المطار في عوفدا يعج بالحياة في أشهر الشتاء في السنوات الأخيرة: مسافرون من دول أوروبا الباردة يصلون في رحلات جوية لشركات الأسعار المنخفضة التي تنزل أسعارها أحياناً إلى بضع عشرات اليوروهات في كل اتجاه ـ ولكن إلى أين يذهبون بعد أن ينزلوا من الطائرة؟ من معطيات اتحاد الفنادق التي نشرت أمس يتبين أن الكثيرين منهم لا يصلون إلى إيلات على الإطلاق، بل يواصلون طريقهم إلى أماكن أخرى، رخيصة أكثر.
مفهوم أنه لا يمكن إجبار السياح الذين يهبطون في عوفدا على السفر إلى إيلات أو إلى المبيت فيها، ولكن حقيقة أن دافع الضرائب الإسرائيلي يشارك في تمويل وصول السياح إلى إسرائيل تمنح أهمية هائلة للسؤال ما الذي تساهم به هذه في اقتصاد إيلات بشكل خاص والدولة بشكل عام.
وفقاً لنظام الدعم الذي قررته وزارة السياحة في 2015، في أعقاب الانخفاض الهائل في السياحة الوافدة بعد حملة الجرف الصامد، تحصل شركات الطيران على 60 يورو عن كل مسافر يأتي إلى مطار عوفدا في أشهر الشتاء. وتتلقى شركات الطيران المال حتى لو كان المسافرون إسرائيليين يعودون من الخارج ويستغلون أسعار الرحلات الجوية المتدنية إلى إيلات أو إذا كانوا سياحاً لا يبقون في إسرائيل.
كيف حصل هذا؟ وزارة السياحة واتحاد الفنادق في إيلات أرادوا لشركة راين اير، التي لم توافق في تلك السنوات على الطيران إلى إسرائيل، أن تفتح خطوط طيران إلى إيلات. ولأجل تشجيعها على ذلك، كانوا مستعدين لأن يدفعوا. وكانت المشكلة أن «راين اير» لم توافق على تلقي الدفعات لقاء السياح الذين يبقون للمبيت في إيلات، لأنها لا تبيع رزم استجمام بل رحلات طيران فقط. كما لم ترغب الشركة في أن تنشغل بمسألة إذا كان المسافر الذي يطير معها هو إسرائيلي أم سائح. وبالتالي اشترطت «راين اير» وصولها إلى دفع المنحة لكل مسافر ـ بلا شروط. فقُبل طلبها. وكذا شركات الطيران الأخرى التي تهبط في عوفدا تتمتع بهذا التسيد أيضاً.
لا يمكن الجدال مع نجاح هذا الإجراء من ناحية شركات الطيران: ففي 2015 هبط في عوفدا 33.6 ألف مسافر، وفي 2016 ضاعف العدد ذاته إلى 68 ألف مسافر. في 2017 كان 110.1 ألف مسافر هبطوا في عوفدا، بينما في 2018 وصل إلى المطار الجنوب 156.8 ألف مسافر.
ولكن يجب أن نتذكر بأن الهدف الأصلي لهذا الإجراء كان إنعاش السياحة الوافدة إلى إيلات في أشهر الشتاء. أما إذا كان الكثير من السياح في نهاية الأمر لا يصلون إلى المدينة ـ بل إن الإسرائيليين قفزوا على اللقية الجنوبية الرخيصة ـ فعلى وزارة السياحة أن تسأل نفسها إذا كان تقديم المنح لا يزال ناجعاً.
الكثير من السياح يصلون وأكثرهم يغادرون
وفقاً لمعطيات اتحاد الفنادق، فإن عدد منامات السياح في كانون الثاني 2019 في الفنادق في إيلات كان 77 ألفاً، انخفاض بمعدل 12 في المئة مقارنة بكانون الثاني 2018. هذا المعطى مفاجئ، إذ في ذات الشهر بدأ صعود بمعدل 35 في المئة في عدد حركات المسافرين (الهبوط والإقلاع) في مطار عوفدا، مع 71.160 حركة مسافرين للسياح والإسرائيليين.
هكذا مثلاً، من أصل حركات المسافرين في مطار عوفدا في كانون الثاني/يناير 33.2 ألفاً كانوا مسافرين هابطين، والمعنى هو أن على وزارة السياحة أن تحول إلى شركات الطيران نحو 2 مليون يورو لقاء نشاطها في مطار عوفدا في هذا الشهر. وذلك رغم أن معطيات المنامات لدى اتحاد الفنادق تبين أن الكثير من الهابطين في عوفدا لن يناموا على الإطلاق في إيلات.
إن الفرق بين الارتفاع الكبير في عدد السياح الذين يهبطون في عوفدا والارتفاع في عدد منامات السياح من سنة إلى سنة برز أيضاً في كانون الأول/ديسمبر 2018، مع 86.8 ألف منامة سياحة في الفنادق في إيلات، ارتفاع طفيف بمعدل 1 في المئة مقارنة بكانون الأول/ديسمبر 2017.
في ذاك الشهر سجل رقم قياسي في عوفدا، حين مر فيه 66 ألف مسافر، يشكلون ارتفاعاً بمعدل 27.2 في المئة مقابل الشهر الموازي في 2017.
إن الرابح الأكبر من هذا الدعم الحكومي هو «راين اير» التي هي اليوم الشركة الأكثر نشاطاً في مطار عوفدا.
بعد الشتاء الماضي، فهم اتحاد الفنادق في إيلات بأن ترقب السياح الذين يهبطون في عوفدا بأن يأتوا إليهم لن يتحقق قريباً. ففي السنوات الثلاثة الأخيرة مولوا 15 يورو لكل مسافر من أصل 60 يورو تلقتها شركات الطيران من وزارة السياحة. ولكن هذه السنة خرجوا من الصورة وبدأوا يعززون المنتج السياحي لإيلات من خلال الدعم للاستعراضات والمناسبات مثل الأوبيرا.
ليلة واحدة في إيلات ـــــ ست ليال في مصر
في تقرير بثته قناة كان 11 في الأسبوع الماضي، اقتبس عن سائح سلوفاكي يدعى جيرالد قال: «نحن لسنا أغنياء جداً لنسمح لأنفسنا بفندق خمسة نجوم في إيلات، ولكن يمكننا أن نسمح لأنفسنا بفندق خمسة نجوم في مصر». وروى جيرالد أنه وصل إلى إيلات وسيبقى فيها ليلة واحدة فقط ـ مقابل ست ليال في مصر.
لا يوجد سبيل لأن نعرف بدقة كم من السياح الذين يهبطون في عوفدا يقضون إجازتهم في الدول المجاورة.
في وزارة السياحة يدعون بأنه حسب المعطيات التي وصلت من سلطة السكان والهجرة، فإن 13 في المئة من السياح الذين هبطوا في عوفدا في 2018 سافروا في اليوم ذاته إلى طابا أو العقبة.
ولكن هذه المعطيات لا تروي بالضرورة كامل القصة، لأن هناك سياحاً يقضون ليلة واحدة في إسرائيل ـ وعندها فقط يجتازون الحدود.
ويقول امير هليفي، مدير عام وزارة السياحة، إن «على الدولة أن تقرر في ميزانية 2020 إذا كانت ستواصل هذه المنح. فقد استثمر 1.8 مليار شيكل في بناء مطار جديد في الجنوب (مطار رامون) وإيلات تقف أمام هزة كبرى من حيث إغلاق مطار دوف، مما سيجلب الخراب على المدينة. بعد قليل ستتعرض إيلات إلى هزة أخرى مع إغلاق المطار في المدينة نفسها ـ وعليه فإن الجواب واضح».
رينا روزنبرغ كندل
هآرتس/ذي ماركر 25/2/2019