مخطئ من يتوقع نهاية لوابل الأخبار المتدفقة في الساعات الأخيرة بشأن ‘النشاط التنصتي’ واسع الانتشار ومديد العمر. يبدو ان قادم الأيام لا يزال يحمل في جعبته أصداء مماثلة من بلدان تحتل مركز الصدارة في تلقين دروس حسن السلوك الكوني، وهي أسطوانة مشروخة لا تجد حرجا في تمريرها على اسماعنا المنهكة .
ولئن كان معروفا نبأ اعتماد بلدان العالم على أجهزة تقنية متطورة، تسمح لها بوضع ‘شخصيات مؤثرة’ تحت المراقبة السمعية وحتى البصرية، فلم نكن نتوقع أن تأتينا آخر هذه المفاجآت عبر مخطط فرنسي كشفته صحيفة ‘لوموند’ الفرنسية هذا الأسبوع لتزويد نظام استبدادي دموي مثل نظام القذافي بأكثر أجهزة التجسس الجماعي تطورا.
إذا كان الكثير منا سمع بعملاق ‘بول’ العالمي الشهير المتخصص في إنتاج الحواسيب الآلية، وغيرها من الأجهزة المعلوماتية ذات الطراز الرفيع، فالقليل منا، من دون شك، سمع بفرع لهذه الشركة يدعى ‘آمسيس’، ركّب للنظام الليبي السابق ‘ نظاما داخل النظام’، نظاما متكاملا من أجهزة التجسس الجماعي، لا تتورع الشركة بالتباهي بفعاليته عبر منشورات تجارية توزعها على المعنيين، وهي منشورات نتعلم منها أن برنامج ‘إيغل’، وهو الاسم الجامع لمخطط التجسس على عقول المواطنين ونفوسهم، هذا قادر على تسليم وبشكل أوتوماتيكي، العناوين المنزلية والإلكترونية للأفراد المراد التجسس عليهم، وكذلك صورهم ، كما العثور على تواريخ ومواقيت وساعات وارقام هاتفية وكلمات سر ‘مما يتيح لكم، معشر زبائننا الكرام، – تضيف الشركة ‘الكريمة ‘، وبلهجة دبلوماسية لافتة، ‘الحصول على إحاطة شاملة بمختلف أنشطة مستهدفيكم.’
وكما نتوقع فرح نظام القذافي بهذا النبأ.. نتوقع ايضا فرحه فرحا مضاعفا، أولا بقدرته الخارقة التي سيزود بها منذ ذلك الوقت لتتبع ‘مستهدفيه’ ورصد تحركاتهم، ثانيا، والأحرى ان نقول أولا، بقيمة عقد، تقول صحيفة ‘ميديا بارت’ الفرنسية الإلكترونية، إنها بلغت 26.5 مليون يورو.
يبدو ان عملية رصد المستهدفين وتحديد مواقعهم ومعاينتهم قد نجحت نجاحا فائقا، مفرزة سلسلة من الموقوفين والمعذبين، حسبما تورده صحيفة ‘لوموند’.
اما إدارة الشركة التي أجرت ‘لوموند’ مقابلة معها، فتفسر الموقف باسطوانة مشروخة قديمة رتيبة، هي مكافحة ‘الإرهاب ‘ و’راعيتها الأسمى’، القاعدة. ومن أجل الحصول على ارقى المستويات الممكنة في غربلة المعلومات وتحليلها، نعلم أيضا ان الشركة بحاجة إلى آلات راصدة تتولى العملية، وبغض النظر عن التفاصيل التقنية الدقيقة للمسألة، كفانا علما أن شركة آمسيس التجأت إلى شركة أخرى لتصنيع الآلات المعنية.. شركة أسسها باحثون من مختبر جامعة باريس 6 خضعوا بدورهم لعملية تجسس محكمة التنفيذ.. حتى تتمكن الشركة المستفيدة، التي اخفت لـ’حليفتها’ وباحثيها المساكين غرض العملية طبعا، من الحصول على أوفى التفاصيل المتعلقة باستخدام الجهاز.
مملكة الألياف ودنيا الكابلات التي بدأت تحيط بنا من كل حدب وصوب تجعل مصائب قوم عند قوم فوائد، مثل نظام القذافي الذي يبدو انه كان ‘القوم المستفيد’ من العملية، إن صدقنا المعلومات التي تسوقها إلينا الصحافة الفرنسية، ولا نملك أسبابا لعدم تصديقها.
والمصائب، التي تتحول إلى فوائد عند البعض، جديرة بقول مأثور آخر، فرنسي هذه المرة، وهو ‘ما من مصيبة تقع بمفردها أبدا…’ وفعلا، فما أن نغادر دنيا التنصت والمسح لشؤون الناس وشجونهم على اوسع نطاق في ليبيا ‘مرشد الثورة’، حتى تطل بنا ‘لوموند’ على بيان صادر عن وكالة بلومبرغ للأنباء في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 يتطرق لصفقة ‘تعاون راصد’ جديد، وقّع مع النظام السوري لمراقبة أجهزة النت.
وإذا كان دائما حسبما ورد في مقال صحيفة ‘لوموند’، مدير الشركة يدعي ان مؤسسته انسحبت من المشروع في تشرين الاول/أكتوبر 2011 ‘لأسباب أخلاقية تحملنا على التوقف عن مساندة هذا النظام’، يزعم مهندس بالمؤسسة، فضح الأمر وصرف من عمله، بأن العاملين بشركته تلقوا إعلانا مفاده ان شركتهم ستواصل عملية ضبط الأجهزة وتوثيقها بالتعاون مع الشركة الإيطالية المشرفة على البرنامج في سورية خلال السنتين القادمتين، فهما السنتان المتبقيتان من عمر العقد’، وهو ما يرد عليه مدير الشركة بالقول: ‘إن الأمور اختلطت على عاملنا، فهو كان يتحدث عن مشروع آخر’، وهو ما يرد عليه العامل المعني بقوله: ‘لم نسمع أبدا، في موضوع سورية، بمشروع غير هذا المشروع.’
ينظر القضاء الفرنسي أخيرا في القضيتين، الليبية والسورية… أما المواطن، فلا يملك عند قراءة هذه المعلومات إلا أن يضيف عناصر جديدة إلى رصيد وثائقي يغذي فكرة ان النظام الفرنسي سعى في فترة من تاريخه إلى المساهمة في إسقاط من يريد إسقاط النظام. بدأت الأمور في تونس، عندما عرضت وزيرة دفاع ساركوزي ميشيل آليو ماري الاستفادة من الخبرة الفرنسية في عمليات القمع النظيف، إن جاز التعبير، ثم تواصلت مع هذين العقدين الذين تكشفهما صحيفة ‘لوموند’ هذا الأسبوع.
كان القذافي أعلن عن نيته ملاحقة الـ’مارقين’ ‘بيت بيت، زنقة زنقة’.. معاذ الله أن يأتي يوم يضطر فيه وطني إلى الاعتراف بأنه كان يقف هو أيضا، وإن يكن رقميا، عند زاوية ذلك البيت، او على ناصية تلك الزنقة.
‘ باحث أكاديمي فرنسي