كيف ستدخل مالي التاريخ؟

حجم الخط
0

الأحداث التي توالت وما زالت، تتكرر بصورها القاتمة والموحشة، في مناطق شتى من بلاد العالم الإسلامي وهاهي آخرها في مالي الدولة الأفريقية ذات الأغلبية الإسلامية (95 ‘)، هذه الأحداث تضع أمام المتابع ‘الإسلامي’ على وجه الخصوص، عدة محاور للتأمل وللتساؤل، وخطوط عريضة لتاريخ الجهاد الإسلامي في زماننا هذا؛ بدءا بأفغانستان مروراً بالشيشان والعراق واليمن وغيرها، وانتهاءً بالمغرب العربي ومالي.ثمة اختصار غريب وعجيب لمفهوم الدولة الإسلامية؛ حرقٌ للمراحل، عدم مبالاة بالنتائج المُرة والمؤسفة، وكأن دولة الإسلام يجب أن تقـــام على أنقاض الأشلاء والدماء، والمصائب والآلام ومعهــــا الآهات والأحزان التي كلها تترى على أهل الإسلام بالذات، وبيد إخوانهم وأبنائهم الذين يمنونهم بقيام عدالة السماء على بسيطة الأرض؟! وهم لم يحسبوا للنتائج حساباً، وكأن المسألة هي مقاتلة العدو الكافر، والانتصار عليه بولاية المجاهدين الذي يعتقدون جزماً أن الملائكة ستنزل تقاتل معهم وهي التي قالت لربها: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}، فكيف بهذه الملائكة ستنزل تقاتل مع قوم لم يقرأوا ويفقهوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته وطريقته في قيام الدولة الإسلامية؟ وهو المؤيد بالوحي والمستنصر بملائكة الرعب والريح والجبال، والمعزز بتأييد من ربه ومرسله إلى الناس رحمة للعالمين، فمن مع هؤلاء الفتية المتحمسة التي تحلم بقيام شريعة الله على الأرض، وهي ممسكة ب’الكلاشنكوف’ و’آر بي جي’ تتنقل بين الجبال والصحاري والقفار، وهي تتخيل نفسها كأنها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين!! وشتان بين زمنين، وبين نفسين، وبين تربيتين، شتان شتان!وضِعَت فكرة الدولة أو الإمارة الإسلامية، فكانت قنبلة موقوتة، ليس على التنظيم الجهادي بكل تسمياته المتعددة؛ تنظيم القاعدة، أنصار الشريعة، أنصار الدين، التوحيد والجهاد، بل موقوتة متفجرة تفجيراً غاية في الفساد والإفساد في وجه عامة المسلمين؛ إذ كثير منهم عجزة وأطفال وجهلة وغرباء عن مفهوم الشريعة والدين، فتفجير هذه الفكرة يودي بهم إلى الفقر، والتهجير، والنزوح، وما يترتب على ذلك من مصائب ونكبات تجعل المسلم البسيط الذي تلظى من جورها يرفع أكف الضراعة إلى ربه الرحيم اللطيف أن ينتقم في من كان سبباً فيما حصل له، فليت شعري أين ستصل هذه الدعوات ومن ستصيب؟! مئات الآف من النازحين في ‘مالي’، ومن قبل في أبين جنوب اليمن، وقبلهما في العراق وأفغانستان، صور شتّى، ومشاهد متعددة، ناهيك عن القتلى ومعهم الثكلى والآرامل والأيتام. وتقرأ رؤية اتحاد علماء أفريقيا عن الأحداث في مالي: ‘ ترتب على هذه الحرب وسيطرة الجماعات المسلحة على المنطقة كوارث ومآسي؛ فبسبب انهيار مؤسسات الدولة في تلك المنطقة وتنوع الجماعات المسلحة حدثت أعمال سلب ونهب واغتصاب على نطاق واسع في هذه المناطق لاسيما في إقليم غاو؛ واستغلت هذا الوضع أيضا الجماعات الإجرامية التي كانت موجودة في المنطقة وتعمل في التهريب والجريمة المنظمة وقطع الطرق’.الصور الذهنية في عقول البسطاء الذين اكتووا بلظى نيران المعارك: أن من أدخل علينا الطائرات بدون طيار، واستباحت سيادة الوطن، وقتلت المسلحين والأبرياء على حد سواء، هم هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بأنهم ‘أنصار للشريعة’، الذين دخلوا المناطق الآمنة واستدرجوا الجيوش النظامية المحلية والقوى العسكرية الغربية، أليس المفترض فيهم أنهم رحمة للعالمين ودعاة للحق المبين، لكنهم وللأسف كانوا وبالاً وتدميراً، هؤلاء العوام هم مادة الدعوة والمستهدفين من الخطاب الدعوي، تسكن قلوبهم الجهالة والانحراف القلبي الذي يحتاج إلى استعمار بالكلمة الطيبة والحكمة والموعظة الحسنة، فإذا بهم يصرون على الاستمرار على معتقدهم لسان حالهم: ‘إذا كسرتم مزاراتنا التي نحبها ونعظمها على الأرض فلن تحطموها على القلب، إنها تسكن بكل طمأنينة وهدوء عليها’!! أليس كما يقول أحد المفكرين الحركيين الإسلاميين بأن ‘الإسلام – وهو أرقى تصور للوجود وللحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلا مراء – هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين؛ وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين’؟! فكيف انتقلت الفكرة الجهادية من مدافعة العدو المحتل وإخراجه من ديار الإسلام، إلى فكرة الغزو وقيام الإمارة الإسلامية بسيوف من خشب، وضعف في أبسط مقومات وأسس الدولة، وغياب مستهجن لأسباب التغيير، ومسببات البناء والتعمير؟ إنه العيش في هلامية التفكير الطوباوي الخيالي الموغل في أحلام ‘الدولة الإسلامية العادلة’ كأحلام ‘الجمهورية الأفلاطونية الفاضلة’!طه بافضل – حضرموتqmn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية