في تشرين الثاني 1974 وقف ياسر عرفات للمرة الأولى على منصة الجمعية العمومية في الأمم المتحدة رئيساً لـ م.ت.ف وتحدث للعالم. “لقد جئتكم أحمل بندقية الثائر في يد، وغصن الزيتون في اليد الأخرى، فلا تسقطوا الغصن من يدي”، هكذا طلب. أقواله هذه حظيت بالتصفيق. بالنسبة له، هذا كان اعترافا رمزيا ومعنويا، لكن إسرائيل لم تتأثر من أقواله، بالعكس؛ غضبت القيادة من الدعم الذي أعطاه إياه العالم، ومضت نحو مشروع الاستيطان وتنكرت للحقوق الوطنية الفلسطينية.
لقد مر نصف قرن منذ ذلك الحين، وتم سفك الكثير من الدماء، وكان الدمار والخراب من نصيب الفلسطينيين في المواجهات اللانهائية، وكانت هناك فرص اعتبرت تاريخية. عشرات آلاف الصفحات التي تناولت الاتفاق الدائم وحل الدولتين صيغت في مسودة اتفاق، لكنها تآكلت بالكامل. وفي الوقت نفسه، تقلصت مساحة عيش الفلسطينيين: فقد أقيمت بؤرة استيطانية أخرى ظهرت فوق التلال وتم ضم المزيد من الأراضي الخاصة وكأنها لم تكن. دول العالم، لا سيما الولايات المتحدة، عرفت كيفية ترديد “دولتين” في أي بيان يتعلق بالنزاع، لكنها في الوقت نفسه لم تكن مبالية أو شريكة نشطة في إدارة هذا النزاع، ولم تتخذ أي خطوة لإنهائه.
ادعاءات مثل “لا يوجد شريك” و”الفلسطينيون فوتوا كل فرصة للتوصل إلى الاتفاق” سائدة في إسرائيل، لكن اتهام الطرف الفلسطيني حجة رخيصة. عملياً، إسرائيل غير معنية بالحل السياسي. وإلا كيف يمكن تفسير تكثيف المستوطنات ومصادرة أراضي عيش الفلسطينيين. سيطرة إسرائيل في كل مجال من مجالات حياتهم، تمنع أي مسار محتمل لتجسيد حقوقهم الوطنية.
في القطاع الخاضع للحصار تم تطوير حماس مقيدة، وفي الضفة الغربية كانت سلطة فلسطينية ضعيفة وسيطرة أمنية إسرائيلية. هكذا هو الأمر منذ العام 2007، ولم يوقف التقدم نحو التطبيع مع الدول العربية، بما في ذلك الاتفاق مع السعودية الذي هو مسألة وقت. ولكن كل شيء تحطم في 7 تشرين الأول. كان الخوف في إسرائيل حقيقياً ولم تترك المشاهد القادمة من الغلاف أي مجال للشك بأن الأمر يتعلق بمحاولة للتدمير. وحماس لم تهزم حتى بعد سبعة أشهر على ذلك، وليس لدى إسرائيل أي رؤية للتسوية، باستثناء حلم بن غفير وسموتريتش.
يجب قول الحقيقة. الساحة الفلسطينية في أزمة شديدة. لم تعثر القيادة بعد على صيغة توحد الفلسطينيين. مباركة الرئيس عباس باعتراف رمزي من إسبانيا والنرويج وإيرلندا، ورسائل الوحدة والمصالحة من إسماعيل هنية، كل ذلك لا يعكس الوضع الراهن. من ناحية عملية، يعود الفضل لحماس في إعادة القضية إلى رأس جدول الأعمال الدولي. والسلطة تفضل إدخال الجميع تحت مظلة م.ت.ف، بما في ذلك الاعتراف بالاتفاقات مع إسرائيل. الصراع الداخلي على السيطرة والمناصب قد يشكل وجه المنطقة في السنوات القادمة.
لا ينتظر العالم الوحدة أو تغيير رؤية حماس أو إصلاحات في م.ت.ف. الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو بالأساس رد على المشاهد التي تأتي من القطاع وعشرات آلاف القتلى وعدم قدرة إسرائيل على اتخاذ أي قرار. هي موجهة للشعب الفلسطيني، ليس لعباس ولا لهنية أو السنوار. وحتى لو انضمت دول أخرى إلى هذا الإعلان، فإن الواقع لن يتغير ما لم تعمل القيادة الفلسطينية على التغيير. وإذا حكمنا على الأمور حسب تجربة الماضي، فإن ردود الحكومة الإسرائيلية ستتراوح بين الهستيريا والذعر، التي جربناها من قبل. يجب على القيادة الفلسطينية في هذه الأجواء أن تثبت بأنها جديرة بتمثيل الشعب الذي تتفاخر بتمثيله، وتمهيد الأرض للدولة الفلسطينية. لا يكفي شكر الدول التي أيدت ذلك والشعارات حول المصالحة، وعليها أيضاً إثبات نفسها على الأرض، أولاً وقبل كل شيء أمام الفلسطينيين.
في ظل سفك الدماء والمعاناة، فإن أمر الساعة هو مطالبة العالم بترجمة عملية للاعتراف. يجب على عباس، بصراحته المبالغ فيها، إعداد دولة للجيل القادم والأجيال القادمة. وعلى رؤساء الفصائل في قطاع غزة، ومن بينها حماس، الإعلان عن الاستعداد لإجراء تغييرات جوهرية، بما في ذلك الاعتراف بحل الدولتين وتفكيك أذرعها العسكرية، وإلا فإن أي اعتراف سيبقى رمزياً.
بعد مرور خمسين سنة على إعلان ياسر عرفات، يجب على القادة الفلسطينيين حمل غصن الزيتون ومنع حكومة نتنياهو من إسقاطه على الأرض. وعبء الإثبات في الواقع غير ملقى عليهم وحدهم، ولكن لا يمكن المبالغة بعظم المسؤولية الملقاة عليهم.
جاكي خوري
هآرتس 23/5/2024