كيف تصبح إبادة الفلسطيني ظرفاً شخصياً ولعبة انتخابية ومطلباً جينياً لدى الإسرائيليين!

حجم الخط
0

أسلوب التعبير لعوفر كسيف لن يثنيني عن التصويت مرة أخرى للقائمة المشتركة، كما أنه لم يزعج المحادثات الودية بيننا في الماضي، لكن هناك أمراً واحداً لا يمكنني اعتباره ثورة غضب في الـ«فيسبوك»: السهولة التي قرر كسيف أنه تجري هنا إبادة شعب أو إبادة شعب زاحفة، وبعد ذلك السهولة التي تنازل فيها عن هذه الأقوال، وقال لمن أجرت معه المقابلة، رفيت هيخت: «هل تعرفين، اتركي (إبادة شعب)، فهنا تطهير عرقي» («ملحق هآرتس»، 8/2). إذا كانت هنا إبادة شعب، زاحفة أم لا، فهذا أمر لا يتم تركه، لا في مقابل ولا في الحياة الخاصة والعامة. هذا ليس أمراً نقرر يوم إجراءه ومن ثم وبسبب تغير الظروف الشخصية (الانتخاب كممثل اليهود في قائمة حداش) نتنازل عنه. هذه رخاصة التطرف.
من السهل عليّ التماهي مع الفظاظة والاستفزاز الموجود في تصريحات كسيف في الماضي، فهي تدل على أنه مل من محاولة إقناع اليهود في إسرائيل بمعارضة سيطرتنا على الفلسطينيينمحاولة كانت أحد أهداف «حداش» منذ إقامته، المحاولة فشلت، لكن عبء الإثبات لا يقع على حداش أو كسيف، بل على المجتمع اليهودي. الفلسطينيون في جيوبهم (أيضاً في القرى الفلسطينية المخنوقة في إسرائيل، بعد أن صودرت كل أراضيها) لا يهمون المجتمع اليهودي.
إذا كان كسيف قد فقد كل أمل في احتمالية العمل في المجتمع الإسرائيلي، كان يجب عليه عدم الترشح للكنيست، وربما حتى عدم مواصلة التعليم في إسرائيل. كثيرون منا في اليسار يعيشون هذا التناقض: بين الاعتراف المؤلم بأن الجمهور اليهودي يحث الخطى نحو اليمين لأن هذا مجدٍ له مادياً ومعنوياً، وبين محاولة الاستمرار في طرح معلومات وفهم ربما تنجح في خرق السور الوطني المتطرف.
رجال اليمين يستطيعون رمي شعار واحد يكون يفهمه سامعوهم على الفور، ويتم ضمه إلى المجموعة المعتادة من الأكاذيب والصور النمطية التي يقصفوننا بها من كل اتجاه. خلافاً لهم، نحن في اليسار بحاجة إلى كثير من الكلمات كي نفكك الصورة الكاذبة واعتراض الأكاذيب والطرق لإخفاء المعلومات. هذا صحيح بخصوص المراسلين الذين بيننا، وصحيح أيضاً بالنسبة للسياسيين من اليسار.
«إبادة شعب» هي إبادة مقصودة أو تقليص عددي تدميري لمجموعة عرقية كاملة. «إبادة شعب» ليست التي نفذت ضد اليهود. قتل الشعوب كان جزءاً من الـ دي.ان.ايه لكل نظام كولونيالي استيطاني. هذه هي اللحظة التي وقف فيها السكان الأصليون في دولة معينة عاجزين تماماً أمام مخططات الغازي للتوسع والسيطرة على مواردهم وأراضيهم، وأمام تفوقه العسكري ووحشيته وعنصريته. إسرائيل تثبت كل يوم بأنه صدق من قال من بداية القرن الماضي إن المشروع الصهيوني هو كولونيالي واستيطاني. التفسير بأن النازية وتداعياتها التي دفعت إلى البلاد كتلة حاسمة من اليهود الذين لم يكونوا صهاينة قبل ذلك، تفقد مع مرور السنين قيمتها. إسرائيل رفضت تماماً الفرصة التي منحها إياها الفلسطينيون في اتفاق أوسلووقف توسعها الاستيطاني ووقف تطور عقلية شعب السادة. في الـ دي.ان.ايه للكولونيالية اليهودية ليس هناك إبادة شعب، بل طرد جماعي للفلسطينيين من وطنهم ومن بيوتهم (أنا أمتنع عن التعريف الدارج «تطهير عرقي» لأنه يستند إلى مفهوم الاستقواء للغازي: «تطهير» من خلال تشويه المعنى الإيجابي لهذا المفهوم). الجيوب الفلسطينية المنسية التي خلقتها إسرائيل على جانبي الخط الأخضر هي تسوية بين الرغبات نصف الخفية لإخلاء البلاد من سكانها الفلسطينيين وبين الاعتراف بأن هذا الأمر غير ممكن لأسباب جيوسياسية. في إسرائيل يتعزز معسكر اليمين، المسيحاني والاستيطاني، الذي يعتقد أن هذا الأمر ممكن أو يجب تحويله إلى أمر ممكن. دورنا في اليسار ليس التنافس على التطرف اللفظي أو النقاش حول المستقبل: هل سيكون هناك طرد جماعي آخر، هل سيتطور إلى قتل جماعي. دورنا هو إحباط هذا السيناريو المقيت.
إسرائيل فككت المجتمع الفلسطيني على جانبي الخط الأخضر إلى عدة أجزاء، وضد كل واحد منها تمارس سياسة مختلفة من القمع والتدمير المادي والنفسي. كل هذا كجزء من خطتها لإلغاء وجود الفلسطينيين كجماعة. رغم قياداتهم الفاشلة، إلا أن الفلسطينيين يشعرون كجماعة ويبحثون عن طرق جديدة للتعبير عن ذلك. لا يجب علينا الذهاب بعيداً حتى مفهوم «إبادة شعب» من أجل القول إن نسب الفقر المرتفعة في أوساط الفلسطينيين، مواطني إسرائيل، هي نتيجة سياسات، وأن إسرائيل خلقت في قطاع غزة بشكل وحشي ومحسوب ظروف حياة لا تحتمل وجبالاً من الكوارث للبيئة والصحة الجسدية والنفسية لمليوني شخص، ولكن الفلسطينيين لم يختفوا، وهم يواصلون التكاثر حتى تحت سياسة التدمير الإسرائيلية. هم أيضاً ليسوا مفعولاً به، بل هم الفاعل أيضاً. وشروط كوارث جهاز الصحة هي أيضاً من نصيب ملايين بني البشر-فلاحين وعمالاً وشعوباً أصليةفي دول أخرى كثيرة في العالم. يجدر بنا، نحن اليسار، أن نحلل ونكشف الأهداف السياسية وتوازنات الربح التي تقف خلف هذه الجرائم المنهجيةتحليلات ستكون سارية المفعول قبل وبعد الدخول إلى الكنيست.

عميره هاس
هآرتس 10/2/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية