كيف تمنع انتفاضة جديدة؟

حجم الخط
0

سلسلة عمليات إطلاق النار في منطقة عوفرا مقلقة. فهي تدل على أن التقدير بأن حماس فشلت في مساعيها لربط مؤيديها في الضفة بالحملة التي تخوضها على الجدار في غزة كان سابقاً لأوانه. فالنار التي انطفأت في غزة اشتعلت من جديد في الضفة. مثلما في الماضي، هذه المرة أيضاً يتردد الخبراء في مسألة هل تبشر هذه العمليات بانتفاضة جديدة أم أنها ظاهرة عابرة.
يتوجب على رئيس الوزراء والكابنت أن يسألا نفسيهما سؤالاً آخر: ما العمل لمنع انتفاضة جديدة. في هذه المسألة تتنقل حكومات إسرائيل بين مدرستين متعارضتين. واحدة تؤمن بالعقاب الجماعي: قمع السكان سيردع منظمات الإرهاب ويمنعها من تجنيد المخربين وتفعليهم في الميدان. أما الثانية فتؤمن بالفصل بين الإرهابيين والسكان: أي أن العمل وحرية الحركة وتطبيع الاقتصادي والمدني كلها ستبعد الشباب عن أفكار الإرهاب وتخلق أساساً للتعاون.
من يدفع للعقاب الاجتماعي يرى أمامه علاوة إضافية، ليس لها صلة باعتبارات الأمن: الجمهور العاصف، والجمهور ينتظر الثأر. ثأر دم طفل صغير، كتب حاييم نحمان بيالك، لم يخلقه الشيطان. رفائيل ايتان، رافول، فسر هذه الجملة بمفهوم معاكس: ثأرنا سيكون شيطانياً أكثر من ثأر الشيطان. قسم من الجمهور يريد أن يرى الطرف الآخر يعاني؛ وقسم يتمنى قرارات استعراضية عن إقامة مستوطنات؛ وهناك من يطالبون بهذا وبذاك.
حتى من يعارض العقاب الجماعي ينتظر علاوة إضافية: العالم، وليس أقل منه الإسرائيليون الذين يسكنون في الجانب الغربي من الخط الأخضر، سيعرف أن الاحتلال الإسرائيلي هو احتلال متنور؛ إسرائيل دولة قانون؛ جيشها هو الأكثر أخلاقية في العالم.
القسم التاريخي مرير وصعب على الهضم: فالعقاب الجماعي ينجح في إبادة الإرهاب فقط في الأنظمة التي تنتهج قتل الشعب، الجينوسايد، وحتى هذا لزمن محدود. سياسة الاحتلال الإسرائيلي أقرب إلى السياسة الاستعمارية البريطانية. «اضربوا اليهود بجيوبهم»، هكذا أمر الجنرال الفين باركر، قائد الجيش البريطاني في البلاد في أواخر عهد الانتداب. قوله لم يردع المنظمات السرية العبرية. عندما تستخدم إسرائيل السيادية مثل هذه السياسة تجاه سكان غزة مثلاً، فالنتيجة مشابهة: لا ردع، بل عنف.
ولكن الحقيقة يجب أن تقال. حتى السياسة المعاكسة، والفصل بين الساعين إلى ميل الرزق والساعين إلى الإساءة، لا يمنع الإرهاب. فالانتفاضة الأولى اندلعت في كانون الأول 1987، حين كان الفلسطينيون يتمتعون بوضع اقتصادي جيد نسبياً. فالخبراء لم يتوقعوا، والسياسيون لم يلاحظوا. احتجنا لدافيد غروسمان («الزمن الأصفر»)، كي نفهم من أن المال خلف ستار يعتمل وعاء يغلي.
هذا صحيح اليوم: المال القطري يقنع حماس بأن تعطل مؤقتاً النشاط على الجدار في غزة، ولكنه لا يمنعها من تفعيل الإرهاب في الضفة؟ للإرهاب أسباب، وثمة دوافع، وهناك منطق سياسي وثمة أيضاً دعم من الخارج. الإرهاب لا يصفى بمنع المال ولا يصفى بضخ المال. فإما تغير قواعد اللعب من الأساس أو يتعلم الناس كيف يتعايشون معه، دون تطلعات مبالغ فيها، ودون خطابية متفجرة، كجزء من واقع حياتنا في الشرق الأوسط.
لقد وجدت حكومات إسرائيل صعوبة في أن تقرر ما هو الأنجع، هل هو العقاب الجماعي أم الفصل. فاليمين دفع نحو العقاب الجماعي؛ أما الجيش والمخابرات الإسرائيلية ففضلا التطبيع.
وسارت الحكومات باتجاه القليل من هذا والقليل من ذاك، أزالت حواجز ونصبت حواجز، ومنعت تصاريح عمل وسحبت تصاريح عمل، أخلت بؤراً استيطانية غير قانونية ومولتها وسوغتها. بشكل عام كان التفكير سياسياً حزبياً، وليس أمنياً.
أما العلاقة مع السلطة الفلسطينية فقد اجتازت عدة تحولات منذ اتفاق أوسلو. ويمكن تلخيص خطاب الحكومة الحالية بالتالي: أبو مازن وحماس يعيشان من أجل مهامة واحدة ـ إبادة إسرائيل. أبو مازن هو الشيطان الأكبر: فهو يستخدم تجاه إسرائيل الإرهاب السياسي؛ أما حماس فهي الشيطان الأصغر. هدف إسرائيل هو تخليد الوضع القائم ـ حكم فتح ضعيف في رام الله وحكم حماس ضعيف في غزة، وتغذية العداء بينهما. إذا كان هذا يكلف ثمن جولة عنيفة في غلاف غزة مرة كل أربع سنوات أو موجات إرهاب متكررة في الضفة، فليكلف. المهم ألا نحسم، وألا نهز السفينة، وألا نعود بأي حال إلى طاولة المفاوضات.
لست واثقاً أني أفهم ما هو الإرهاب السياسي. يبدو لي هذا مثل الأمر ونقيضه. على أي حال، كمن يسافر بحكم عمله، غير مرة على طريق 60، فإني أفضل الإرهاب السياسي على الرصاص من سيارة مسافرة. فما بالك أنه رغم الإرهاب المنسوب لأبو مازن، فإن أجهزته الأمنية تواصل، بتعليمات منه، التعاون مع الجيش والمخابرات الإسرائيلية في مكافحة الإرهاب. 400 عملية أحبط جهاز المخابرات الإسرائيلي في الضفة في 2017. من يعتقد أنه كان ممكناً الوصول إلى هذا الإنجاز دون مساعدة الفلسطينيين يعيش في فيلم. ففي أعقاب العمليات خرج لوبي المستوطنين بسلسلة من المطالب: حواجز وإبعاد للسكان الفلسطينيين، وإقامة مستوطنات، وتبييض بؤر استيطانية للسكان اليهود. يؤمن قادة المستوطنين بالعقاب الجماعي، ولكن فقط عند الحديث عن العرب.
يدعو اوري ارئيل إلى تصفيات غير مركزة؛ أما بينيت فيدعو إلى إزالة القيود القانونية. هؤلاء الأشخاص السائبون، وزراء في حكومة إسرائيل، يسعون لتحويل الجيش الإسرائيلي، جيش الدفاع لإسرائيل، إلى حزب الله، جيش الرب.
عندما صرخ سكان غلاف غزة صرختهم خرجوا إلى المسيرات، وتظاهروا في القدس وفي تل أبيب، وفي الحكومة لم يأخذوهم على محمل الجد. فهم بعيدون عن الصحن؛ قسم كبير منهم يصوت لأحزاب المعارضة. ولكن عندما يصرخ لوبي المستوطنين، فإن وزراء الليكود يبدأون بالتعرق.
نتنياهو محرر في هذه اللحظة من ضغط أمريكي. لا يقيده وزير الدفاع ؛ ووزير الخارجية لا يزايد عليه أخلاقياً. يمكنه أن يفعل كل ما يريد ـ يسد الطرقات، يبعد، يضم، يبيض المخالفات، يسوغ المخالفين. فهو يعرف بأن كل هذه الأفعال لن تخفض لسنتمتر واحد مستوى الإرهاب، ولكن القاعدة، القاعدة، ماذا ستقول القاعدة.
«والتعيس يقول ثأراً»، كتب ذلك في قصيدته «عن الذبح». «ثأر دم طفل صغير لم يخلقه الشيطان بعد».

ناحوم برنياع
يديعوت 14/12/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية