إسطنبول –”القدس العربي”:
مع انطلاقة الهجوم الواسع والعنيف، الذي شنته روسيا والنظام السوري على المناطق المدنية في إدلب ومحيطها من أرياف اللاذقية وحماة وحلب، بدأ فعلياً مئات آلاف المدنيين بالنزوح من مناطق الهجوم لمناطق أكثر أمناً قرب الحدود التركية، في خطوة يتوقع أن يعقبها محاولة الدخول إلى الأراضي التركية.
ويعيش في تركيا قرابة 4 مليون لاجئ سوري وصلوا تباعاً منذ بدء الأزمة السورية قبل نحو 8 سنوات، وباتوا يشكلون عبئاً سياسياً واقتصادياً واجتماعيا على الحكومة التركية التي تخشى أن يؤدي هجوم واسع على إدلب إلى نزوح ما بين مليون إلى 4 مليون شخص هو إجمالي عدد السكان المتبقين في إدلب ومحيطها.
وعملياً، أغلقت تركيا حدودها مع سوريا منذ سنوات وتمنع دخول اللاجئين بشكل عشوائي كما جرى في السنوات الأولى للأزمة وباتت تنظم عمليات الدخول والخروج للسورين من حدود البلدين ضمن إجراءات مشددة تمنع عمليات التسلل والعبور غير المنظم للحدود.
وقبيل أشهر، وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بكامل ثقله السياسي دولياً من اجل منع هجوم عسكري واسع على إدلب لأسباب متعددة كان أبرزها منع حصول أزمة لجوء جديدة وذلك مع تصاعد الأعباء الاقتصادية على البلاد واستخدام المعارضة التركية لورقة اللاجئين بشكل مكثف للإضرار بحظوظ الحزب الحاكم في الاستحقاقات الانتخابات الهامة التي شهدتها البلاد مؤخراً.
لكن وعقب أشهر على اتفاق المنطقة منزوعة السلاح في إدلب، واتفاقيات خفض التصعيد في محيطها، بدأت روسيا بهجمات هي الأوسع منذ أكثر من عام ونصف تمثلت في غارات جوية ومدفعية عنيفة جداً تطورت لاحقاً إلى هجوم بري وبدء الاستيلاء على ما تبقى من مناطق تسيطر عليها المعارضة وهو ما فتح الباب واسعاً أمام أزمة لجوء جديدة يتوقع أن تتصاعد تدريجياً لتشمل مئات آلاف المدنيين ولاحقاً يمكن أن يصل العدد إلى عدة ملايين في حال مهاجمة وسط إدلب برياً.
ولا يتوقع أن تبادر تركيا إلى فتح الحدود لإدخال النازحين من مناطق الحرب إلى داخل حدودها، وبالتالي فإنها تعمل ضمن استراتيجية متدرجة تتمثل بالمرحلة الأولى بمحاولة وقف الهجوم الروسي السوري أو بالحد الأدنى منع توسعه ليشمل المناطق ذات الكثافة السكانية العالية وخاصة وسط محافظة إدلب.
وفي مرحلة ثانية ستواصل تركيا محاولة ضبط عمليات النزوح لتبقى داخلية في إطار الأراضي السورية، على أن ينتقل النازحون تدريجياً من أرياف حلب وحماة واللاذقية إلا إدلب في حال نزوحهم ومن ثم إلى مناطق أخرى يسيطر عليها الجيش التركي في عفرين ومحيطها “مناطق غصن الزيتون” أو الباب وأعزاز وجرابلس “مناطق درع الفرات”.
وحتى الآن لا تضع تركيا في حساباتها إمكانية فتح الحدود مجدداً لاستقبال اللاجئين، كونها تعتبر أن هناك بديلاً آمناً داخل الأراضي السورية، لكن وفي حال تطور الهجوم ووصوله إلى المناطق الحدودية ربما تجد تركيا نفسها مجدداً مضطرة لفتح الحدود واستيعاب لاجئين في مخيمات حدودية مغلقة، أو السماح بدخولهم إلى عمق الأراضي التركية وبالتالي تشكل موجة نزوح جديدة من تركيا إلى أوروبا عبر البحر.
كما أن القوات التركية بالتعاون مع فصائل المعارضة المدعومة منها عملت على تشديد الإجراءات الأمنية ووضع ضوابط لعملية النزوح لمناطق سيطرتها، وذلك انطلاقاً من خشية تركيا بتسلل عناصر من تنظيمي “الدولة” وهيئة تحرير الشام إلى مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات للقيام بعمليات إرهابية في هذه المناطق أو داخل الأراضي التركية.
وكان ملف اللاجئين السوريين الحاضر الأكبر في الدعاية الانتخابية للمعارضة التركية في الانتخابات المحلية التي جرت نهاية شهر آذار/مارس الماضي، والتي تمكنت من الفوز في المحافظات الكبرى بالبلاد عقب تقديمها وعوداً بإعادة اللاجئين إلى بلادهم ووقف المساعدات المقدمة لهم من البلديات وغيرها من الوعود التي تستهدف التضييق على اللاجئين.
وعقب ذلك، توقعت مصادر تركية أن يبدأ أردوغان ببرنامج متوسط الأمد يهدف إلى مساعدة اللاجئين السوريين في العودة إلى بلادهم، في محاولة تدريجية لسحب ورقة اللاجئين من يد المعارضة قبيل الاستحقاق الانتخابي الأكبر عام 2023، لكن الإعلان عن إعادة الانتخابات في إسطنبول كبرى محافظات البلاد، يضغط على أردوغان بشكل أكبر من أجل عدم اتخاذ أي خطوة قد تقلل حظوظ حزبه بالفوز بانتخابات الإعادة المقررة في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران المقبل.
كما أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد من ارتفاع نسبة التضخم وزيادة مؤشر البطالة لدى الشباب وانخفاض قيمة العملية التركية بشكل غير مسبوق، تشكل تحدياً آخراً للرئيس التركي وتصعب عليه إمكانية تحمل موجة لجوء جديدة.
وبالتالي فإن التطورات الأخيرة تضع الرئيس التركي أمام تحديات صعبة، قد تدفعه مجدداً للضغط على أوروبا من أجل المساعدة في لجم هجوم روسيا والنظام على إدلب، أو تهديدهم بفتح الحدود التركية أمام الفارين من الموت وبالتالي فتح الباب واسعاً أمام موجة لجوء واسعة نحو أوروبا قد تكون أكبر من التي شهدها العالم بداية الأزمة السورية.