كيف تحوّلت عملية قتل التراث الي حفل دموي لقتل البشر؟
قراءة في اسهامات الكاتب السوري الراحل تركي الربيعو:حسام الدين محمدكيف تحوّلت عملية قتل التراث الي حفل دموي لقتل البشر؟ نعت العديد من وسائل الاعلام والصحافة وفاة تركي علي الربيعو، أحد البحاثة العرب المتميزين، مؤخرا، عن 55 عاما، وعدد من الكتب المهمة، ومئات الأبحاث والمقالات المنشورة في أغلب الدوريات والمجلات والصحف العربية.بعض وسائل الاعلام والمنشورات لم يجد تعريفا يختصر الرجل غير البدوي المثقف ، وهو تعريف كان سيضحك الباحث الراحل، او ربما سيبعث القلق في نفسه، لأنه خصّص جلّ عمره القصير لنفي هذه المقولات المبسّطة وفي اغلب اعماله الفكرية والسياسية خاض حربا ضد القراءات الايديولوجية والاستشراقية (التي تختزل الاسلام مثلا في البداوة، وتختصر البداوة في الخيمة) للواقع العربي لكن يبدو ان اعماله لم تعصمه هو نفسه من هذه القراءة الاستشراقية!ہ ہ ہالبحث الأول الذي قرأته للربيعو كان في بداية التسعينات من القرن الماضي وكان بعنوان الدين في منظور الخطاب الماركسي العربي وقد أثار خضّة عميقة بداخلي لأنه كان ـ بالنسبة لي ـ اول نقد للخطاب الماركسي العربي لا يجيء من ضفّة التهويش والاختلاف الايديولوجي القائم علي المفاضلات والمقارنات الحماسية (كما كانت كثير من النقود القومية او الاسلامية) بل كان قراءة عميقة له علي ضوء العلوم الحديثة (الانثروبولوجيا والابستمولوجيا)، عميقة لدرجة كشفت لي امكانية جديدة لفهم ما استشكل علي اجيال من الماركسيين والحداثيين العرب وجعلهم علي قطبي نقيض من مجتمعاتهم.جوهر هذه القراءة اعتمد علي استقراء جديد للنصوص المقدّسة يختلف جذريا عما كان سائدا في القرنين التاسع عشر والعشرين. امساك الربيعو لهذا الخيط كان رائدا بحقّ، اما قدرته علي استيعاب اغلب ما ينشر في الثقافة العربية واعادة قراءته فكانت شديدة الفائدة، وان حصدت للربيعو عددا كبيرا من المتابعين… والاعداء.لم يكتف الربيعو بالمتابعة البحثية والنقدية لكل ما يستجد في عالم النشر والفكر فقد دخل عالم التأليف مستكشفا آفاقا جديدة في الفكر والتاريخ والسياسة فكان اول كتبه الاسلام وملحمة الخلق والأسطورة 2991 ليتبعه العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الاسلامية 4991 ، ثم من الحجر الي الطين 7991 وليكون له ـ كما يقول فاضل الربيعي ـ الفضل في تأسيس اول مدرسة عربية في مجال الميثولوجيا، هذا العلم الجديد الذي لم يتسن له بعد ان يدخل في مناهج التعليم الجامعي او في مجالات البحث الاكاديمية والفكرية .خلال مرحلة عمله هذه اشتغل الربيعو علي تاريخ وتراث المشرق العربي (بلاد الشام والرافدين) محللا المقومات الاساسية للميثولوجيات التي سادت هذه المنطقة، من خلال تحليل التراث الأسطوري والديني والكتب المقدّسة و النصوص الحافّة (مثل التفاسير القرآنية والتاريخية: الطبري، ابن كثير، القرطبي الخ…).لكنه خلال عمله البحثي هذا كان الربيعو لا يكفّ ابدا عن السجال النقدي الدائم مع ما يسميه احيانا بالعقل التعليلي والاستشراقي (في نسخته السائدة بين المثقفين العرب)، وأحد الامثلة التي أثارت اعجابي علي ذلك هو بحثه المنشور في العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الاسلامية : حور الجنان في الميثولوجيا الاسلامية ، حيث يستشهد بميشيل فوكو في نقده للجنسانية المسيحية التي لا تمتلك فنا شبقيا مقارنا بينها وبين الحضارات الكبري ومنها الحضارة العربية الاسلامية، التي كانت تمتلك خطابا صريحا حول الجنس والذي صار كما يقول الربيعو يثير حيرة المثقف العربي ولا مبالاته وخجله من نفسه امام الآخر .هذا الاحراج ادي الي قيام المثقف الاستشراقي العربي الي اعتبار الجانب الابداعي والفني في التراث العربي الاسلامي ضربا من سيكولوجيا مرضية ومنحرفة ، ومثال الربيعو علي ذلك هو عزيز العظمة الذي اعتبر اخبار الحور في الجنة بنات فكر وتصور مخيلة اغتصابية الأمر الذي يراه الربيعو اضمارا للسؤال الاستشراقي وتربعا للثقافة الاغريقية/اللاتينية/المسيحية في تلافيف دماغ المثقف العربي المعاصر والذي هو ناتج ثقافة اوروبية عرقية ومتمركزة علي الذات .ويعزو الربيعو ذلك لغياب المثقف العربي المعاصر عن الانجازات الحديثة في مجال العلوم الانسانية وعن الجهد التنظيري الكبير في هذا المجال، مستنتجا في نهاية بحثه هذا ان صور الكواعب الاتراب في القرآن تنتمي الي الفن، وبانها شاهد علي مخيلة فنية غنية بالافكار الخالدة ولكن المكبوتة، اي ميثولوجيا جديرة بالبحث عن قوانينها وقيمها الخاصة لا ان نلقيها في سلة المهملات تحت وطأة تهديد عصا حارس الثقافة الاخري .اشتبكت مناقشات الربيعو مع نصوص اغلب المثقفين العرب بدءا من عبدالله العروي مرورا بصادق جلال العظم، هشام جعيط، ياسين الحافظ، مصطفي حجازي، محمد عابد الجابري، جورج طرابيشي، حسن حنفي الخ…بحث الصوفي يهزم الفيلسوف؟ ، يمكن ان يقدّم تلخيصا عن اشتغالات الربيعو الفكرية حيث جمع فيه بين عدّته العلمية المتخصصة بالميثولوجيا وبين انتقاده لتجليات الخطاب العربي المعاصر كما ظهر في مشروع محمد عابد الجابري.في قراءته تلك توصل الربيعو الي ان الجابري يري ان خلاصنا كامن في نفي اللامعقول في ثقافتنا نفيا نهائيا. محاججة الربيعو للجابري بالمقابل تقوم علي ان المطلوب هو عقل اللامعقول وفهمه وليس اقصاءه ولأجل ذلك قام الكاتب الراحل بمناقشة مفاهيم السحر والاسطورة.اوضح الربيعو ان الاسطورة هي تاريخ مقدس مهمته الربط بين الانسان والمقدس مما يطرح سؤالا مهما: ما هو موقع المقدس والدنيوي في تاريخ البشرية، وهل يجوز الاحتكام الي التجربة الاوروبية وحدها في علاقتها بالمقدس وسعيها، في آن واحد، الي محاصرة الاله وموته، كما اعلن نيتشه، ومن بعد السعي الي محاصرة المقدس وتجلياته قاطبة؟ ، ناسبا منهجية الجابري الي أنوية (من الأنا) حضارية تتحكم في الخطاب العقلاني الحديث فارضة رؤيتها السلفية الي تعود لعقلانية القرن 91 لا الي عقلانية الثث الاخير من القرن العشرين.اعتمادا علي عدد مهم من الباحثين مثل ليفي شتراوس ومرسيا الياد يوضح الربيعو ان الاسطورة لم تمت ولكنها تتخفي فـ أساطير الانسان الحديث هي ميثولوجيات مموهة في المشاهد التي يحبها والكتب التي يقرأها، فالسينما تتناول ما لا حصر له من الموضوعات الميثولوجية: الصراع بين البطل والهولة، القتال والتجارب الاستسرارية، الاشخاص والصور النموذجية . التفكير الاسطوري ملازم للعقل البشري. وبالتالي فان التفكير الاسطوري ليس سمة تسم الانسان البدائي وليس حكرا علي مجتمع دون آخر كما حاول الجابري ان يظهر لنا في قراءته المؤدلجة للموروث، المنحازة تماما للمشروع الثقافي الغربي . كل كائن بشري، يلخص الربيعو مستندا الي مرسيا الياد، مكوّن في الوقت نفسه، من فاعليته الواعية واختباراته غير العقلانية .ہ ہ ہاعتبر البعض كتب الربيعو السياسية مثل ازمة الخطاب التقدمي العربي 5991 ، خيارات المثقف 8991 ، و نقد الخطاب النهضوي المعاصر، 0002 ، و المحاكمة والارهاب، عقلية التخوين في الخطاب العربي المعاصر، 1002 ، مرحلة مختلفة عن المرحلة التي اشتغلت علي اساطير المنطقة وميثولوجياتها، ولكنني أري ان ذلك خطأ يعبّر عن عدم استيعاب السياق الفكري العام للكاتب الراحل، فأعمال الربيعو السياسية والفكرية ليست الا وجها آخر من وجوه العمل علي الميثولوجيا وتجلّياتها في الخطاب العربي والاسلامي المعاصر، بل ان آخر كتبه (بالاشتراك مع فاضل الربيعي) الذي لم يصدر بعد يحمل العنوان البليغ التالي: الميثولوجيا والسياسة في الوطن العربي .وهو أمر ينبّهنا الي مسألة فكرية معقّدة استغرقت من تركي الربيعو رحلة ربع قرن من الجهد البحثي والمعرفي. هذه القضية تبدو علي شكل ثنائيات متناقضة ومتنافرة: الأسطورة والواقع، الايديولوجيا والوعي، المقدّس والمدنس، الأخروي والدنيوي، وعلي المستوي السياسي العربي: العلماني والاسلامي، البعث والاخوان، فتح وحماس الخ…بين هذين الطرفين المتباعدين تفغر هوّة هائلة من التناقضات اللامعقولة التي لم يستطع الواقع الفكري والسياسي العربي ان يلأمها ويصالح بينها.السبب يعود بحسب الربيعو الي محاولة كل طرف لنفي الطرف الآخر، محاولة عبثية تحوّلت الي حفل دموي ليس له آخر نشهد فصوله في العراق وفلسطين والصومال ولبنان ومصر والجزائر والمغرب الخ…اقصاء اللامعقول عن ثقافتنا (والثقافة الانسانية عموما) هو امر لا معقول وغير ممكن واقعيا، بل هو في اعتقادي سبب من اسباب تفجّر واتساع مدي تأثير هذا اللامعقول.او لنقل ان كل محاولة لدفن الصوفي ستؤدي لدفن الفيلسوف، وكل محاولة لقتل محمّد ستقضي علي أي أمل لماركس، وبالنتيجة كل محاولة لقتل الله ستؤدي لقتل الانسان نفسه.وهو ما يذكّرني بمقولة ذكرها رسول حمزاتوف في كتابه داغستان بلدي حيث قال: اذا اطلقت الرصاص علي الماضي فسيطلق المستقبل مدافعه عليك!هذا الدرس البحثي الهائل الذي خاض الربيعو غماره (وتوفّي باكرا قبل ان ينهيه) لا اعتقد انه ترك أثره الفاعل علي ثقافتنا…. أم لعله ترك؟ہ ناقد من أسرة القدس العربي [email protected]ـ في بحث له أشار الي الطبيعة الايديولوجية الزائفة لفكرة ربط مثالب مجتمع ما بكونه قبليا وعشائريا دون قراءة حقيقية للنظم القبلية والمنطق الذي يسودها، ومن جهة أخري فقد اشتغل علي كشف ان اغلب التعبيرات السياسية العربية من احزاب وتيّارات لم تجتمع وتنقسم الا علي هذه الاساسات القبلية والعشائرية وغيرها من التقسيمات بما يدلّ علي تجذّر هذه البني من جهة وركاكة ادعاءات الحداثة الايديولوجية للاحزاب، وفي نقد للبني الحديثة مقارنة بالبني القديمة اشار الربيعو في بحث نشر له مؤخرا الي ان العلاقات العشائرية العربية ـ الكردية كانت جيدة علي عكس العلاقات بين النخب العربية والكردية لاحقا…. ولا اريد هنا أن اصوغ حكم قيمة بأن الكاتب كان منافحا عن النظم القبلية ضد النظم المدنية، لكنني اردت الاشارة الي عمله ضد التفكير المبسّط والتنميطي.0