كيف سيتعامل البيت الأبيض مع نتنياهو؟.. لماذا أرجأ بايدن اللقاء به.. وهل تقرّب الزيارة الصفقة؟

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”: حَمَلَ مراقبون في إسرائيل بشدة على رئيس حكومتها وزوجته، بعد نشرهما صوراً من داخل الطائرة الفاخرة (“جناحا صهيون”)، التي نقلتْهما، أمس، من اللد إلى واشنطن، وهي عبارة عن فندق طائر يشمل مقاعد وثيرة، وغرفة نوم، وغرفة عمل، ومطبخ، وتُستخدم للمرة الأولى بعد اقتنائها وتجهيزها بكلفة نحو 800 مليون دولار، فيما يكابد الإسرائيليون أزمةً ونزيفاً في عدة مستويات، وسط حرب مكلفة منذ عشرة شهور.

وبدت سارة نتنياهو، في الصورة المنشورة في أنستغرام من داخل إحدى صالات الطائرة، تتحدث بالهاتف مع بعض أقارب نساء محتجزات في غزة، ولاحقاً سارعت لمحو المنشور، بعدما تبيّنَ أنها أخطأت في كتابة أسمائهم، فعادت للنشر من جديد.

في صورة أخرى داخل صالة فاخرة في الطائرة، بدت سارة نتنياهو لجانب زوجها وهو يمسك أوراقاً بيده اليمنى ويقرأ، وقَلَماً في يده اليسرى، ومن أمامه قبعة كتب عليها بالإنكليزية: “النصر المطلق”.

وحَمَلَت المعلقة السياسية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” سيما كادمون على الزوجين نتنياهو، وقالت إن مثل هذه الصور يعكس انفصاماً عن الواقع، وبلادة إحساس على ارتفاع 30 ألف قدم. وهذا ما يشير له، بلغة أقسى، محللُ الشؤون الحزبية والسياسية في صحيفة “هآرتس” يوسي فرطر، الذي يقول إن نتنياهو، محمولاً على “جناحي الصهيونية”، سيلتقي في واشنطن رئيساً مسؤولاً أكثر منه بكثير.

ويضيف فرطر: “نتنياهو وزوجته وصلا لذروة جديدة من الانقطاع، الانفصام، الجفاء، قلّة الانتماء، وبلادة الإحساس في السفرة الجوية الأولى على متن “كنفي تسيون” الطائرة الفندقية.

يشار إلى أن وسائل الإعلام العبرية حملت على سارة نتنياهو في الزيارة السابقة لواشنطن، قبل الحرب على غزة، بعدما كشف عن قيامها باصطحاب كمية كبيرة من الثياب والملبوسات القذرة من أجل غسلها وكيّها في الفندق الفاخر الذي تنزل فيه برفقة زوجها.

إرجاء اللقاء للخميس

بخلاف ما نُشر في إسرائيل، كُشف، اليوم الثلاثاء، عن إرجاء اللقاء بين نتنياهو وبايدن وهاريس من اليوم إلى بعد غد الخميس، رغم أن نتنياهو خطّطَ للقاء دونالد ترامب الخميس. وطبقاً لبعض المصادر العبرية؛ فإن الإرجاء للخميس جاء نتيجة رغبة بايدن مخاطبة الأمريكيين أولاً عن انسحابه في خطاب خاص للأمة. بيد أنه من غير المستبعد أن الإرجاء جاء بهدف التمهّل ريثما ترى الإدارة الأمريكية ما سيتضمنه خطاب نتنياهو أمام الكونغرس، غداً الأربعاء، خاصة أن الحزب الديموقراطي يذكر خطابه في الكونغرس، عام 2015، وهاجم فيه الرئيس براك أوباما، ودفع نحو إلغاء الاتفاق النووي، مثلما يذكر له تصريحاته ومواقفه المنحازة للحزب الجمهوري.

نتنياهو، وقبيل سفره، قال، من جملة ما قاله في مطار اللد، إنه سيحافظ على سياسات المسافة المتساوية من الحزبين الجمهوري والديموقراطي، لكنه فعلياً يكذب، وهو منحاز، منذ سنوات، للحزب الجمهوري، وينتظر عودة ترامب.

على الأقل لا تلحق ضرراً

وهذا ما تتوقف عنده صحيفة “هآرتس”، في افتتاحيتها، اليوم، بعنوان “على الأقل لا تلحق ضرراً”، باستذكارها أن نتنياهو قال، قبيل سفره: “في خطابي سأشدّد على أهمية سياسة الصداقة مع الحزبين، والتأكيد على أن إسرائيل هي الحليفة التي لا يوجد لها بديل. هذا كلام جميل لكن من خَرّبَ سياسات الحفاظ على العلاقة مع الحزبين هو نتنياهو نفسه: خطابه في الكونغرس، عام 2015، لتخريب الاتفاق النووي. هذه المرة ربما يخفّف وطأة جحوده أمام بايدن، الصديق الصهيوني الذي ساعد إسرائيل كل الوقت. نأمل أن يواصل بايدن تطبيق نظريته بصفقة كبرى، تشمل وقف الحرب، واستعادة المحتجزين، والشروع بمفاوضات لتسوية الدولتين.. على الأقل نأمل ألا يلحق نتنياهو ضرراً جديداً”.

العودة للمنطق

وهنا يحذّر السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن زلمان شوفال، ضمن مقال تنشره صحيفة “معاريف”، اليوم، من أن ترامب متقلّبٌ، ومن شأن انتخابه أن يمسّ بمصالح إسرائيل. ويعلّل شوفال تحذيره بالقول: “بعد التتويج العملي لترامب رئيساً للولايات المتحدة، عقب انسحاب بايدن، ينبغي أن يكونوا قلقين في إسرائيل”. لافتاً إلى أن مضمون حملة ترامب يدلل على المخاطر: هناك نقاط في حملة ترامب تبعث على سرور إسرائيل، لكن هناك نقاطاً أخرى من شأنها أن تنطوي على مشكلة بالنسبة لنا. حينما يتحدث عن “ترميم السلام في الشرق الأوسط”، وعن “تغطية الولايات المتحدة بقبة حديدية” فهذا ينذر بانسحاب أمريكي من الشرق الأوسط” بما لا تشتهيه إسرائيل.

يشار إلى أن ترامب سبق أن قال، قبل نحو الشهر، إنه ينبغي وقف الحرب واستعادة المخطوفين.

نتائج مرتقبة للزيارة

وحالياً، وفي الفترة المتبقية لبايدن داخل البيت الأبيض، كيف يكون الاستقبال الرسمي لنتنياهو، وكيف يتعامل معه البيت الأبيض، هل، وكيف، تؤثّر الزيارة، التي فرضت على الإدارة الأمريكية (بعد دعوة وجهها الحزب الجمهوري لنتنياهو لزيارة الكونغرس، وما لبث أن انضم لها الحزب الديموقراطي)، على مستقبل الحرب واحتمالات الصفقة؟

على خلفية اجتياح خان يونس مجدّداً، قال نتنياهو، قبيل مغادرته البلاد، إنه ملتزمٌ باستعادة المخطوفين، وفي واشنطن، وخلال اللقاء مع مندوبين عن عائلات المحتجزين المرافقين له، قال، بلغة تبدو متفائلة، إن الظروف لصفقة بدأت تنضج بفضل الضغط العسكري القوي جداً على “حماس”.

بيد أن أوساطاً واسعة في إسرائيل ما زالت تشكك بنوايا نتنياهو، وتتهمه بمواصلة تعطيل مداولات الصفقة لحساباته هو، رغم أن المؤسسة الأمنية ترى بها مصلحة إسرائيلية عليا، وعبرّ عن ذلك علانية وزير الأمن غالانت عدة مرات. وفعلاً، لو كان نتنياهو معنياً بالصفقة لما أبقى الطاقم الإسرائيلي المفاوض في البلاد حتى بعد غد الخميس، حيث يفترض به السفر للقاهرة والدوحة لاستئناف المفاوضات، لكن نتنياهو جعل حبل صلاحيات الطاقم قصيراً، بل قام مجدّداً بتفخيخ المداولات بمسمار جحا: يتمسك بسيطرة الاحتلال على محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، ومعبر رفح، وعلى محور “نتساريم”، ومنع عودة المسلحين لشمال القطاع، وهذا مناف للنص المقترح الذي أعلنه بايدن في 27  أيار الماضي، وهو نص إسرائيلي في أصله، ووافق عليه نتنياهو بنفسه. وهذا ما يراه مراقبون إسرائيليون، وبحق، تفجيراً للمفاوضات، خاصة بعدما أبدت “حماس”، بخلاف نتنياهو، مرونة وليونة بموافقتها على مقترح لا يوقف الحرب فوراً.

على خلفية ذلك وغيره؛ كيف سيتصرف بايدن، وهو صاحب حساب شخصي مفتوح معه؟ هل يمارس ضغطاً أكبر على نتنياهو وإسرائيل؟

من جهته، أكد بايدن أنه حتى نهاية ولايته يرغب بمواصلة العمل لإنهاء الحرب، واستعادة المخطوفين، وهذا هدف يرفضه نتنياهو الطامع بإطالة أمد الحرب وبالبقاء في التاريخ وسدة الحكم، وبعيداً عن مخاطر الإدانة والسجن، تحت شعار “نصر مطلق”، وهو هدف غير واقعي، وفق عددٍ كبير من المراقبين والجنرالات الإسرائيليين أيضاً.

 تتفاوت الترجيحات الإسرائيلية حول وجهة الإدارة الأمريكية الآن، فيقول المحلل السياسي والدبلوماسي في القناة 12 العبرية نداف أيال إن هناك مخاوف لدى حكومة الاحتلال  من أن يكون بايدن محرّراً من حسابات سياسية هذه المرة، مع طموح لتحديد حقائق في الميدان، كالدفع لحل سياسي، ومعاقبة المستوطنين، ومع رغبة لضغط فعّال أكثر على نتنياهو.

وهذا يتكاتب مع رسم كاريكاتير تنشره “هآرتس”، يبدو فيه بنيامين وسارة نتنياهو يقودان الطائرة، وهما يحلّقان قبيل هبوطهما في مطار واشنطن، ومن أمامهما طائرة بايدن وهو يقول لطيارها: “أسرع أسرع”، كمن يرغب بالتهرّب من لقاء نتنياهو، واشمئزازاً منه.

لكن أيال يرجح أن يحدث العكس، بأن تحاول الإدارة الأمريكية إقناع نتنياهو بطرق إيجابية أكثر: “من المحتمل أيضاً أن بايدن، الذي قال عن نفسه “أنا صهيوني”، يتركّز الآن بميراث اتفاقات سلام، وتحقيق التطبيع مع السعودية، والكفّ عن الاهتمام بالجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، الذي يكثر النقد ضد إسرائيل”.

ويتوقع المعلق السياسي في “هآرتس” يوسي فرطر أن يمتنع نتنياهو عن استفزاز الديمقراطيين، لأنه يصل لواشنطن بعد بيان انسحاب بايدن، لكنه ما زال متعلقاً ببايدن كي تجتاز إسرائيل الحرب، التي يصمم على مواصلتها، فيما هو يعطّل مداولات الصفقة”.

ويخلص المعلق السياسي بن درور يمين للقول بضرورة الذهاب لصفقة: “رغم المشاكل المنوطة بها، وهي حقيقية، يجب القيام بصفقة، لأن الضرر الناجم لإسرائيل مع كل يوم يمرّ أكبر بكثير من المنافع الكامنة بالعثور على فتحة نفق جديد، أو اغتيال جديد، أو قتل عشرة مخربين”.

وهذا ما تشدد عليه الدولة العميقة والمؤسسة الأمنية، فلسان حالها يقول ما معناه إنه هذا هو الوقت لصفقة، ويمكننا الانسحاب الكامل من القطاع، فستة أسابيع ليست مدة طويلة كي تتمكن “حماس” من ترميم قواتها، لا سيّما أننا سنعود للقطاع متى شئنا”.

ويبدو أن نتنياهو، الذي سيلتقي ترامب الخميس، متشبّثٌ بتوجهاته، ولن يكترث ببايدن، الذي بات “بطة عرجاء”، وأكثر ضعفاً، بعد انسحابه، وسيعمل على إقناع أكبر عدد من الأوساط الأمريكية الرسمية بضرورة التحرّك ضد إيران، والحصول على المزيد من الدعم المتنوّع لإسرائيل، مستغلاً تطابق المصالح والتحالف الإستراتيجي على مستوى الدولتين، بصرف النظر عن خلافات معلنة، مثلما سيعمل على تحسين صورته وترميم هيبته أمام الخارج والداخل، من خلال خطاب “مطنطن” بإنكليزية عالية في الكونغرس، على غرار خطاباته السابقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية