كيف ستحتفلون برأس السنة؟

حجم الخط
0

تشكل بعض الأوقات والمناسبات حدثا مهما في حياة البشر إذ ترتبط بها المشاريع والطموحات، أو تكون ذكرى سعيدة تبعث على السرور والتفاؤل، وتختلف الاحتفالات بحسب الثقافات والديانات، فمن الناس من يجد هذه المناسبات فرصة للغرق في المتع والملذات والسكر حتى الثمالة والغياب عن الوعي، بل ويتلازم فتح زجاجة الشمبانيا في الدول الأوروبية مع دقة الساعة الثانية عشرة منتصف الليل التي تعلن بداية أول يوم في السنة الميلادية الجديدة، ويستبشر آخرون بأعياد ميلادهم ويرونها مناسبة لكي يحتلوا مركز الاهتمام في حياة أهاليهم وأصدقائهم، ولا يحزن أحد يوم ميلاده أن عمره قل سنة، وأنه مشى خطوة جديدة نحو النهاية، خطوة لا يدري أتقربه من النهايات السعيدة، حيث سيعيش في ثبات ونبات الى الأبد، في الجنة ‘خالدين فيها ما دامت السموات والأرض’ أم سيكون من الأشقياء الخالدين في النار ما دامت السموات والأرض. لماذا نسعد بمناسبات ليس لها كثير معنى أو أهمية في حياتنا بينما لا ننتبه الى الأيام التي ينزل فيها من السماء رزقنا وأقدارنا وسعادتنا أو شقاؤنا؟ لماذا نسعد بانقضاء عام من عمرنا ولا نهتم بزيادة أكثر من ثمانين عاما من العمر السعيد الرغيد المأجور في ليلة واحدة؟ هل هناك خصوصية لرأس السنة الميلادية تتعلق بمستقبلنا حتى نعلق عليها الآمال وننتظرها ونحتفل بها؟ هل ستنقلب الأرض رأسا على عقب يوم ميلادنا وتتغير النواميس أم أن حالنا كالذي يرقص في العتمة ولا يدري به أحد؟ هل نحن من أولياء الله حتى نتأمل أن ننتصر في رأس السنة مثلا، ويصدع البيت الأبيض أو الكنيست الاسرائيلي يوم ميلادنا كما تصدع إيوان كسرى وانطفأت نار المجوس لميلاد خير الخلق صلى الله عليه وسلم؟ لسنا نفتقر الى المناسبات والأعياد، بل نفتقر الى فهمها والتعامل معها، وأن الفرح لا يكون بالمجان بدون تعب أو نصب، بل يرتبط بالطاعة ‘قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون’ لذا كان لنا عيدان فقط بعد عبادتين وركنين من أعظم العبادات: الصوم الذي يُعتق من النار، والحج الذي ُيولد فيه الإنسان من جديد مطهرا من الذنوب والأوزار. مناسبتان مقترنتان بالتوبة والإنابة تستحقان الفرح والاحتفال فقد جاء في الأثر أن العبد إذا تاب نادى مناد في السماء أن هلموا لتهنئة فلان فقد اصطلح مع الله. كان رأس سنة الصالحين يبدأ في رمضان وينتهي به، ففي ليلة القدر يتقرر مصير البشر، قال العلماء ‘إن الله ينسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر ما يكون في تلك السنة من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من خير وشر، وصالح وطالح، حتى إن الرجل ليمشي في الأسواق وينكح ويُولد له وقد وقع اسمه في الموتى’، كما يخرق الله نواميس الكون لأجل عباده، وملائكته طوافون عليهم يتنزلون بالسلام والرحمة والأمان، فليلة القدر هي ليلة الدعاء والرغبات والأمنيات، كل شيء بنفسك من أول حبة الملح الى الفردوس الأعلى، لذا كان من دعاء الصالحين ‘اللهم اجعل فيما تقضي من الأمر المحتوم، وفيما تفرق من الأمر الحكيم في ليلة القدر، من القضاء الذي لا يرد ولا يبدل أن تكتبني من العتقاء من النار، وأن تكتبني من حجاج بيتك الحرام، واجعل اللهم فيما تقضي وتقدر أن تطيل عمري وتوسع علي من الرزق الحلال، اللهم ما قصر عنه رأيي ولم تبلغه نيتي ولم تبلغه مسألتي من خير وعدته أحدا من خلقك أو خيرا أنت معطيه أحدا من عبادك فإني أرغب إليك فيه، وأسألك برحمتك يا أرحم الراحمين’. ليلة القدر هي الفرصة التي لا تتكرر خلال السنة بما فيها من البركات والقبول والإجابة لوضع كل ما أنقض ظهرك، ودفع ما زاد همك وتسهيل ما صعب عليك، هذه ليلة المضطرين والمذنبين والمسرفين على أنفسهم، ونقطة التحول الحقيقية بين ما كان قبل الليلة وما سيكون بعدها وقد توالت الدعوات لرب العباد بالرحمات واللطف في الأقدار وأن يجعل عواقب أمورنا رشدا. قد تمر رأس سنتنا ونحن واقفون على الأعراف، لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، لا مع السعداء ولا مع الأشقياء، نسمع دعاء وتأمين من يسألون الله الفردوس الأعلى من الجنة ولذة النظر الى وجهه الكريم وصحبة نبيه ونخجل أن نؤمن ونحن نعلم أننا لا نستحق ما يدعون به، ولكن أن نقف مع الصالحين، ولو لم نكن منهم، ونصبر أنفسنا معهم، وندعو أن لا يجعلنا الله في القوم الظالمين خير من أن نركن الى أصحاب الدنيا، وهذه وصية ابن الجوزي اذ قال: لا تسأم من الوقوف على بابه ولو طُردت، ولا تقطع الاعتذار ولو رُددت، فإن فُتح الباب للمقبولين، فادخل دخول المتطفلين، ومد يدك إليه وقل له مسكين فتصدق عليه، فإنما الصدقات للفقراء والمساكين، أن نحشر أنفسنا مع زمرة المقبولين، كذلك الشقي الذي مر بالصالحين فجلس إليهم وهو ليس مثلهم فغفر الله له بصحبتهم، خير من أن نصنف مع الخاسرين الذين طُبع على قلوبهم. كان الصحابة يتهادى أحدهم كورق الشجر الذي يحركه الريح لا تكاد تحملهم أقدامهم لقدر ما ينصبون ويتعبون استقبالا لرأس سنتهم، يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، هكذا كانوا يحتفلون، فكيف سنحتفل أنا وأنت؟ اللهم بلغنا ليلة القدر على أحسن حال من مرضاتك وعبادتك وأطلق ألسنتنا بالدعاء وأكرمنا بالقبول إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا سيدي أولى بذا كرما قد شبت في الرق فاعتقني من النار د.

ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية