوروسيا دورتموند، إلى واحد من أصدقاء ليونيل ميسي، وثاني أغلى صفقة في التاريخ، وهذا ما أشار إليه في أكثر من مقابلة صحافية، بأنه أضاع ما يقرب من خمس سنوات من مسيرته في برشلونة، لأسباب تتعلق بافتقاره التام للاحترافية، وربما لعدم نضوجه عقليا واستهتاره الزائد على الحد، راسما لنفسه صورة اللاعب غير الملتزم، الذي يقضي ساعات الليل مع زملاء السوء أمام ألعاب الفيديو، ولا يعرف الانضباط والالتزام بمواعيد التدريبات الصباحية، وقبل هذا وذاك، كان يعيش على نظام غذائي وصفه موقع «Goal» العالمي بـ«العار على الرياضيين المحترفين»، استنادا إلى معلومة موثقة، تُفيد بأنه كان يُفضل تناول الوجبات السريعة في منزله، على أطباق السمك واللحوم الصحية التي كان يعدها طباخه السابق ميكيل نايا، الذي قال نصا في مقابلة مع صحيفة «لو بارزيان» الفرنسية: «عثمان فتى طيب لكنه لا يتحكم في حياته، يعيش دوما مع عمه، وأقرب أصدقائه اللذين لا يجرآن على قول أي شيء له، إنها حياة فوضوية. صحيح لم أر الكحول قط، لكنه لا يحترم فترات الراحة على الإطلاق. وهناك تأثيرات سلبية عليه»، الأمر الذي جعله يتحول إلى رجل زجاجي لا يقوى على لعب مباراتين كل أسبوع لمدة طويلة على مدار 5 سنوات.
الهروب الكبير
بعد نجاحه في تجاوز إشكالية الإصابات المتكررة، بالتزامن مع زواجه من فتاة مغربية أواخر العام 2021، ظل يكافح لاستعادة مستواه الذي كان عليه في بداياته في الدوري الفرنسي والألماني، حتى أن بعض جماهير النادي كانت تعتبره «شخصية مجهولة»، وهذا باعتراف الرسام أندرياس إنييستا، الذي وصف زميل الأمس بـ«العبقري»، لكن مشكلته الوحيدة، تكمن في صعوبة فهم أو قراءة ما يدور في رأسه، حتى رئيس النادي جوان لابورتا، كان يتقمص دور المحامي عن لاعبه، معتقدا أن ديمبيلي العائد من جحيم الإصابات المزمنة «يحتاج إلى معاملة خاصة»، للحفاظ على موهبته، ومع ذلك، كان صاحب الشأن يتفنن في إهدار الفرصة تلو الأخرى، إلى أن قرر الانقلاب على النادي الكتالوني، بانضمامه إلى باريس سان جيرمان في صيف 2023، في ما وُصفت من جماهير البارسا وفي وسائل التواصل الاجتماعي بـ«الخيانة»، للنادي الذي اعتنى به أكثر من 5 سنوات لإنقاذ مسيرته من الضياع، وهذا باعتراف المدرب السابق تشافي هيرنانديز الذي قال في أول تعليق بعد الصدمة: «هذا يؤلمني لأنني اعتقدت أنه لن ينسى أننا اعتنينا به جيدا»، هذا بخلاف الخسائر المادية الفادحة التي تكبدها النادي، الذي أنفق كما أشرنا أعلاه حوالي 150 مليون يورو نظير إطلاق سراحه من «سيغنال أيدونا بارك»، وفي الأخير لم تسترد خزينة «كامب نو» سوى 50 مليونا، بعد تفعيل البند الخاص بفسخ عقده قبل الدخول في عامه الأخير، منها 25 مليون يورو كانت متبقية من المستحقات القديمة، وهو ما أثار غضب المسؤولين وأصحاب القرار في النادي، منهم مستشار الرئيس إنريك ماسيب، الذي قال لصحيفة «سبورت» المحلية: «أنا أحب اللاعبين الجيدين، لكنني أفضل اللاعبين الملتزمين، وبالنسبة لديمبيلي، فقد أثبت بالفعل عدم التزامه بعد تراجعه عن تجديد عقده معنا، من السهل جدا أن تُقبل شعار النادي عندما تسجل هدفا أو تُروج لدعاية سيئة على وسائل التواصل الاجتماعي، من الطبيعي أن ترغب في كسب المزيد، لكن عندما تكون ملتزما، لا تنظر إلى المال ولا تُعلق على شيء في يوم، ثم تقول شيئًا آخر في اليوم التالي».
منعرج طريق
ظل الجمهور الكتالوني يتشفى في لاعبه السابق أكثر من عام، بسبب تذبذب مستواه مع الفريق الباريسي، لدرجة أنه حتى سبتمبر/أيلول الماضي، كان الاعتقاد السائد في مكاتب «حديقة الأمراء»، أن عثمان لا يتمتع بالانضباط والروح القتالية لإخراج أفضل ما لديه من أجل الفريق، بعد اكتفاء اللاعب بتسجيل 3 أهداف فقط في موسمه الأول على مستوى الدوري الفرنسي، قبل أن يتخذ المدرب الإسباني لويس إنريكي، القرار الأنسب لمصلحة النادي، باستبعاد ديميبلي من مباريات غاية في الأهمية، مثل ليلة الخسارة أمام آرسنال بهدفين نظيفين في دوري أبطال أوروبا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وآنذاك رفض مدرب المنتخب الإسباني السابق، الكشف عن أسباب تجاهل عثمان، مكتفيا بقول جملته المأثورة: «إذا لم يلتزم لاعب بتوقعات الفريق أو يحترمها، فهذا يعني أنه غير مستعد للعب»، ما فتح الباب أمام المنافسين والشامتين لعقد مقارنات بين وضعه البائس مع البارسا وبين تصرفاته المثيرة للجدل مع «بي إس جي»، لكن في الأخير، حدث آخر ما كان يتوقعه أو ينتظره جُل عشاق النادي وجماهير كرة القدم بوجه عام، بتحول ديمبيلي من لاعب فائض عن حاجة المشروع الباريسي الشاب، إلى المحطة التي يرتكز عليها الفريق في خدماته، والمتحدث الرسمي الأول لخط الهجوم بداية من النصف الثاني، تاركا أرقامه وإحصائياته تنوب عنه، بعد توقيعه على 25 هدفا في النصف الثاني من أصل 31 على مدار الموسم، والفضل يرجع إلى رؤية المدرب، الذي عدّل مركزه من جناح متعدد الاستخدام، إلى مهاجم وهمي رقم (9.5)، منها وجد نفسه في صناعة الأهداف والمساحات والفرص المحققة لرفاقه، ومنها أيضا اكتشف موهبته أمام الشباك عندما يأتي بسرعته الهائلة من الخلف إلى الأمام ووجهه للمرمى، فكانت النتيجة أو المحصلة النهائية، تقمصه دور البطولة المطلقة في حصول فريقه على أول ثلاثية في تاريخه، واكتملت بتتويج مجهوده بحصوله على جائزة أفضل لاعب في النسخة الجديدة للكأس الشقراء، ورجل مذبحة الخمسة، الأمر الذي ساهم في انتعاش فرصه في منافسة محمد صلاح وثنائي برشلونة لامين يامال ورافينيا على جائزة «الكرة الذهبية» (البالون دور) كأفضل لاعب في العالم من مجلة «فرانس فوتبول»، فهل يا ترى يفعلها منبوذ الأمس في برشلونة ويخطف الجائزة الفردية الأكثر عراقة وأهمية للنجوم والأساطير من زملاء الأمس في الإقليم المتمرد؟ دعونا ننتظر ما سيحدث.