كيف سترد الولايات المتحدة إذا أسقطتها الصين عن عرش الاقتصاد العالمي؟

إبراهيم نوار 
حجم الخط
2

أعلنت الصين فعلا الموعد الذي من المرجح أن تصبح فيه القوة الاقتصادية الأولى في العالم رسميا، في عام 2035 وهو ما يمثل تحديا ضخما للولايات المتحدة التي تحارب يسارا ويمينا من أجل الاحتفاظ بالمركز الأول الذي ظلت تحتكره منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى الآن. الصين تتقدم فعلا بسرعة، وهي تحتل المركز الأول من حيث حجم الناتج مقوما بالقوة الشرائية العينية لليوان مقابل الدولار. ومن المتوقع أن يكون حجمها الاقتصادي وفقا لهذا المعيار ضعف حجم الاقتصاد الأمريكي في منتصف القرن الحالي. لكن حجم الناتج المحلي ليس هو المعيار الحاكم أو الوحيد لقياس القوة الاقتصادية للدولة، أو ترتيب مركزها الاقتصادي بين الدول الأخرى في العالم. وهناك جدل أكاديمي كبير امتد أيضا إلى دوائر صنع السياسات الاقتصادية حول محورية الناتج المحلي الإجمالي، وهو معيار كمي ربما يفتقد إلى كثير من الموضوعية. ومع ذلك، وبما أن علماء الاقتصاد وصناعة السياسة الاقتصادية لم يتوصلوا بعد إلى معيار بديل لاستخدامه في قياس المركز الاقتصادي للدولة، فإننا سنظل نحتكم إليه، وهو ما يبرر الادعاء الصيني بالوصول إلى المركز الأول اقتصاديا على مستوى العالم في عام 2035. وقد تصبح الصين فعلا أكبر اقتصاد في العالم بالقيمة الرسمية للدولار، لكن ذلك ليس شرطا لأن تحتل ايضا مكانة أكبر قوة اقتصادية في العالم. وقياسا على السباق الاقتصادي بين الولايات المتحدة وبريطانيا، فعلى الرغم من أن الأولى كانت الأكبر اقتصاديا منذ عام 1860 تقريبا، إلا أن بريطانيا ظلت تحتل مكانة القوة الاقتصادية الأولى عالميا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما خرجت لندن من الحرب مدينة وطلبت الاقتراض من واشنطن.

خطة عمل

سعي الصين للقفز فوق الولايات المتحدة وتجاوزها اقتصاديا ليس مجرد طموح لدى القيادة والمجتمع في الصبن، لكنه خطة عمل يتم تنفيذها بجدية، ويجري تقييمها سنة بسنة، ولا يتم الانتقال منها إلا بعد تحقيق أهدافها بالكامل. ولا تعتمد الصين على نصائح البنك الدولي أو على قروضه، لكنها تستمع بالتأكيد إلى ملاحظات الصندوق وخبرائه، إضافة إلى ملاحظات خبراء البنك الدولي ومؤسسات التمويل الدولية منذ بدأت خطة الانتقال الاقتصادي من نظام مغلق إلى نظام مفتوح في أواخر سبعينات القرن الماضي (بعد مصر). وقد حرصت الصين أخيرا على دعوة مدير صندوق النقد الدولي الحالي كريستالينا غورغييفا للمشاركة في منتدى اقتصادي لمناقشة آفاق وتحديات النمو في عصر مليء بالاضطرابات والصدمات، التي قامت إلى تخفيض معدلات النمو في الدول الصناعية الغربية، وأطلقت عقال التضخم، وأضعفت انتاجية رأس المال. توقعات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن الصين ستحقق نمو هذا العام بنسبة 4.6 في المئة مقابل 5.2 في المئة في العام الماضي. كما يتوقع الصندوق أيضا ان يتراجع معدل النمو إلى 3.5 في المئة عام 2028.
وعلى الرغم من الحملة الإعلامية العالمية التي تروج لفشل الصين في تحقيق الأهداف الاقتصادية المرسومة، وتحذر من خطورة اعتماد بعض الدول والشركات على الإمدادات من هناك، فإن غورغييفا حافظت خلال مداخلتها على نظرة متفائلة ليس بخصوص استمرار النمو الموجب في الصين فقط، ولكن أيضا بخصوص إيجابية الدور الذي تلعبه كمحرك قوى ونشط للنمو الاقتصادي في العالم.
وقالت مديرة صندوق النقد الدولي في مداخلتها على المدى المتوسط فإن الصين ستظل مساهما رئيسيا في دفع النمو الاقتصادي في العالم. ورغم انخفاض معدل نمو الإنتاجية وارتفاع نسبة كبار السن بين السكان فإن هناك فرصا هائلة للدخول إلى مرحلة من النمو النوعي السريع في الإنتاجية. وإذا تبنت القيادة الصينية حزمة من السياسات المحفزة لنمو السوق، فإن حجم الاقتصاد يمكن أن يتسع بنسبة 20 في المئة عما هو الآن خلال الـ 15 عاما المقبلة، أو ما يعادل 3.5 تريليون دولار بأسعار اليوم.
وحددت غورغييفا أهم التحديات التي تواجهها الصين حاليا في مجالين أساسيين، الأول هو إصلاح سوق العقارات الذي يمثل حوالي ثلث حجم الاقتصاد المحلي، والثاني هو إصلاح مالية الحكومات المحلية في المقاطعات. وأظن أن الحكومة الصينية تتعامل مع كل منهما وفق مبادئ شفافة على أسس اقتصاد السوق، مع المحافظة على فرص التنمية الآمنة المستدامة. وهي تتعامل مع كل من التحديين بمنطق المحافظة على استقرار السوق، والسماح للوحدات الاقتصادية الخاصة او العامة بتعديل اوضاعها بما يتفق مع تعزيز معايير الكفاءة والمنافسة. وقالت إن النجاح في مواجهة هذين التحديين ضروري جدا للانتقال بيسر إلى فترة جديدة من النمو النوعي السريع، الذي يعتمد على التكنولوجيا المتقدمة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وقد حدد صندوق النقد الدولي أربعة مجالات رئيسية لزيادة الاستعداد لمرحلة النمو التكنولوجي السريع، تتمثل في إقامة البنية الأساسية الرقمية، تنظيم وتنمية أسواق العمل ورأس المال، وتعزيز التجديد والابتكار التكنولوجي، وأخيرا تطوير اللوائح والإجراءات وأخلاقيات العمل والإنتاج بما يتوافق مع النمو التكنولوجي النوعي السريع. وأكدت غورييفا في مداخلتها أن تحليل الصندوق لما تقوم به الصين في المجالات الأربعة يظهر انها تأتي في مقدمة الدول النامية من ناحية مستوى الاستعداد، جنبا إلى جنب مع ترسيخ مقومات النمو الأخضر، حيث تتصدر العالم كله في إنتاج الطاقة المتجددة ومستلزمات إنتاجها وتطوير التكنولوجيا الدافعة لها.

مؤشرات النمو

أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في عام 2010 من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، ثم زادت توقعات تفوقها على اقتصاد الولايات المتحدة، مع اعتقاد أغلب المحللين وصناع السياسة الاقتصادية أنها مسألة وقت فقط قبل أن يحدث ذلك. ويرجع ذلك إلى التوسع الاقتصادي الكبير الذي شهدته البلاد. وقد بلغ معدل النمو الاقتصادي الحقيقي في الصين خلال العقد الأول من القرن الحالي 10.5 في المئة في المتوسط سنويا. لكنه تراجع في العقد الثاني إلى 7.3 في المئة فقط. وبسبب تداعيات صدمة كوفيد-19 هبط معدل النمو في العام 2020 إلى 2.2 في المئة فقط. هذا المعدل كان استثنائيا نظرا لأن معظم دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سجلت معدلات نمو سالبة في ذلك العام. ثم عاد الاقتصاد الصيني إلى تحقيق نمو متباطئ بعد ذلك، تراجع من حوالي 8 في المئة إلى 5 في المئة، مع المحافظة على قدر كبير من الاستقرار النقدي واعتدال التضخم. وفي العام الماضي استطاع الاقتصاد تحقيق معدل نمو بلغ 5.2 في المئة متجاوزا المعدل المستهدف في الخطة البالغ 5 في المئة فقط، على الرغم من الصعوبات الناتجة عن انخفاض الطلب الخارجي. ويتوقع البنك الدولي ان يبلغ حجم الاقتصاد الصيني بنهاية العام الحالي 18.8 تريليون دولار، وأن يتجاوز عتبة ال 20 تريليون دولار عام 2026 مسجلا 20.6 تريليون دولار. بمقياس معادل القوة الشرائية للدولار يقدر حجم الاقتصاد الصيني عام 2030 بحوالي 64.2 تريليون دولار مقابل 31 تريليون دولار للولايات المتحدة التي من المتوقع ان تحتل المركز الثالث عالميا بعد الهند. ويتوقع أن تكون الهند في المركز الثاني بعد الصين من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 46.3 تريليون دولار.

تقدم اقتصادي ثابت ومستقر

ما تزال الصين تحرز نجاحات كبيرة في التنمية ومواجهة الصدمات المفاجئة مثل صدمة كورونا، أو تجنبها مثل صدمات التضخم الناجمة عن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود واضطراب سلاسل الإنتاج، إضافة إلى عدم الوقوع في مصيدة التأثير السلبي لسياسة اسعار الفائدة المرتفعة التي اتبعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. ففي العام الحالي ذهبت توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن الصين ستفشل في تحقيق هدف النمو المحدد بنسبة 5 في المئة، لكن المؤشرات الحالية لا تساند هذه التوقعات، مع حدوث انطلاقة كبيرة للنمو في الربع الأول وفي بداية الربع الثاني، على الرغم من العقوبات التكنولوجية والتجارية والمالية التي تفرضها عليها الولايات المتحدة وتحث شركاءها أيضا على الالتزام بها.
وتشير دراسة أعدها خبراء وباحثون من خمس دول (الولايات المتحدة وكندا وروسيا والهند والصين) وأعلنت نتائجها بمناسبة انعقاد منتدى التنمية الصيني في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي إلى أن الصين تحتاج إلى ضمان استدامة مقومات النمو التراكمي المتعدد الأبعاد، كي تحقق رؤية 2035 في التنمية النوعية عالية المستوى، وتطوير قوى إنتاج ذات خصائص نوعية جديدة غير تلك التي اعتمدت عليها في مراحل النمو السابقة. وطبقا للتقرير الصادر عن هذه المجموعة من الخبراء فإن الصين ستحقق هدف النمو المحدد للعام الحالي بنسبة 5 في المئة، كما ستحقق معدلا متوسطا بنسبة 4 في المئة سنويا حتى عام 2035 ومن ثم سيتجاوز حجم ناتجها المحلي الإجمالي مثيله في الولايات المتحدة. وجاء في التقرير أيضا ان الدول النامية خارج مجموعة الدول الصناعية الغربية ستصبح محركا رئيسيا من محركات النمو في العالم خلال الفترة نفسها. وربما تستطيع هذه الدول مضاعفة حجم اقتصادها المحلي خلال عقد واحد من الزمن. ومع أن بعض كبار المفكرين الأمريكيين مثل جوزيف ناي الابن، الذي ابتكر مفهوم القوة الناعمة، يشكك في إمكانات التفوق الاقتصادي لعالم الجنوب، فإن هذا التشكيك يتناقض مع استنتاجات قدمها ناي نفسه في بداية العقد الثاني من القرن الحالي بشأن انتقال محور القوة من الغرب إلى الشرق.

الصناعات القائدة الجديدة

تدرك السياسة الاقتصادية للصين أن عالم اليوم يختلف عما كان عليه بالأمس، وأن عالم الغد ملئ بالتحديات التي يجب الاستعداد لها مبكرا. في هذا السياق فإن الصين استعدت مبكرا لعصر «التحول الطاقوي» الذي يستهدف تكثيف الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة للحد من الانبعاثات الكربونية في العالم. ونظرا لأنها تسترشد بمبدأ إقامة الجديد قبل التخلي عن القديم، فإنها أدخلت تعديلات جوهرية في جانبي العرض والطلب. ففي جانب الطلب تهتم الصين بتنمية الطلب المحلي النوعي الذي يتوافق مع نمط احتياجات الطبقة الوسطى، مع رفع مستوى الدخل الفردي لتوسيع هذه الطبقة محليا، بحيث تصبح ظهيرا للنمو الاقتصادي في حال ضعف وتراجع الطلب الخارجي. لقد كانت صدمة كورونا المفاجئة درسا مهما للصين تعلمت منه ضرورة التقليل من الإفراط في الاعتماد على التصدير (الطلب الخارجي) كمحرك للنمو. وقد استطاعت الصين أن تقطع شوطا طويلا على هذا الطريق.
أما في جانب العرض فإنها قررت منذ سنوات بناء قاعدة صلبة ومتنوعة لثلاث صناعات رئيسية جديدة كي تصبح هي الصناعات القائدة للنمو الاقتصادي. هذه الصناعات الثلاث أولها صناعة السيارات الكهربائية، والثانية هي صناعة البطاريات الكهربائية، والثالثة هي صناعة الخلايا الضوئية ومعها صناعات إنتاج الطاقة المتجددة مثال توربينات الرياح. هذه الصناعات تمثل الان اهم محركات النمو الصناعي في الصين، وقد حلت من حيث القوة الدافعة محل الصناعات الثلاث القائدة القديمة وهي صناعات الأجهزة المنزلية والملابس والأثاث. الصناعات الثلاث القائدة الجديدة تتوافق بشكل عام مع احتياجات التحول الأخضر في العالم من الطاقة التقليدية إلى الطاقة المتجددة كما أنه يتوافق أيضا مع احتياجات التحول التكنولوجي في العالم إلى عصر الذكاء الاصطناعي. وقد بلغ معدل النمو السنوي لإنتاج السيارات الكهربائية في الصين في العام الماضي 36 في المئة مقارنة بنمو اقتصادي بمعدل 5.2 في المئة. أي أن معدل النمو في إنتاج السيارات الكهربائية كان يعادل ما يقرب من 6 أمثال معدل النمو الاقتصادي بشكل عام. لكن مصادر الصناعة تتوقع أن ينخفض معدل نمو انتاج السيارات الكهربائية في العام الحالي إلى 25 في المئة فقط. ومع ذلك فإن هذا المعدل يزيد عن متوسط النمو الاقتصادي المستهدف في خطة الحكومة بحوالي 5 مرات. وتستحوذ الصين على نسبة تتراوح بين 65 إلى 70 في المئة من مبيعات السيارات الكهربائية في العالم.
وتتمتع الصناعة الصينية الجديدة بكفاءة عالية مقارنة بالصناعات المنافسة في كل أنحاء العالم. على سبيل المثال فإن صحيفة فايينشال تايمز ذكرت في تقرير في اب/أغسطس الماضي أن إنتاج غيغا/وات ساعة من الكهرباء باستخدام البطاريات الصينية يتكلف حوالي 60 مليون دولار، في حين أنه باستخدام البطاريات المصنوعة في كوريا الجنوبية يتكلف 88 مليون دولار، أي أن الميزة التنافسية لصالح الصين تزيد عن 30 في المئة. الصناعة الثالثة القائدة الجديدة هي الخلايا الشمسية. ومن المتوقع ان تسيطر الصين في هذا المجال على 80 في المئة من السوق العالمي حتى عام 2026 طبقا لدراسة اعدتها مؤسسة وود ماكنزي للاستشارات الاقتصادية.
كلمة السر في النجاح هي رسم سياسة اقتصادية محلية متعددة المستويات، متنوعة الأدوات، متوافقة مع تحقيق أهداف التنمية دون تدخل أو إملاءات من الخارج، ودون خلط بين تطلعات النظام السياسي إلى مزيد من الشرعية وبين تطلعات تحقيق أهداف التنمية للمجتمع والأفراد. هذه السياسة تسترشد بعدد من المبادئ المستقرة كما جاء في للدورة الثانية للمجلس الوطني الـ 14 لنواب الشعب الصيني، منها على سبيل المثال مبدأ «إقامة الجديد قبل التخلص من القديم» الذي يهدف إلى تحقيق التنمية النوعية مع المحافظة على الاستقرار الاقتصادي. وتستهدف السياسة الاقتصادية الصينية بشكل عام بناء نموذج تنموي جذاب بالاعتماد على النفس، واجتثاث الفقر، وتحقيق معدل نمو سريع للطبقة الوسطى، مع إشاعة نمط حياة يتوفر فيه القدر الكافي من الرفاهية الفردية دون الوقوع في تقليد النمط الغربي. ويمثل نمو الطبقة الوسطى في الصين، التي يعادل حجمها الآن حجم كل عدد سكان الولايات المتحدة تقريبا مسألة محورية للنمو واستقرار النظام في مواجهة الضغوط الخارجية. تفسير ذلك هو أن الصين تحتاج أكثر إلى زيادة الطلب المحلي لمقاومة تداعيات تراجع الطلب الخارجي بسبب الحروب التجارية والمالية والتكنولوجية التي تشنها الولايات المتحدة ودول حلف الأطلنطي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية