أتاه الخبر على الموبايل. كانت قد انقضت سنوات كثيرة على انقطاع الصلة بينه، هو عبد الله، وبين صديقه، (القديم جدا) الحاج توفيق عثمان. للحظات، أعمل الاسم في رأسه ليتذكّره، لكن مسرعة أضافت المتكلمة ابنة الحاج توفيق:
« الحاج توفيق عثمان… بتاع الكيت كات
«انتبهت من فوري، وتوجّست.
«ماما قالت لي أقول لحضرتك، إن بابا تعيش انت.
«إيه!
ومضت فترة من الصمت وسأل:
«كان عيّان والا إيه؟
«دي حتى الحكاية لمّا حصلت، كان ماشي في الشارع».
سنوات كثيرة مرت على انقطاع الصلة بينهما. ذلك إلى حد أن راح عبد الله يتساءل، وهو ما زال ماشيا على الطريق، إن كان عليه أن يقوم بالزيارة للتعزية. يتذكّر أن نادية زوجة الحاج توفيق (الذي كان يكتفى باسمه الصغير مجرّدا في أيام الصداقة) لا بد كبرت وفارقتها سمرتها النضرة. في بيته الذي وصله مثقلا بالخبر الذي سمعه راح يتذكّر الأصحاب الشباب. وهو، بعد أن رغب بمزيد من التذكّر، أحضر شنطة قديمة احتوت على أشياء كثيرة بينها، صور لهم ولغرامياتهم الأولى، والأشغال التي زاولها آنذاك كل منهم. منطلقا من تلك الصور راح خيال عبد الله يحرك مشاهد وحوارات وذكريات، بل ويسلسلها أيضا، لتصير مثل خيط حياة موصول. تذكر أن توفيق كان كريما، وكان من بناء الشقق وبيعها، يحصل على ما ينفقه بإسراف، لكنه مع ذلك لم يتمكن من شراء شقة له ولعائلته، كما كان يخطّط ويحلم.
وإذ يتحول، تذكّر شخصٍ ما إلى مراجعة الحياة التي عاشها المتذكر نفسه، نقرأ كيف استأنف عبد الله تذكّره لتلك الأيام، بأن انتقل من قراءة الصور الفوتوغرافية إلى رسائل كان يرسلها، إثر نقله، عقابا لسوء تصرّفه الوظيفي، من القاهرة إلى المحلة الكبرى. كان قد وعد صديقا آخر هو جونيور أن يكتب له بالتفصيل عن كل ما يعيشه هناك في مركز عمله الجديد. كان قد استأجر مكانا للمبيت هناك في «المحلة الكبرى»، كما استأجر دراجة لحاجة عمله ساعيا في البريد، يتنقّل بها كل يوم بين القرى الواقعة ضمن نطاق عمله. زملاؤه في مركز عمله الجديد كانوا ودودين وقد جعلوا حياته هيّنة. بين هؤلاء كان زميله سليمان الذي آثر أن يستأجر، بدل الدراجة، حمارا كان يُحسن السير في الأرض الوعرة، كما يعرف الطريق وهو، الحمار، عاد بمفرده إلى المركز بعد أن أصيب راكبه سليمان بصدمة أفقدته عقله وتركته مرميّا على الطريق حيث هو.
سليمان الزميل والشاعر الذي يستحي من إلقاء قصائده أمام رفاقه، لازمه غياب عن الوعي استمرّ طيلة ما تبقى له من حياة. هل هو في الكتاب شخصية أساسية بسبب صرعه، ثم موته شابّا في مقتبل العمر؟ هل الحاج توفيق شخصية أساسية كذلك؟ هل عبد الله كذلك أيضا، وهو الراوي والمتذكّر، هو مركز الرواية.
كل من يمر ذكره في الكتاب، رغم هامشيته وثانويته، يحضر في الرواية بميزات فريدة وخاصة. نادية، على سبيل المثال، وهي زوجة الراحل الحاج توفيق، عبرت أمام الراوي من دون أن تكلمه أو يكلمها. كانت تسير ملتفعة بالسواد بين ابنتيها، كهلة عجوز لا تذكّر بجمالها الذي كان في أيام الشباب. نشعر في ما نقرأ تلك السطور القليلة، بأن هناك رغبة تجاهها يخفيها الراوي، من دون أن يذكر شيئا عن ذلك، أو يغمز إليه في السياق. حتى حارس البناية يخفي أشياء أو يتميّز بأشياء.
عند إبراهيم أصلان لا شخصية من دون قيمة روائية خاصة، ما يبقى ملتصقا بالرأس من كتبه مشاهد أو حركات أو كلمات عابرة، كما حين يطلب واحد ممن يروي عنهم أن يبقوا له لمبة مضاءة في قبره، لأنه لا يطيق العيش في العتمة. في كتاب آخر يدعو الرجل الكهل رفيقا له إلى أن يقوما معا بزيارة الحاج أحمد الذي باع أرضه، وها هو يستقبل الناس ليريهم الفلوس الكثيرة. ولا ننسى الشيخ حسني الذي من السطرين الأولين في «مالك الحزين» أظهر عن شخصية من الصعب نسيانها.
والأمكنة هي كذلك أيضا، كأن عين الكاتب لا تتوقف عن كشف المخبّأ من بين ما يحتويه البيت، أو مركز البوستة، أو الدرج الذي تصعد عليه الفتاة لتصل إلى غرفتها. وكل تلك الغرائبيات الصغيرة دالة على ألفة ومحلّية تعمّقهما، أي أننا، فيما نقرأ، لا يتوقف عن مفاجأتنا أشخاص نعرفهم.
** *
في معرض بيروت للكتاب وقع نظري على «صديق قديم جدا». أنا الذي أحرص على ألا أفوّت شيئا مما كان كتبه ابراهيم أصلان، فكّرت أن الكتاب يضم متفرقات لم تنشر في حياته، أو ربما رواية ظلّ يرجئ نشرها، هو المقل أصلا، حتى فوات الأوان. لكن على أي حال كانت تلك الزيارة للمعرض فرصةً لقراءة قطعة من العالم الذي رسمه أصلان. قطعة لم يسعَ فيها إلى أن يكتب شيئا مختلفا، بل لإثراء ما كان أبدعه والذهاب إلى أعماق الفتنة الكامنة فيه.
*صديق قديم جداً» رواية ابراهيم أصلان صدرت طبعة لها جديدة في 159 صفحة عن دار الشروق – سنة 2023- كانت طبعتها الأولى قد صدرت بعد سنتين من رحيله في 2013.
كاتب لبناني