كيف تَكتُب الرواية في مجتمع غير روائي
أحمد المدينيكيف تَكتُب الرواية في مجتمع غير روائيعلي من في وضعي، أي هذه اللحظة التي ُيدعي فيها شخص، كاتب، ليتحدث أمام الملأ عن تجربته في مضماركتابته ـ الرواية في حالتنا نحن المجتمعين في هذا المحفل ـ عليه أن يعتبر نفسه محظوظا، وفي الآن عينه لا بد أن يطوّقه القلق، كيف؟ شرحه كالتالي: ــ إن الوصول إلي ُرتبة الحديث عن التجربة هو ضرب من الحديث عن اكتمالها ونهايتها، أي ما يستدعي تصنيفها مع أخريات سابقة عليها، واندراجها أو اندماجها بقدر ما احتوت عليه في التجربة الأدبية الروائية الكبري، تحيلها إلي التاريخ، إلي الذائقة الجماعية، لتجري في نهر الكلاسيكية الزاخر عساها تموت لتحيا بشكل جيد حقا أو هي لم تكن أبدا.ــ والحديث عن التجربة هو كذلك مبعث قلق عظيم، لأن الكلمة في الأدبيات المسيحية تعني الخضوع للامتحان بقسوة، وضمنه الوقوع عرضة للهلاك؛ أوَلاَ تعدّ كتابة الرواية هلاكا لمجترحها، إذ يقدم علي فعله لعدم موافقته علي العالم المقترح، أو الملزم به، والسماوات، وافتراضه زعم تعويضه بآخر أفضل وأجمل وأنجع للبشر والحياة، يذهب بعيدا ووهما في المخاطرة بما ملك وما لم يملك راكبا رأسه بالتخييل في عالم واقعي وخيال محض معا.والحق أني لا أملك التحكم في أيّ واحد من هذين الحدين، ولا قِبل لي بالعراك معهما طويلا ـ هنا علي الأقل ـ وإن عنّ لي فركُهما غير مرة، وهذه مناسبة جديدة، مواتية، قد تسعف لتقويم بعض الأخطاء وضبط بضع حقائق. منها أن الكاتب الذي طالما بشرنا به رسولا إنما رسوليته ورسالته في عدم توافقه مع عالم يريد أن ينشر فيه تعاليمه هو، بنقض القيم والرؤي السابقة عليه، وتبديد الصورالمهيمنة علي أعين وأحلام الناس بغيرها الأبهي، وربما أخطر. لا يوجد كاتب، روائي متواضع، وإلا فهو ضعيف، دونيّ الموهبة والهمة. لا توسّط في الإبداع، ومبدأه الأم هو الخرق، أي الهتك والفتق للمألوف، المستقر، المقروء باطمئنان. وأنا واحد ممن نُذروا ـ لا أجرؤ أن أقول أُرسِلوا حتي مجازا ـ فالمعلم إنما كاد، هي من أفعال المقاربة كما تعلمون ـ نعم، نُذروا أساسا لمهمة الخرق هاته، في أعسر وقت عندما اطمأن الجميع تقريبا إلي أوْفاق استقلال البلاد، وحل الماضي محل حاضر أضحي هو المستقبل. جئت ومعي نفر من العصاة لنعبُر كالجمل من سُمّ إبرة التوافق، وحتي التمرد شهدناه يوافق. كلمة الجهر بعد السر كانت هي الوطنية لا شيء غير الوطنية، وهي مع نقيض أطروحتها التقدمية ـ بمفهوم ذاك الزمن ـ لا تعدو دلالة احتواء الكل والمتنافر في واحد، وهنا لا دور للكاتب إلا أن ينخرط في الزمرة أو لا يكون ببساطة. أمر أكبر من الإيديولوجية وأقرب إلي العقيدة بمعناها الديني. ولذلك فإن أصوات التحديث المبكرة في أدبنا قبل الاستقلال ـ أفكر في الصباغ والسرغيني وحجي تحديدا ـ ضاعت في زحام المعني الناجز والطلب المستعجل، وما التزام كتاب الستينات إلا نسخة منقحة لوطنية أدباء العقدين السابقين عليها حيث سيادة مذهبية وثقافة ومخيال وضرب من الجموح يستخف بالنزعة الفردية أو يمحقها، وحيث مواقع الصراع مركزية فضلا عن محدوديتها، ما جعل الرواية غير ممكنة، تنوء تحت ثقل الزاوية أو الماضي المدفون علي عجل، أو الغربة المتكلفة في أفضل حال.*ورقة قدمت في ندوة الروايةالعربية المغاربية بمناسبة المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء ( 15شباط/ فبراير2005).إنني أنتمي إلي مرحلة الاستقلال الثانية في الكتابة، ولا أقول جيلها. لا يستقيم مصطلح جيل إلا عند استقرارالمفاهيم وتبلور قيم ثابتة وبروز مصالح متعارضة بشكل حاسم، وبذا فهو ثقافة وذهنية أكثر منه زمنية، وعدم التمييز هنا غالبا ما أوقع مؤرخي الأدب في تقويمات وأحكام لاـ أدبية، ويوقع ناشئة الأدب اليوم في أوهام بلا حدود. بعبارة أخري فالجيلية تصنيف لا ترتيب، ونحن الذين أدركتنا حرفة الأدب منذ نهايات العقد الستيني وصعدا اتجهنا وجهة مختلفة بحكم ثقافة عصيانية اكتسبناها بأنفسنا بموازاة دروس شيوخنا الجامعية، وتتلمُذنا علي كتب الأدب الأربعة المنصوص عليها عند ابن خلدون، زيادة علي التقيد بشروط ابن الأثير التي لا مناص منها لكل أديب أريب. ولم نعرف في يومنا ما يشبع النفس ولا ما يفتح علي أفق مشرق أمام الشاب المتعطش لكل شيء؛ لكم صغرت في عينه الكلمات المقروءة والعناوين المشاعة، وبدت قصيرة تلك الطرقات التي انطلق فيها الآخرون نحو سباقات أقصر مسافة وتتويجا. كنت من البداية أرشح بالكلمات الحارة والمفخخة، ولا أعرف كيف أمشي إلا في طرقات المجاز، ولذا لا عجب أن أول عمل قصصي لي عنوانه العنف في الدماغ (1971) وحمل أول بيان عن تصور مغاير للقصة القصيرة وإبداع الكتابة الفنية عموما عندنا وأبعد منا، تعامت عنه الأنظار وسقط عمدا من ذاكرة نقد مليء بالثقوب. هو النقد ذاته الذي لم يجد مناصا من الاعتراف بأن نصي المعنون زمن بين الولادة والحلم (1974) يمثل الرواية التجريبية الأولي بامتياز في أدب المغرب الحديث، مطلّقا قواعد النوع المعهودة، قواعد أرسطو وفورستر، مغامرا برؤية وتشخيص مختلفين بأقل توصيف ممكن. ذهب أحدهم يومئذ إلي أنني متأثر بفليب سوليرس، هذا الذي ظل عندي يلهث خلف التقليعة أكثر من الرغبة العميقة في قول الذات بالأدب، ولذلك يحشر أنفه في كل شيء. أما أنا فما عني لي النوع شيئا وإلا لكتبت مثل (أبو المعاطي أبو النجا) أو مبارك ربيع بطريقتهما الماهرة المنسجمة. وبما أنه لم يكن لديّ ماض أدفنه ولا حاضر صنعته أو عشته فقد قررت أن أبدأ من البداية، أقصد من روح الإبداع الذي يحقق هويته بتجدده ومنها يستمد شرعيته. خلافا لما صدر عني في سياق مختلف، وأصبح أحيانا يُردد بلا احتراز، فالمشكلة لا تكمن حقا في وجود إيديولوجية/سياسة قبلية فرضت أو أرادت أن تفرض علينا منهجيتها لنمشي في ركابها كالقطيع، لأننا نحن أبناء المرحلة المعنية المنذورين لحياة وكتابة موسومين بالتمرد والتجديد كنا، بأحلامنا وطموحنا وسلوكنا، فضلا عما خطه يراعنا، في قلب الإيديولوجية المعنية، لا نحتاج إلي توجيهات قيادية ولا مذكرات حزبية لنقول لا بالفم الملآن، لا لسلطة مستبدة، وأضغاث أحلام مبرمجة، وثقافة موروثة مسطحة، ونصوص ذات أدبية واقعية موضوعة علي مقاس، لم تقنعني أبدا رغم أنها هي ذاتها بنت واقع وليد، كما أصحابها يحرثون أو يبذرون في تربة يتصورونها تقلّب وتخصب بسمادهم، أحسست أن البضاعة المعروضة في سوقنا ـ بالمناسبة هي قليلة ـ لا تسمن ولا تغني من عطش إبداعي، تفتقد المنفلت والمدهش بطريقة ما، وحيث للكاتب حضوره المفرد، وجنونه الأحد، ولغته الأوحد. هكذا فرضت علي نفسي منذ البداية الرهان الصعب الذي أزعم أني ما زلت ألاحقه وأتقلب بين أفخاخه. وفيما بدا الأدب العربي الحديث مختنقا بالسقوف، وأنا المتخرج من كلية كان الأساتذة فيها كالحجّامة يتعلمون في رؤوس الأيتام وهم يملون بضعة أسطر عن كل نوع أدبي بقواعده المجتزأة من سياقات نصية خصوصية، فإني ذهبت إلي ضرعها، إلي النبع الذي فجّرالحديث، لا الفرع يكرر ولا يجيد، يسقيني حليبه الأول، وإذا هي ضروع، وإذا القلم يثقب السقف دواتُه في السماوات العلي، حبرُها بكل السوائل والأحجام والأطياف والألوان. أكفيكم بعض ما يُنسب إليّ من فتوحات ، فهي متاحة لكل ذي بصيرة، وعموما فعشر روايات، رافقها عدّها مجاميع قصصية، لم تشف بعد غليلي لما تشوفت إليه في بحثي عن إعادة تأصيل الذات وتأجيج الوجدان وعمران ما يحتاج إلي إعادة تأسيس بالتخييل وشغف الحياة والكلمات، بصوت الكشف والدهشة الولود. وتعالوا معي إلي الأهم، في تقديري لهذه المناسبة، التي ينبغي أن نتوقف فيها عند أساس الرواية، من حيث غرفنا جميعا تقليديين ومجددين وآخرين. كان علينا لكي ننشئ ـ نبني ـ الرواية أن نبني الواقع الذي تنطلق منه وستعيد إنتاجه علي طريقتها. كان علينا أن نعيش الأوضاع الكلية المسماة موضوعية،هذه التي تتشكل فيها الطبقات الإجتماعية بتمظهرات مغايرة لتشكيلات وبنيات تقليدية لاءمت أنواع وتعبيرات الماضي، فالأدب مهما شط في الخيال ابن الواقع أولاً. تحتاج عملية التشكل إلي زمن (لاروائي) ينبغي أن تعقبه مسافة تتأمل من ورائها العين لتتفاعل عن بعد بما كان، وُجِد، وسيصبح علي منوال آخر مع الرواية، وليتكون الوعي القادرعلي تمثل عالم جديد بمصائر ومعضلات من طراز مختلف هي طراز نثر الحياة المبتذل بالتعبير الشهير للوكاتش. ماذا نفعل، إذن، نحن الذين رغبنا حقا في كتابة الرواية بينا كنا نعيش في مجتمع غيرروائي. لقد تفرقت السبل بالكتاب العرب في كيفية قياس هذه المعضلة، ما نتج عنه إما التقليد أو الاستنساخ أو التجريب المحض. أستطيع أن أقول في حالتي بأن ما اتخذ هذه الخاصية كان واحدا من طرق التعبيرعن انعدام توافق مع حياة ومجتمع غير مؤهلين اجتماعيا وأدبيا، وستكتسحهما فورة نفسية وموهبة متحفزة لقول الذات بلغة تجرف في طريقها كل شيء، من غيرأن تحفل كثيرا بأصول نوع أسُسُه توجد في تقاليد آداب أخري لمّا تحضرعندنا بعد. إن المجتمع الساكن الذي ولدنا فيه، والذي تقلب عقودا، وما يزال، في تقاطبات ذات صدامات ملساء رغم مظاهر العنف لم يعرف الصراع العميق ولا الصدمات الإشكالية المهمة والمؤهلة للرواية الواقعية مجال صيرورة المصائر وجدل الواقع. والذين اتجهوا إليها، بغير وعي كلي، إما كتبوا حكايات ساذجة أو صنعوا قوالب سردية لوقائع تاريخية وطباع وهيئات فولكلورية. لا عجب أن تتولي السيرة الذاتية الدورالأول، وأن يتابع النقد كتاب السرد بتهمة تسخير وتلبيس حياتهم روائيا. والحق أن الطابع الأوتوبيوغرافي، والمنزع التجريبي المتسمين بتوظيف الذات وتفكيك الشكل والأقانيم المعطاة إنما هو دليل مبكر علي نزوع لاختراق قشرة الواقع للقبض علي معني يتكون في هروب، بلغة تتوالد من الاستيهامات، ومخيلة خصبة تعوض السكون والتماثل والممنوع والمحرّم والمتصالح برواية لا تنوء بالموضوع، كغرض تقليدي، ولكن تصوغ الرؤية بأسلوب ومنظورالرؤيا.. والحاصل أن العوائق التي حالت وتحول دون التحديث بلا مواربة هي ذاتها المانعة من وجود مجتمع روائي مناسب للروائي، للكاتب، المجبول علي رفض التماهي والقبول بالأمر الواقع. إن كل شيء ضدنا، ولا أحد كما لا شيء يمكن أن ينصفنا ونرفض، أرفض الصفقات التي ستدجننا أكثر، ولا بديل إلا مزيداً من الانزياح عن المتاح، بكل الوسائل التي تمنحها اللغة وبفرض سطوة الخيال وتلغيم كل الحبكات الواقعية، كي تخرج لسانك في المرة القادمة في وجه شرطي الحدود الذي كلما قرأ هويتك في جواز السفر يسألك جادا وبمنتهي الغباء : ماذا تكتب؟ . في المرة القادمة سأجننه مستعيرا الإشكالية الشكسبيرية: أن نكتب الرواية أو لا نكتبها، تلك هي المسألة! . ناقد من المغرب0