كيف تفاجأ الغرب بتطورات الوضع السياسي في الجزائر وكيف يبحث عن حل وسط

حسين مجدوبي
حجم الخط
0


مدريد-“القدس العربي”:في التقرير الذي قدمه دانييل كواتس منسق الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية أمام لجنة الكونغرس المكلفة بمصالح الولايات المتحدة في العالم الشهر الماضي، لم يشر في الصفحات المخصصة إلى الشرق الأوسط وشمال افريقيا إلى احتمال وقوع تطورات مفاجئة في الجزائر نهائيا. وهذا يعني غياب التكهن بما يجري حاليا، علما أن واشنطن وباقي العواصم الدولية كانت قلقة في انتخابات 2013 إلى مستوى إرسال قوات مارينز إلى اسبانيا استعدادا للتدخل لسحب المواطنين الغربيين إذا اقتضى الحال.

وتعيش الجزائر وضعا سياسيا استثنائيا بسبب تظاهرات المواطنين ضد العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، حيث تشكل هذه التظاهرات مفاجأة من العيار الثقيل سياسيا أشبه بالمفاجأة التي شكلها الربيع العربي. وعمليا، بدأ المحللون يتحدثون عن عودة الربيع العربي من جديد. وتذهب الصحافة الغربية إلى تشبيه ما تبقى لبوتفليقة في الحكم رفقة طبقته السياسية بما عاشه الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك قبل الإطاحة به.

وحتى الشهور القليلة الماضية بل الأسابيع القليلة الماضية لم تتسرب أخبار من مختلف عواصم أوروبا تبدي قلقا من الجزائر بسبب غياب تكهن بما يجري. في الوقت نفسه، مراكز التفكير الاستراتيجي في الغرب، التي تعتبر البعض منها واجهة لبعض وزارات الدفاع والاستخبارات، لم تصدر دراسات حول مستقبل الجزائر، ولم ينكب خبراؤها على الوضع الجزائري. وتقع المفاجأة الكبرى التي تهدد بعودة الربيع العربي لاسيما أن معظم الدول العربية تعيش توترا سياسيا واجتماعيا خطيرا.

ويعود غياب الاستشعار الغربي بما يجري في الجزائر إلى عوامل متعددة بعضها مرتبط بالوضع الداخلي للجزائر وآخر بالوضع الخارجي، وهي:

-عند اندلاع الربيع العربي كان الرئيس بوتفليقة يتمتع بصحة مقبولة، يحضر الاجتماعات ويستقبل المسؤولين المحليين والأجانب كما كان يزور مختلف مناطق البلاد.

-وفي عامل آخر مهم، سارعت الدولة الجزائرية إلى استثمار ميزانيات ضخمة لشراء السلم الاجتماعي من خلال تمويل مشاريع للشباب وتعميم المنح الدراسية ومنح مساعدات والسكن الاجتماعي بما في ذلك للطبقة المتوسطة.

-ويتجلى عامل آخر في وعي الشعب الجزائري الذي أراد تجنيب البلاد سيناريو العشرية السوداء التي كانت في التسعينات حربا أهلية غير معلنة خلفت مقتل ما يقارب 300 ألف شخص، لهذا كانت التظاهرات لصالح الربيع العربي لا تتعدى المئات بدل مئات الآلاف أو الملايين الحالية ضد العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة.

-وهناك معطى جيوسياسي هام إبان الربيع العربي، لقد اعتقدت روسيا في مخططات غربية لتغيير الحكم في الجزائر إبان الربيع العربي. وتخوفت من سيناريو شبيه بالليبي، أي عودة اندلاع حرب أهلية. وللحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في الجزائر، قامت موسكو بتزويد الجيش الجزائري بمعدات عسكرية لم يسبق أن باعتها وقتها لأي بلد بما فيها الصين. وزودت الجزائر بمنظومة الدفاع الصاروخي إس 400 لمواجهة الطيران الأجنبي، كما زودتها بالصواريخ ألكسندر المتعددة المهام. وكانت موسكو قد أقدمت على هذه الخطوة بعدما أرسل البنتاغون قوات خاصة من المارينز إلى جنوب اسبانيا قبل الانتخابات الرئاسية لسنة 2013، وقيل وقتها أنها للتدخل في ليبيا، لكن في الواقع كانت تحسبا للتدخل في الجزائر لإجلاء المواطنين الأجانب، بحكم أن المارينز المتمركز في إيطاليا هو الذي يشرف على ليبيا.

لكن الآن مرت سبع سنوات على اندلاع الربيع العربي وتغيرت الأوضاع، ولم يعد الشعب الجزائري يرى رئيسه، بل تحول بوتفليقة إلى أول رئيس ربما في العالم يجري انتخابه دون المشاركة في الحملة الانتخابية من خلال إلقاء خطابات بل وغاب نهائيا عن المشهد السياسي. ومنطقيا، الرئيس الذي لا يظهر أمام الرأي العام، يعني لا يستطيع الحركة نهائيا بل ولا الكلام ويعيش في غيبوبة مستمرة.

وبدأ يتبين الآن أن النظام الجزائري، الرئيس ومجموعته، لا يسيطر على البلاد. كما أن الدول الغربية وأساسا الأوروبية ومنها فرنسا لم ترصد حجم اليأس والتذمر في صفوف الشعب الجزائري الذي يرفع شعار “الكرامة” بعدما لمس كيف أن مجموعة من النافذين وعلى رأسهم سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس يوظفون الرئيس لاستمرارهم في تسيير شؤون البلاد بدون أدنى شرعية.

وفي أعقاب مسيرات 8 اذار/مارس في مختلف المدن الجزائرية وأساسا العاصمة الجزائر، دخلت البلاد مرحلة جديدة حساسة. ويعتبر عنوان جريدة “TSA” الجزائرية المنشور ليلة المسيرات معبرا للغاية، ويقول “الشارع يحسم: نظام بوتفليقة انتهى، الانتقال الآن”. وعمليا، أصبح يلخص هذا العنوان الخلاصة التي انتهى إليها الجيش الجزائري وكبريات العواصم الأوروبية وواشنطن، أي ضرورة التحرك قبل وقوع انفلات سياسي، علما أن المتظاهرين أبانوا عن وعي كبير للغاية بالرهان على السلمية وتفادي العنف والمواجهات. بينما صدرت عن السلطة أسباب التوتر مجددا بسبب الرسالة المفترضة لبوتفليقة يحذّر من التدخل الأجنبي في البلاد جراء هذه المسيرات.

ومنطقيا، توجد الآن مباحثات سرية بين قادة الجيش الجزائري وشخصيات مؤثرة مع الدول الغربية وخاصة فرنسا. وقد أبانت الوقائع التي رافقت سقوط كل من زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك ثم أحمد مرسي في مصر كيف كانت باريس في الحالة الأولى وواشنطن في الثانية تتصل بالقادة العسكريين والاستخبارات لرسم السيناريوهات المناسبة ومنها تجنب الكوارث السياسية أو منع جهات معينة من الوصول إلى الرئاسة.

وحصلت “القدس العربي” على معلومات تفيد بوجود حالة من الترقب في عدد من عواصم أوروبا خاصة فرنسا وايطاليا ونسبيا اسبانيا، حيث يسود تخوف من انزلاق سياسي وأمني قد يؤدي إلى موجة كبيرة من المهاجرين سواء الجزائريين أو مواطني الدول الافريقية، كما حدث في ليبيا بعد انهيار نظام معمر القذافي. لكن هذا السيناريو يبقى مستبعدا نسبيا بحكم قوة الجيش الجزائري المتماسك عكس الليبي. في الوقت ذاته، تبقى الجزائر ذات أهمية لأوروبا وخاصة الجنوبية منها لأنها مصدر الغاز لكل من ايطاليا واسبانيا وفرنسا. وتحظى الجزائر بأهمية خاصة في ظل توظيف روسيا للغاز. لهذا كل ما ترغب فيه أوروبا حاليا هو الحفاظ على تماسك الجيش الجزائري لأنه يشكل عماد الاستقرار والمخاطب الرئيسي. وترى الأوساط الأوروبية هذا التماسك ضروريا في ظل وجود معطيات مقلقة ومنها صعوبة إجراء الانتخابات، لأن إجراءها قد يشكل موجة من الغضب وسط الجزائريين قد تؤدي إلى العصيان المدني.

لهذا هناك حرص غربي على الإسراع بالمشاركة في حل وسطي لا يتسبب في توتر في البلاد، فالغرب لم يتصرف كما تصرف في ليبيا، ولن يكرر ما يفعله مع نظام الرئيس نيكولا مادورو في فنزويلا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية