الخرطوم – «القدس العربي»: بعد شهور من الكر والفر في شوارع الخرطوم، استطاع السودانيون الوصول إلى محيط القيادة العامة للقوات المسلحة، وسط الخرطوم في التظاهرة الأضخم من نوعها، والتي أطاحت بنظام الرئيس المعزول عمر البشير، وأنهت ثلاثة عقود من الحكم الشمولي.
وعلى عكس المعهود في ثورات الربيع العربي، انطلقت التظاهرات في أطراف البلاد ومدنها البعيدة عن المركز في ديسمبر/ كانون الأول 2018، ثم امتدت إلى الخرطوم.
في كل مكان
اندلعت التظاهرات وقتها في كل مكان، الشوارع والأحياء والأسواق، فضلا عن المدارس والجامعات، رفضا لحكم البشير وغلاء المعيشة والفساد الحكومي، الأمر الذي أربك النظام على الرغم من السلطات الواسعة التي منحت لجهاز الأمن.
الاحتجاجات، كانت تبدأ بزغرودة تطلقها إحدى المتظاهرات بشكل مباغت، ليلتف حولها آخرون وهكذا يتزايد المحتجون، إلى أن تحدد قوات الأمن موقع التظاهرة، وتحاصر العربات العسكرية المحتجين، وما بين الرصاص والهراوات والغاز المسيل للدموع، يسقط قتلى وجرحى ويعتقل ويفر آخرون.
لاحقا، برز تجمع المهنيين السودانيين، والذي قاد الاحتجاجات في أنحاء البلاد، عبر بيانات كان ينشرها على صفحته على فيسبوك، وفي 25 ديسمبر/ كانون الأول 2018، أعلن عن التظاهرة المركزية الأولى، والتي كانت وجهتها القصر الرئاسي، لتسليم البشير مذكرة تطالبه بالاستقالة وتسليم السلطة للشعب.
لم تصل التظاهرة يومها إلى وجهتها المحددة وسط قمع السلطات العنيف للمحتجين، وإغلاق محيط القصر الرئاسي بترسانة عسكرية ضخمة، فضلا عن حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت كل من صادفته في طريقها.
لم يتسلم البشير بطبيعة الحال المذكرة، التي باتت معلومة المحتوى للجميع، لتعلن مطالب الشعب بشكل واضح، والتي كان في مقدمتها إسقاط النظام ومحاكمة قادته، والتأسيس لحكم مدني ديمقراطي.
بعدها برز ميدان أبو جنزير والسوق العربي وموقف مواصلات جاكسون وسط الخرطوم، كساحات للاحتجاجات، كان المتظاهرون في كل مرة يكسرون الطوق الأمني، وينجحون في التجمع في المكان المحدد للاحتجاجات، كانت التظاهرات تصبح أضخم في كل مرة.
كذلك لعب بعض الأحياء دورا فاعلا في الحراك الشعبي ونقلته إلى أزقتها وباحات المنازل مثل بري والديم في الخرطوم، وشمبات في مدينة بحري شمال الخرطوم، وكذلك ود نوباوي والعباسية في أمدرمان الواقعة غرب العاصمة السودانية.
وأصبحت ميادين تلك الأحياء ساحات تعلو منها أصوات المحتجين، ليس من سكانها فقط، بل من المتظاهرين القادمين من جميع أنحاء العاصمة الخرطوم، على الرغم من التضييق والحصار الذي ظلت تفرضه السلطات عليها، وسقوط العشرات من القتلى. دفع سكان تلك الأحياء كلفة باهظة، فقد قتل برصاص الأمن عدد من أصحاب المنازل والمحال التجارية، وكبار السن والأطفال الذين ماتوا بالرصاص وهم يحاولون منع العسكر من اقتحام منازلهم أو اختناقا بالغاز المسيل للدموع الذي كان يستهدف جميع المنازل دون استثناء، والتي كانت ملاذا للمحتجين، عند اشتداد القمع.
كان يدرك المتظاهرون في ساحات تلك الأحياء أنهم سيجدون الأبواب مفتوحة في كل أنحائها، كما الماء والطعام، والمبيت أحيانا حال استمرار حصار العسكر والانتشار الأمني الكثيف. لا تزال ساحاتها على امتداد أكثر من أربعة أعوام منذ انطلاق الثورة السودانية، مكانا لتجمع المحتجين والتظاهرات المطالبة بالحكم المدني الكامل وخروج العسكر من السلطة.
خائفة جداً
في أبريل/ نيسان 2019، كانت الاحتجاجات في السودان قد بلغت ذروتها، ليعلن تجمع المهنيين، عن تظاهرة (مليونية) أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، في السادس من الشهر ذاته تطالب برحيل نظام البشير.
قالت ميداء عثمان (28 عاما) التي شاركت في التظاهرة، لـ”القدس العربي”، لقد كنت خائفة جدا، ولكنني قررت المشاركة مهما حدث، لقد قتل العشرات من السودانيين في الشهور الخمسة التي سبقت مليونية 6 إبريل، والآلاف خلال ثلاثين عاما من حكم الإسلاميين للبلاد، في الحروب وداخل زنازين الأمن وفي الشوارع، خلال هبة سبتمبر/ أيلول 2013″.
وزادت: “لقد جهزت نفسي للموت، اغتسلت، أزلت طلاء أظافري، وقلمتها، صليت، ثم كتبت وصيتي في ورقة وفي أخرى بيانات حول زمرة الدم الخاصة بي واسمي الكامل ورقم أحد أفراد أسرتي في حال قتلت أو أصبت، وكذلك حملت في حقيبتي محلول خميرة وكمامة لحمايتي من الغاز المسيل للدموع”. وبينت أنها: “خرجت بصحبة جميع إخوتها وأخواتها، ليجدوا يومها الحشود تتدفق من كل مكان نحو مباني القيادة العامة للقوات المسلحة، والتي استطاعت كسر الحواجز الأمنية وتخطي المدرعات العسكرية، والالتحام أمام مقر القيادة، لقد اعتقل وأصيب المئات ولكننا كنا أكثر من توقعاتهم، لم تستطع قوات الأمن التحكم في تلك الحشود، بدا وكأن كل سكان الخرطوم أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة، شعرنا وقتها أن أيام البشير في السلطة قد انتهت وأننا انتصرنا”.
أعلن تجمع المهنيين مساء 6 أبريل/ نيسان 2019، محيط القيادة العامة للقوات المسلحة ميدانا للاعتصام حتى سقوط نظام البشير، ليلتها خرج عدد من الضباط رافضين تنفيذ الأوامر، وواجهوا قوات الأمن التي هاجمت المتظاهرين، حيث برز هتاف “شعب واحد … جيش واحد”.
في كل يوم من أيام الاعتصام كان يسقط ضحايا بين قتلى وجرحى من المدنيين وضباط الجيش، خلال محاولات قوات الأمن، فض الاعتصام، ولكن المحتجين تمسكوا باستمرار الاعتصام في ساحة القيادة حتى سقوط نظام البشير.
وبالفعل في 11 إبريل/ نيسان 2018 وبعد ستة أيام من الاعتصام في محيط القيادة العامة للقوات المسلحة، أعلن الجيش السوداني خلع البشير من السلطة، وتكوين مجلس عسكري انتقالي لقيادة البلاد، بقيادة عوض بن عوف الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع في عهد البشير، الأمر الذي قلب فرحة الجماهير التي استمرت للحظات إلى غضب ترجمته الهتافات التي تعالت في ميدان اعتصام القيادة العامة تطالب بتنحي بن عوف ومجلسه العسكري الذي اعتبرته امتدادا لنظام الإسلاميين، وبالفعل بعد يوم واحد أعلن بن عوف تنحيه عن السلطة.
وجهة للمحتجين
وفي خضم تلك التغيرات المتسارعة في المشهد السياسي السوداني، تحولت ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة إلى وجهة للمحتجين من كل أنحاء السودان، حيث احتشد المحتجون القادمون في قطار قادم من مدينة عطبرة شمال السودان، والتي كانت ثاني مدينة اندلعت فيها التظاهرات، عقب مدينة مايرنو في ولاية سنار جنوب شرق البلاد.
ومن ثم تواصل تدفق المحتجين القادمين في قوافل من دارفور وكردفان غربا والولاية الشمالية والشرق والوسط. بدت ساحة الاعتصام وكأنها سودان مصغر جمع السودانيين بكل خلافاتهم على موقف واحد، وهو الحكم المدني الكامل وخروج العسكر من السلطة.
مها الطيب (34 عاما) طبيبة عملت في العيادات الميدانية في ميدان الاعتصام، قالت لـ”القدس العربي”: “بعد أيام من الاعتصام تطوع عدد من المعتصمين لتكوين لجان لحماية المتاريس، حواجز من الأشجار والحجارة لحماية المحتجين من هجمات الأمن، التي وضعناها في محيط الاعتصام الذي تمدد إلى الشوارع المحيطة بالساحة أمام القيادة العامة للجيش”.
وأيضا “قمنا بتكوين عيادات ميدانية ولجان للإعلام وتوفير الطعام وحماية المشردين الذين احتموا بالميدان وأصبح ملاذا أمنا لهم، بدأ بعض المتطوعين في حصر الأطفال المشردين وأقمنا لهم مكان صغير قدمنا لهم فيه حصصا دراسية، كما قام الفنانون التشكيليون برسم لوحاتهم على جدران القيادة العامة وأرض ساحة الاعتصام وكل مكان، شعرنا لأول مرة بأننا أمة واحدة داخل تلك الساحة، كان الجميع يعمل بتفان. كنا نتابع اجتماعات تجمع المهنيين ومجموعة إعلان الحرية والتغيير مع المجلس العسكري الجديد بقيادة الضابط الذي لم نكن نعرفه وقتها عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو وعسكر آخرين، لم نكن راضين عنهم، خاصة وأن بينهم (حميدتي) الذي ارتبط اسمه بمجازر دارفور على الرغم من إعلانه الانحياز للثورة السودانية”.
وأضافت: “بعدما بدا أن الجانبين اقتربا من الوصول إلى اتفاق، تعثرت المفاوضات بين العسكر ومكونات إعلان الحرية والتغيير، وبدأت تفلتات العسكر تزداد والهجمات على اعتصام القيادة تتصاعد وتيرتها، سقط العديد من القتلى، وفي كل مرة كانت السلطات تحاول أن تجعل الأمر وكأنه تفلتات فردية من صغار الجنود، ومن ثم في ليلة 28 رمضان الموافق 3 يونيو/ حزيران 2019 وبينما كنا نحضر للاحتفاء بصلاة عيد الأضحى، هاجم العسكر الاعتصام من كل اتجاه، وحاصرت المدرعات العسكرية محيط القيادة العامة للقوات المسلحة، ليجد المعتصمون أنفسهم ما بين الرصاص ونيران الحرائق، التي التهمت كل شيء، راح المئات ما بين قتيل ومفقود، لم يعثر على بعضهم حتى الآن، اغتصبوا العشرات من الفتيات والشبان، واعتُقل الكثيرون”.
بالتزامن مع فض اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، فضت الاعتصامات التي تشكلت أمام مقار قيادة الجيش في جميع مدن وولايات السودان، وسط قمع عنيف وسقوط لعشرات الضحايا.
وعلى الرغم من أن ميدان القيادة العامة للقوات المسلحة أصبح منطقة محظورة على المتظاهرين، وغالبا ما تحيط به الحواجز الأمنية، إلا أن المحتجين استطاعوا الوصول إليه عدة مرات في أعقاب المجزرة، كان أبرزها يوم انقلاب البرهان على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، حيث وصل المحتجون إلى محيط القيادة قبل أن يتلو قائد الجيش بيان الانقلاب، الأمر الذي أدى إلى سقوط نحو 5 قتلى وإصابة العشرات.
بعدها توالت الاحتجاجات في كل ميادين الأحياء، على الرغم من انقطاع الاتصالات والإنترنت، والقمع العنيف وانتشار قوات الأمن، حيث برزت الشوارع التي سميت بأسماء ضحايا الانقلاب، مثل شارع “الشهيد عبد العظيم” شارع الأربعين سابقا، في مدينة أمدرمان والذي أصبح أيقونة للثورة السودانية بعد وقوفه وحيدا أمام مدرعة عسكرية رافعا علامة النصر، والذين أطلقوا عليه الرصاص حتى الموت في 24 يناير/ كانون الثاني 2019.
وكذلك سمي شارع آخر باسم “الشهيد محمد هاشم مطر” بدلا من شارع كان يحمل اسم “نظام الإنقاذ” بمدينة بحري، وغيرهم من الضحايا الذين أصبحت الشوارع التي تحمل أسماءهم ساحات جديدة للتظاهرات.
ميدان المؤسسة
وعقب انقلاب العسكر، وإغلاق الجسور الرابطة بين مدن العاصمة السودانية الثلاثة، الخرطوم، الخرطوم بحري، أمدرمان، برز ميدان المؤسسة وسط بحري كساحة للاحتجاجات شمال العاصمة، والذي تصاعدت رمزيته، بعد ارتكاب قوات الأمن مجذرة جديدة هناك، في 17 نوفمبر/ تشرين الأول 2021، والتي سقط خلالها 17 قتيلا وعشرات الجرحى. ولا يزال ميدان المؤسسة على الرغم من استمرار القمع، من الساحات البارزة للحراك الثوري في السودان.
وظل السودانيون رغم القمع يتمددون في كل أنحاء البلاد، ليحولوها إلى ساحات جديدة لثورتهم الممتدة لنحو أربعة أعوام، متمسكين بمطالبهم بالحكم المدني الكامل أو “سلطة الشعب” كما تسميها “لجان المقاومة” التي تشكلت في كل مدن وأحياء البلاد وتقود التظاهرات منذ انقلاب البرهان.
وما بين شوارع وساحات الأحياء ومحيط القصر الرئاسي ومبنى البرلمان السوداني، لا تزال الثورة السودانية مستمرة، رغم القمع والتضييق، لقد استطاع المحتجون تحويل كل أنحاء البلاد إلى ساحات للحراك الشعبي، الأمر الذي جعل محاولات السلطة نزع الرمزية عن الساحات البارزة خاصة مباني القيادة العامة للقوات المسلحة والقصر الرئاسي الذي تسميه لجان المقاومة “قصر الشعب” بلا معنى.