لندن ـ «القدس العربي»:
على غرار ما حدث بعد إرسال ماركوس راشفورد إلى أستون فيلا وأنتوني إلى ريال بيتيس على سبيل الإعارة في سوق الانتقالات الشتوية الأخيرة، رحب الكثير من عشاق نادي مانشستر يونايتد بقرار مجلس إدارة النادي بالتعاون مع المدرب الهولندي السابق إيريك تن هاغ، بالاستغناء عن الدولي الاسكتلندي سكوت مكتوميني، على اعتبار أن الفريق سيكون الرابح الأكبر بعد بيعه لنابولي الإيطالي مقابل 30 مليون يورو، لكن على أرض الواقع، سرعان ما أثبت الشاب العشريني أن جماهير ناديه السابق لم تكن على صواب، راسما لنفسه صورة البطل القادم من بلاد القلوب الشجاعة، لإعطاء الإضافة التي كان يحلم بها المدرب أنطونيو كونتي، لقيادة ممثل عاصمة البيتزا للتتويج بلقب الكالتشيو للمرة الرابعة في تاريخه، والثانية في آخر 3 سنوات، وفي نهاية المطاف، حصل على المكافأة التي يستحقها، بالظفر بجائزة أفضل لاعب في جنة كرة القدم في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، نظير دوره الكبير في حصول الفريق على اللقب بفارق نقطة العمر عن بطل الموسم الماضي الإنتر. وفي هذا التقرير دعونا نستعرض معا كيف تحول مكتوميني من منبوذ وفائض عن حاجة الشياطين الحمر، إلى ما وصفته وسائل الإعلام الإيطالية والبريطانية بـ«ملك نابولي» الجديد.
مورينيو والصدفة
مع انتهاء موسم 2017-2018، حاول مدرب مانشستر يونايتد السابق جوزيه مورينيو، لفت أنظار الجماهير والصحافيين إلى أحدث اكتشافاته في «أولد ترافورد»، بفاصل من أبيات المدح والإشادة بالصغير آنذاك مكتوميني، وصلت الى حد اختلاق جائزة للمراهق الاسكتلندي في حفل توزيع جوائز الأفضل في النادي، حين انتزع الضحكات بتقديم حامل الشموع لسكوت، كمكافأة أو جائزة «معنوية» لتشجيعه على المضي قدما بنفس الطريقة التي استهل بها مشواره مع الفريق، وبالرغم من أنها تبدو وكأنها رواية طريفة، لكنها تعكس إعجاب وقناعة المدرب البرتغالي بموهبة لاعب الوسط المتعدد الاستخدام والمهام، على عكس كل من تعاقب على تدريب الفريق منذ إقالته بشكل أحادي من تدريب الفريق عشية عيد الميلاد في العام 2018، بداية بصاحب الوجه الطفولي أولي غونار سولشاير، نهاية بالمدرب الهولندي الأصلع، كمؤشر أو علامة واضحة على أن الخلل أو العيب لا يكمن في إمكانيات وقدرات لاعبي اليونايتد، بل في البيئة السامة التي لا تساعد اللاعبين على تقديم أفضل ما لديهم، كما حدث مع المهاجم ماركوس راشفورد، الذي عاد إلى الحياة مرة أخرى، بمجرد خروجه من أسوار «مسرح الأحلام»، معيدا إلى الأذهان النسخة التي كان عليها في بداياته تحت قيادة لويس فان خال، في تجربة إعارته مع المدرب أوناي إيمري في «الفيلا بارك». وبالمثل تحول البرازيلي أنتوني، إلى لاعب من كوكب آخر مع ريال بيتيس، الى درجة أنه ساهم في وصول الفريق إلى المباراة النهائية لكأس المؤتمر الأوروبي، التي خسرها الفريق الأندلسي أمام تشلسي بنتيجة 1-4 منتصف الأسبوع الماضي، قبل أن يأتي الدور على مكتوميني، بانفجار طاقته وموهبته أكثر من أي وقت مضى مع كونتي في ملعب «دييغو أرماندو مارادونا»، كواحد من أبرز المساهمين في التتويج باللقب الرابع، وصاحب المقصية السينمائية التي وضعت الفريق في المقدمة في المباراة الختامية أمام كالياري، كأفضل رد على كل من شكك في إمكانياته وقدراته وشخصيته في تجربته مع اليونايتد. والطريف، أن صفقة انتقال سكوت إلى فقراء الجنوب الإيطالي، جاءت بالصدفة البحتة، أو بالأحرى بعد انفلات أعصاب المدرب كونتي في حديثه مع الصحافيين بعد السقوط المؤلم أمام فيرونا بثلاثية نظيفة في المباراة الافتتاحية لموسم الكالتشيو، وآنذاك شن واحدة من هجماته العنترية على مجلس إدارة النادي بقيادة الرئيس أوريليو دي لورينتس، اعتراضا على إخفاق المسؤولين في إتمام الصفقات المتفق عليها قبل إبرام عقد الشراكة، إلى جانب غضبه الشديد من موافقة النادي على انتقال ماركو بريشيانيني إلى أتالانتا، لتأتي الاستجابة السريعة من قبل المدير الرياضي جيوفاني مانا، بتعويض خروج بريشيانيني، بالتوقيع مع صفقة الموسم سكوت مكتوميني، وسبقه في آخر ساعات الميركاتو، ابن جلدته بيلي غيلمور، الذي كبد الخزينة حوالي 14 مليون بعملة القارة العجوز، نظير شراء عقده من ناديه الإنكليزي السابق برايتون، وحسنا فعل الأخير بتقديم إضافة جيدة لوسط الفريق، خاصة في الأشهر الأخيرة من الموسم. أما القادم من الجزء الأحمر لعاصمة الشمال في إنكلترا، فقد تحول إلى رمز وأيقونة بالنسبة لجماهير نابولي، الى درجة أن باعترافه في أكثر من مقابلة صحافية، لم يعد يستطيع السير بأريحية في شوارع المدينة، بسبب شعبيته الجارفة بين المشجعين والمارة، وذلك منذ أول جولة خارجية للتسوق في إحدى متاجر نابولي، قائلا عن هذه الواقعة في مقابلة موثقة مع صحيفة «غازيتا ديلو سبورت» المحلية: «بعد خروجي من المتجر، وجدت أكثر من 500 شخص في انتظاري في الخارج، لم يسبق لي أن حدث هذا في مسيرتي، لم أصدق أنا وصديقتي هذا الأمر. في كل مرة يراني الناس، يكونون استثنائيين، ويرغبون في التقاط صورة، وأريد أن أرد لهم حبهم الكبير. إنه لأمر رائع»، وهو ما فعله منذ ظهوره الأول بالقميص السماوي، حين تمكن من تسجيل أولى أهدافه بعد مشاركته بثوان كبديل أمام باليرمو في بطولة كوبا إيطاليا، في ما اعتبرها في نفس المقابلة بـ«اللحظة الفارقة» في بدايته مع الفريق في أجواء الكالتشيو المختلفة تماما عن الدوري الإنكليزي الممتاز، قائلا: «كان الأمر بالغ الأهمية بالنسبة لي، فقد رغبتُ بشدة في الانضمام إلى نابولي. كانت التوقعات عاليةً نظرا للإنفاق الكبير، وكنت أرغب في تقديم أفضل ما لدي منذ البداية. أريد أن أكون لاعبا يُقدم كل ما لديه في كل الظروف»، وكما شاهد الجميع، حافظ على العهد حتى آخر ثانية في الموسم.
صفقة مثالية
يرى الكثير من خبراء كرة القدم الإيطالية، أنه لم يكن مستغربا أن يحقق سكوت مكتوميني هذا النجاح تحت قيادة المدرب أنطونيو كونتي، الذي يُجيد تصميم ثنائيات وثلاثيات نارية في وسط الملعب، بتلك الطريقة التي حول بها ثلاثي يوفنتوس سابقا بول بوغبا وأرتورو فيدال وكلاوديو ماركيزيو، إلى ماكينة لا تعرف سوى الفوز، وبالمثل مع نغولو كانتي ونيمانيا ماتيتش مع البلوز تشلسي موسم 2016-2017، وقبل أربع سنوات، لعب نيكولو باريلا، دورا مهما في فوز الإنتر بالكالتشيو مع كونتي، ما يعني بطريقة أو بأخرى، أن هذا المدرب له تأثير كبير على الأداء الفردي والجماعي على لاعبي الوسط، وهذا ما انطبق على سكوت مكتوميني، الذي قضى كل سنواته الماضية في مانشستر يونايتد، كلاعب مهمش في مركز لاعب الوسط رقم (6)، وفي بعض الأحيان في محور قلب الدفاع لتعويض أحد المدافعين، قبل أن ينتشله الميستر كونتي من براثن الضياع، وكانت البداية بقيام المدرب بتغيير تشكيلته بعد وصول البطل الاسكتلندي، مرتكزا على فكرة أن الوافد الجديد يستحق بناء خط وسط حوله، مع منحه الكثير من الحرية والصلاحيات للتقدم إلى الأمام للقيام بأدواره الهجومية، كأنه كان يرى شيئا لم ينتبه إليه كل من أشرف على تدريب اللاعب، أو كما أشار صاحب الشأن، أن وسائل الإعلام البريطانية قامت بتصويره للجماهير بشكل خاطئ، لأسباب تتعلق في المقام الأول لبنيته الجسدية الضخمة، التي تعطي إيحاء للمدربين، بأنه من الأفضل استخدامه في الأدوار الدفاعية سواء في وسط الملعب أو في الخط الخلفي، لكن من حسن حظ سكوت، أنه وجد أخيرا المدرب الذي يُقدر إمكانياته وسر قوته، ليتحول من لاعب وسط تقليدي إلى لاعب شامل في وسط الملعب. لاعب يجمع بين التوازن والهدوء في أدواره الرئيسية في وسط الملعب وبين التطرف الهجومي عندما يتحول إلى لاعب وسط مهاجم، وهذا ما قاله المدرب في مقابلة مع منصة «دازن» في سبتمبر/ أيلول الماضي: «الأهداف تجري في دمه، إنه بارع جدا في التقدم إلى الأمام، إذ يتمتع بالمهارات الفنية الجيدة، بالإضافة إلى لياقته البدنية وطوله، وكما قلت الأهداف في جيناته»، ومع الوقت، أثبتت التجارب أن المدرب كان محقا في رأيه، استنادا إلى أرقام وتأثير لاعبه، الذي بصم على أرقام غير مسبوقة في مسيرته، منها تسجيل خمسة من أهدافه الـ12 خلال ثلاثة انتصارات متتالية في أبريل/ نيسان الحاسم، ما جعله أول اسكتلندي يتم اختياره كأفضل لاعب في الدوري الإيطالي، كأفضل مكافأة بعد نجاحه المذهل في تعويض الفراغ الذي تركه نجم الفريق خفيتشا كفاراتسيخليا بعد انتقاله إلى باريس سان جيرمان في منتصف الموسم، والدليل على ذلك، أن تألق سكوت، جعل جماهير النادي تنسى سريعا رحيل النجم الجورجي، وفي نفس الوقت لا يملك عشاق اليونايتد سوى الندم وعض أصابع الأسى، بعد التفريط بهذه السهولة وبرقم بخس في جوهرتهم المنبوذة التي تحولت إلى قطعة لا تُقدر بثمن في جنوب إيطاليا.