لندن ـ «القدس العربي»: تسابق العديد من الأندية الأوروبية الكبرى الزمن، للعثور على مهاجم من الطراز العالمي قبل أن يُسدل الستار على سوق انتقالات اللاعبين الصيفية الحالية، وذلك في الوقت يشهد فيه الميركاتو، ندرة غير مسبوقة على مستوى رؤوس الحربة، أو ما يُعرفون بلغة كرة القدم مهاجمين رقم 9، إما لتمسك بعض الأندية بجواهرها النادرة، وإما لمبالغة البعض الآخر في الشروط المادية، الأمر الذي تسبب بشكل أو بآخر في هذا الركود العظيم على مستوى سوق المهاجمين في القارة العجوز.
بصمة الفيلسوف
ولغز مبابي
بصرف النظر عن الصفقات السعودية المدوية، التي هزت الأرض تحت أقدام عمالقة وأثرياء الدوريات الأوروبية الكبرى، فهناك أسباب أخرى أدت إلى تأخر جُل الكبار في تدعيم صفوفهم بمهاجم صندوق أو هداف أو جلاد أو قل ما شئت من هذا القبيل، منها تعاظم قيمة ودور هذا المركز، بعد نجاح الفيلسوف بيب غوارديولا، في إعادة اكتشاف هذا المركز، بالدروس المجانية التي أعطاها للجميع في كيفية استغلال وجود ماكينة أهداف في الفريق مثل إيرلنغ هالاند، الذي أثبت بشكل عملي، أنه كان بمثابة القطعة النادرة، التي ظل يبحث عنها سنوات حتى يكرر إنجازه القديم مع برشلونة، بتحقيق ثاني ثلاثية في تاريخه (دوري أبطال أوروبا، البريميرليغ وكأس إنكلترا)، وأول ثلاثية إنكليزية منذ أن فعلها شيخ المدربين سير أليكس فيرغسون مع مانشستر يونايتد في نهاية القرن الماضي، وهذا ساهم بصورة مباشرة في رواج أسعار المهاجمين، كما كان وضعهم قبل التأرجح الأخير أمام موضة توحش أسعار المدافعين وحراس المرمى في السنوات الماضية.
وبالنسبة لصحيفة «ماركا»، فإن ما فعله كيليان مبابي هذا الصيف، ساهم بشكل مباشر في تجميد حركة انتقالات المهاجمين في الدوريات الأوروبية، نظرا لما سيترتب على قراره النهائي بشأن مستقبله الموسم المقبل، سواء نجح في تمرير خطته الماكرة، بإبقاء وضعه الحالي مع باريس سان جيرمان على ما هو عليه حتى موعد غلق النافذة الصيفية، حتى يضرب عصفورين بحجر، يضمن الحصول على مكافأة الولاء من النادي الباريسي، بالإضافة إلى مكافأة التوقيع المجاني من ناديه الجديد، أو تمت صفقة انتقاله إلى ريال مدريد في الأمتار الأخيرة، منها موقف الريال وما سيفعله الرئيس فلورنتينو بيريز إذا وصلت المفاوضات مع نظيره الباريسي ناصر الخليفي إلى طريق مسدود، وهو السيناريو الذي تنتظره الأندية الأخرى الطامعة في الصفقة، وقبلهم الأندية التي تملك البدائل المحتملة للمدمر مبابي في «سانتياغو بيرنابيو»، وما أكثرهم سواء في جنة كرة القدم الإيطالية أو الدوري الإنكليزي الممتاز.
معضلة ريال مدريد
لا يُخفى على الصغير قبل الكبير في ضواحي مدريد، أن المدرب كارلو أنشيلوتي، ما زال في أشد الحاجة لمهاجم جديد، بالمواصفات المتعارف عليها بالنسبة للمتحدث الرسمي باسم خط هجوم النادي الميرينغي، أو على أقل تقدير بديل على نفس مستوى القائد السابق كريم بنزيمة، وذلك بطبيعة الحال لصعوبة الوثوق في خوسيلو على مدار الموسم، لكن في الوقت ذاته، يواجه الرئيس فلورنتينو بيريز، معضلة من النوع المعقد، تكمن في تبعات التضحيات المادية المطلوبة لإطلاق سراح مبابي من «حديقة الأمراء»، وذلك بعد إنفاق ما يلامس الـ150 مليون يورو هذا الصيف، لشراء الدولي الإنكليزي جود بيلنغهام من بوروسيا دورتموند، وأردا غولر من بيشكتاش، وفران غارسيا من رايو فاييكانو واستعارة خوسيلو من إسبانيول، ومعروف أن النادي توقف عن سياسة الإنفاق ببذخ، منذ فشل محاولة تعويض الأسطورة كريستيانو رونالدو، بضخ نصف مليار يورو في أول موسمين بعد رحيله، منها 115 مليوناً في أسوأ صفقة في تاريخ النادي إيدين هازارد، لضمه من تشلسي في صيف 2019، و63 مليونا لشراء لوكا يوفيتش من آينتراخت فرانكفورت، وقبلها 21 مليون لإعادة المنبوذ ماريانو دياز، وفوق ما سبق، هبطت كارثة جديدة فوق رأس المدرب كارلو أنشيلوتي، بتعرض أفضل حارس مرمى في العالم تيبو كورتوا، لإصابة مروعة بقطع في الرباط الصليبي، على إثرها يمكن القول إن موسمه قد انتهى قبل أن يبدأ، وهذا يعني أن الإدارة ستضطر لتغيير الإستراتيجية الصيفية، بتخصيص جزء من الميزانية المتبقية للتوقيع مع حارس عالمي ولو على سبيل الإعارة، لتعويض الفراغ الكبير الذي سيتركه الاخطبوط البلجيكي، وأيضا لقلة خبرة البدلاء أندري لونين والعشريني الآخر لوكاس كانيزاريس.
دائرة ضيقة
بعيدا عن مبابي وغونسالو راموس المنتقل حديثا إلى باريس سان جيرمان، فيبدو واضحا وضوح الشمس في ظهيرة أغسطس/ آب، أن الخيارات المتاحة في السوق بالنسبة للمهاجمين، بالكاد تُعد على أصابع اليد الواحدة، لكن في المقابل، هناك قائمة طويلة من الأندية الكبيرة تعاني من نقص حاد في مركز المهاجم رقم 9، وأخرى تبحث عن دماء جديدة، لعل أبرز الأمثلة بعد ريال مدريد، زعيم الألمان بايرن ميونيخ، الذي ما زال متأثرا برحيل جلاده البولندي روبرت ليفاندوسكي. وما ضاعف الأزمة في الآونة الأخيرة، خروج ساديو ماني، لفشله الذريع في الظهور بنفس النسخة الهوليوودية التي كان عليها تحت قيادة يورغن كلوب في ليفربول، ومع ذلك، لم تفلح محاولات الإدارة لتحقيق الهدف المطلوب، بالتوقيع مع قائد المنتخب الإنكليزي هاري كاين، ليخلص المدرب توماس توخيل من كابوس الفراغ الكبير الذي تركه ليفا العام الماضي، وذلك لتباعد المسافات بين مسؤولي البايرن ونظرائهم في توتنهام، في ما يخص السعر النهائي للصفقة، رغم ضعف موقف الديوك، بدخول أمير لندن في موسمه الأخير في عقده مع النادي، الأمر الذي جعل النادي البافاري يفكر في خيارات أخرى من القائمة المحدودة المعروضة، والإشارة إلى المهاجم الصربي دوشان فلاهوفيتش، بعد تعثر مفاوضات يوفنتوس وتشلسي، لإبرام صفقة تبادلية، بموجبها كان سيذهب مهاجم فيورنتينا السابق إلى «ستامفورد بريدج»، على أن يعود الدبابة البلجيكية روميلو لوكاكو إلى السيريا آه عبر بوابة «يوفنتوس آرينا»، بعد تراجع إنتر عن فكرة استعادته بصورة نهائية بعد انتهاء فترة الإعارة.
أيضا تشلسي، الذي أنفق ما يزيد على 200 مليون يورو هذا الصيف، ما زال يبحث عن نهاية للعنة القميص رقم 9، وحل لإشكالية سوء طالع النادي مع جُل المهاجمين الذين تعاقبوا على البلوز منذ رحيل الأسطورة ديدييه دروغبا، خاصة بعد الضربة الموجعة التي تعرض لها المدرب ماوريسيو بوتشيتينو، بخروج الوافد الجديد كريستوفر نكونكو من الحسابات لفترة ليست بالقصيرة، بداعي الإصابة التي أجبرته على الخضوع لعملية جراحية على مستوى الركبة، وهو ما فتح المجال لإحياء الاشاعات حول إمكانية ضم هداف الدوري الإيطالي فيكتور أوسيمين، بعد تعثر المحاولة الأولى، لعدم التوصل إلى اتفاق مع رئيس نابولي أوريليو دي لورينتيس حول رسوم التحويل. حتى آرسنال لم يسلم من هذه العدوى، بعد الإصابة المقلقة التي تعرض لها غابرييل جيزوس في ختام جولة الاستعداد للموسم الجديد، وعلى إثرها غاب عن مواجهة مانشستر سيتي في افتتاحية الدرع الاجتماعية. أما مانشستر يونايتد، فظفر بتوقيع الدنماركي راسموس هويلند، مقابل حصول ناديه السابق أتالانتا على حوالي 64 مليون يورو، على أمل أن يحل عقدة الشياطين الحمر مع مركز رأس الحربة، ويعطي الإضافة التي يبحث عنها المدرب إيريك تين هاغ في الثلث الأخير من الملعب برفقة ماركوس راشفورد وأنتوني والموهوبة الأرجنتينية الصاعدة أليخاندرو غارناتشو، بينما باقي الكبار في البريميرليغ والدوريات الكبرى، فلا يظهرون أي رغبة أو استعداد للتخلي عن المهاجمين المطلوبين في السوق، لصعوبة العثور على بديل بنفس الجودة والكفاءة في ظل ندرة المهاجمين المتاحين في الميركاتو، بجانب انتظار وترقب الأندية المتحكمة في حركة انتقالات المهاجمين ما سيحدث مع مبابي في نهاية نزاعه مع باريس سان جيرمان.