بيت لحم ـ «القدس العربي»: تستعين منظمة حقوقية إسرائيلية تطلق على نفسها اسم «كرم نابوت» وهو جسم أُسِسَ سنة 2012 ويتركز عمله على مراقبة وبحث ونشر حقائق وتقارير تتعلق بسياسة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، تستعين بخريطة غوغل لمحافظة بيت لحم جنوب الضفة الغربية من أجل توضيح معالم إجراءات سيطرة الاحتلال والمستوطنين على المدينة التي تشهد كثافة في أنشطة الاستيطان الإسرائيلي.
ولهذا الغرض تعمد المنظمة التي تجري أنشطة رصدية في مناطق C والتي تُشكل 61 في المئى من مساحة الضفة الغربية حسب معلوماتها، حيث تحدد جميع الحواجز والسدود الاحتلالية التي تم وضعها بعد 7 أكتوبر العام الماضي وحتى اليوم عبر استخدام خريطة عليها علامات من أربعة ألوان مختلفة وهي على النحو التالي: أحمر، سُدود حجرية مفتعَلة. وأصفر، حواجز حديدية (يبدو بعضها عسكريا بشكلٍ واضح، أما بعضها الآخر فنفترض أنه من فعل المستوطنين دون أي سلطة رسمية) وأزرق، بوابات المستوطنات التي تُعيق قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم، وبني، أنفاق تحت الطرق الالتفافية التي شقتها إسرائيل بهدف ربط القرى والسماح للفلسطينيين بالوصول إلى أراضيهم (نفقان منها مغلقان حاليًا).
وسيجد المدقق أن الخريطة التي يرفقها بحث المنظمة تتضمن 76 نقطة حسب التقسيم التالي: 5 أنفاقٍ تحت الطرق الالتفافية (نفقان منهما مغلقان) و11 حاجزًا أمام مستوطنات ومنطقة صناعية تُعيق، بشكلٍ مباشر، وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية، و24 سدًا حجريًا مفتعَلًا، و36 حاجزًا حديديًا.
ويرصد البحث الذي نشر قبل أيام التغيرات التي طرأت على المنطقة منذ السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023 حيث
تم نصب 21 حاجزًا وسدا إضافيا على طرقٍ زراعية، حتى أصبح عددها اليوم 60 حاجزًا وسدا، ما يعني أن أكثر من ثُلث الحواجز والسدود في المنطقة قد نُصبت خلال الأشهر السبعة الأخيرة، أي منذ بداية الحرب على غزة.
هدفان للحواجز
وتقول المنظمة إن لهذه الحواجز والسدود في هذه المنطقة غرضان يتوافق أحدهما مع الآخر، الأول منع الفلسطينيين من مغادرة القرى إلى الطرق الالتفافية، والثاني سد الطرق المؤدية إلى المناطق الزراعية، وخاصة تلك الواقعة غربي طريق 60.
النقطة الثانية في التطورات بعد الحرب على غزة أنه تم نقل أحد السدود (على طريق نحالين – بيت لحم) من موقعه الأصلي إلى موقع جديد، وذلك للسماح لمستوطني «نيفي دانيال» بالسيطرة على منطقةٍ تقع غربي المستوطنة.
وثالثا تم وضع حاجز حديدي نُقِل من مكانه وأُغلِق بالكامل شرقي البؤرة الاستيطانية غير القانونية «سيدي بوعز» وهو ما أتاح للمستوطنين السيطرة على مناطق إضافية حول البؤرة الاستيطانية.
رابعا، إقامة 3 بوابات (بوابتان على الطرق المؤدية إلى قرية «حوسان» وواحدة جنوبي قرية «نحالين») تم إغلاقها بالكامل منذ السابع من تشرين الأول/اكتوبر الماضي.
وخامسا، تم إقامة 4 بوابات، كان مزارعون فلسطينيون يدخلون عبرها إلى أراضيهم المجاورة لمستوطنة «إفرات» تم إغلاقها بالكامل أمامهم، والأراضي بقيت بدون فلاحة منذ ذلك الحين.
ويرى البحث أن الغالبية العظمى من الحواجز والسدود نُصبت في أماكن لم تصدر فيها أوامر عسكرية (حسب القانون العسكري، نصب الحواجز يجب أن يكون بأوامر تصدر عن الجيش). لكن النتيجة هي تضرر قدرة الفلسطينيين على دخول مناطق واسعة آخذة في الازدياد مع مرور الوقت.
وقيمة بحث المنظمة الإسرائيلية أنه يكثف الضوء على منطقة واحدة وهي المنطقة الزراعية التاريخية الواقعة غربي بيت لحم، حيث تبلغ مساحتها نحو 75 ألف دونم (75 كيلومترًا مربعًا).
هندسة عزل
وتقول المنظمة إن ما يجري في المنطقة يعكس حقيقة أن إسرائيل قد هندست المنطقة بشكلٍ يعزلَها عن محيطها.
ومنذ عام 1967 وحتى اليوم، حيث أنشأت دولة الاحتلال 11 مستوطنة في هذه المنطقة بهدف تهويدها والحد من الوجود الفلسطيني الواسع الذي كان قائما هناك منذ أجيال. هذه المستوطنات هي: هار جيلو، وبيتار عيليت، ونيفي دانيال، وإلعازر، وإفرات، ومجدال عوز، وبات عين، وروش تسوريم، وألون شفوت، وكفار عتصيون وجبعوت، بالإضافة إلى هذه المستوطنات، تم إنشاء 12 بؤرة استيطانية، وتم شرعنة بعضها على مر السنين.
ويذكر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن عدد المستوطنين الذين يعيشون في هذه المنطقة حاليا 95 ألف مستوطِن تقريبًا، ما يعني أن إسرائيل قد نجحت في خلق واقع يصل فيه عدد المستوطنين، في هذه المنطقة من الضفة الغربية، إلى ثلاثة أضعاف عدد الفلسطينيين، على الرغم من أن إجمالي عدد المستوطنين في الضفة الغربية يقل عن 20 في المئة من نسبة السكان الفلسطينيين حسب المنظمة، لكن العامل الرئيسي الذي يؤدي إلى التفوق الديموغرافي للمستوطنين في هذه المنطقة هو عدد المستوطنين في مستوطنة «بيتار عيليت» المتزمتة دينيا، والتي يبلغ عدد سكانها حاليًا حوالي 68 ألفًا.
ويسأل البحث: «كيف تم عزل المنطقة الواقعة غربي بيت لحم عن بقية مناطق الضفة الغربية؟».
ويجيب قائلا: «لقد ساهم حدثان تاريخيان رئيسيان في عزل المنطقة الواقعة غربي بيت لحم عن بقية مناطق الضفة الغربية خلال الأعوام الثلاثين الماضية. الحدث الأول هو توقيع اتفاقيات أوسلو في الأعوام 1993-1995. نتيجةً لخروج الجيش الإسرائيلي من بيت لحم، حيث يمر الطريق التاريخي الذي يربط القدس بجنوب الضفة الغربية، تم إنشاء طريق التفافي (الطريق السريع 60) غربي بيت لحم وقرية الخضر، أي في المناطق التي صودرَت لهذا الغرض. ظل الطريق الذي شُق في الأساس لخدمة المستوطنين مفتوحًا، طوال معظم السنوات منذ إنشائه، لاستخدام السكان الفلسطينيين أيضًا. شهد الطريق خلال السنوات القليلة الماضية توسيعًا كبيرًا ليصبح ذا أربعة مسارات.
وبشكل عملي، كان شق الطريق ذو المسارات الأربعة بمثابة المرة الأولى التي يتم فيها إنشاء حاجز فعلي بين القرى والمجتمعات الفلسطينية في هذه المنطقة وبين جزء كبير من أراضيها. وذلك رغم إنشاء 3 أنفاق تحت الطريق كان من المفترض أن تسمح للمزارعين بالوصول إلى أراضيهم من الجهة الأخرى، إلا أن اثنين منها مغلقان لا يمكن المرور عبرهما.
في أعقاب الانتفاضة الثانية أواخر عام 2000 تم فرض قيود صارمة على حركة الفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة الغربية. ظلت معظم الطرق التي تربط القرى الفلسطينية والطرق الالتفافية مغلقة لعدة سنوات، وتقلصت حركة المركبات الفلسطينية على الطرق بين المدن في الضفة الغربية بشكل كبير. في الوقت نفسه، أصبحت قدرة المزارعين الفلسطينيين على الوصول إلى مناطق شاسعة حول المستوطنات محدودة للغاية، بل توقفت كليًا.
في نيسان/ابريل 2002 قررت الحكومة الإسرائيلية بناء جدار الفصل العنصري. تبين فيما بعد أنه كان من المُقرر أن يتم بناء الجزء الأكبر من مسار هذا الجدار داخل أراضي الضفة الغربية بطريقة تؤدي عمليًا إلى ضم أجزاء كبيرة من أراضيها إلى إسرائيل. لقد تم تخطيط مسار الجدار في منطقة بيت لحم بحيث تبقى جميع المستوطنات واقعة غربي نظام السياجات والجدران التي بنتها إسرائيل في المنطقة. ورغم أن بناء الجدار في هذه المنطقة لم يكتمل، إلا أن الأجزاء التي تم بناؤها ساهمت بشكلٍ حاسمٍ في عزل المنطقة الواقعة غربي بيت لحم عن بقية مناطق الضفة الغربية».
نهب أراضي الخضر
يستشهد البحث الإسرائيلي بالحديث عن واقع قرية الخضر غربي الطريق التاريخي الذي يربط بين بيت لحم والخليل. حيث تبلغ المساحة المبنية في القرية منذ عام 1995 حوالي 900 دونم (أي أقل من 5 في المئة من إجمالي أراضي القرية) وقد تم تقسيمها بالأساس بين المنطقة «أ» والمنطقة «ب». أما بقية أراضي القرية، فتقع في المنطقة «ج» التي يُحظَر على الفلسطينيين البناء فيها، باستثناء حوالي 180 دونمًا تنطبق عليها المخططات الهيكلية التي صادقت عليها الإدارة المدنية.
ونظرًا لموقعها ومساحة أراضيها التي تبلغ حوالي 20 ألف دونم، استُهدِفت أراضي الخضر لتكثيف عمليات النهب الواسعة خلال العقود الأربعة الماضية. كانت مستوطنة «إلعازر» المستوطنة الأولى التي بُنيت على أراضي القرية. ومن أجل بنائها، أصدر الجيش عام 1973 أمر وضع يد «مؤقت» لـ«احتياجاتٍ أمنية» (أمر وضع اليد رقم 3/73). وفي عام 1979 أصدر الجيش أمرًا آخرَ من أجل بناء مستوطنة «إفرات» على أراضي الخضر أيضًا.
بعد صدور قرار المحكمة في التماس ألون موريه مطلع عام 1980 وهو الالتماس الذي اضطُرت الحكومة على إثره إلى إخلاء مستوطنة «ألون موريه» بعد بنائها على أراضٍ خاصة، بدأت إسرائيل بنهب الأراضي في الضفة الغربية بواسطة إعلانها «أراضي دولة» في القرى التي لم يكتمل تسجيلها في الطابو حتى حزيران/يونيو 1967 (وهذا الأمر ينطبق على حوالَي ثُلثَي مساحة الضفة الغربية). منذ بداية الثمانينات وحتى الوقت الحالي، تم الإعلان عن حوالي 2.700 دونم من أراضي قرية الخضر كـ»أراضي دولة». صودِرَت هذه الأراضي فعليًا من سكان القرية الفلسطينيين، ونُقِل معظمها إلى المستوطنات: «إلعازر» و«إفرات» و«نيفي دانيال». بشكلٍ عام، خُصصَ حوالي 3.100 دونم من أراضي قرية الخضر، رسميًا، لهذه المستوطنات الثلاث، وهو ما يمثل حوالَي 15 في المئة من أراضي القرية. بالإضافة إلى قناة نهب الأراضي الرسمية في الضفة الغربية، هناك أيضًا قناة نهب غير رسمية نشطة، تتمثل في البؤر الاستيطانية.
غطاء الطوارئ
بقي أن نقول إن البحث الإسرائيلي يقر بإن الجهود الاستيطانية وإن كانت قد شهدت حالة من التكثيف بعد أحداث الحرب على غزة إلا أنها نتيجة لتخطيطٍ ولجهودٍ مبذولة منذ عقود بهدف الاستيلاء على الأراضي وطرد أصحابها منها. وهو الأمر الذي يخلص إليه الباحث حمدي الحسيني الذي يؤكد أن سياسات إسرائيل الاستعمارية التي جاءت خلال الحرب على قطاع غزة هي امتداد لذات السياسات التي أسست لها الحكومة اليمينية منذ استلامها الحكم في إسرائيل، عبر حزم القوانين والقرارات المتعلقة بالاستيطان التي تبنتها، والمبنية على عقيدة متطرفة تهدف إلى إعادة الاستيطان في الضفة الغربية إلى الواجهة، وحشد المتطرفين من المستوطنين ممن يحملون ذات العقيدة المتطرفة وينتهجون سياسات التصفية والقتل والترحيل للفلسطينيين، لكن الفعل على الأرض تفاقم بقرار إسرائيلي تقوده الحكومة وتنفذه بشكل مشترك مع المستوطنين.
يقول الباحث حسين: «لقد استغلت الحكومة قرارات إعلان الطوارئ والحرب على الفلسطينيين كغطاء لزيادة عمليات التوسع الاستيطاني والجرائم بحق الفلسطينيين في قرى الضفة الغربية والتجمعات الريفية والرعوية، وعززت من تسليح مجموعات المستوطنين، وزادت من مستوى تنظيمهم في مجموعات تمارس أدواراً توسعية وقمعية بحق الفلسطينيين».
وفي دراسة للباحث حسين الصادرة عن مركز رؤية للتنمية السياسية وتحمل عنوان: «تسارع الاستيطان في الضفة الغربية: دلالات الفعل وانعكاساته على الجغرافيا السياسية» تجمع قرارات الحكومة اليمينية الإسرائيلية المتعلقة بالاستيطان بعد السابع من أكتوبر 2023 وأبرزها: الحفاظ على المبالغ المالية المخصصة للاستيطان في موازنة الحكومة، رغم مطالبات بإعادة توزيع الموازنة بفعل ارتفاع تكلفة الحرب على غزة، وتخصيص موازنة إضافية لتغطية نفقات الحرب العسكرية والمدنية، حيث رفض سموتريتش إلغاء المخصصات السابقة. واستمرار طرح ومناقشة فكرة بناء جدار على طول الحدود مع الأردن بطول 238 كم، يمتد من بحيرة طبريا حتى خليج العقبة، لوجود هواجس أمنية، وهو قرار طُرِحَ قبل 20 عاماً، وأعاد نتنياهو طرحه نهاية أيلول/سبتمبر 2023 وتداوله مرة أخرى خلال شهر آذار/مارس 2024 بعد الادعاء بإفشال محاولة تسلل مسلحين من الأردن إلى الضفة الغربية. والمصادقة على بناء 3500 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة «معاليه أدوميم» شرق مدينة القدس. وتفعيل سموتريتش لمقترح «المناطق الآمنة» التي يُمنع الفلسطينيون من الاقتراب منها، وترافق هذا الإعلان مع موسم قطف الزيتون، حيث مُنع الفلسطينيون من الدخول إلى أراضيهم الواقعة داخل الجدار، والتي يُتوقع أن تصل مساحتها مع إتمام بنائه إلى حوالي نصف مليون دونم، إضافة إلى المناطق القريبة من المستوطنات الإسرائيلية التي تُقدر مساحتها بـ 200 ألف دونم، وهي مناطق جديدة يستهدفها المخطط، وترافق المخطط مع زيادة في جرائم المستوطنين بحق من يقترب من المزارعين الفلسطينيين، ومن يعمل في أرضه، حيث بلغت ما يقارب 390 اعتداء، شملت اعتداءات جسدية وإتلاف للزيتون، وإطلاق للنار على المزارعين أثناء القطف.
تداعيات على الجغرافيا السياسية
وحسب دراسة الحسين فإن استمرار المشاريع الاستيطانية يساهم بتبعات متعددة على جغرافية الضفة الغربية بمزيد من التفتيت والتجزئة، وما ينعكس على المشاريع السياسية المطروحة، وأبرزها: أولًا: انعدام تام لمنطقية طرح «حل الدولتين» والذي وصل إلى طريق مغلق بعد توقف المفاوضات، وثانيًا: تغيرات ديموغرافية ناتجة عن زيادة أعداد المستوطنين في الضفة الغربية، ويؤدي إشراكهم في تنفيذ هذه المخططات بشكل مباشر أو تلبية طموحاتهم الاستعمارية إلى فتح شهيتهم نحو المزيد، وإلى تمسكهم بالبقاء في الضفة الغربية ورفض أي طروحات مستقبلية لتفكيك البنية الاستعمارية، وثالثاً: فتح المجال أمام عودة مشاريع تثبت موقف حكومة نتنياهو الرافض لفكرة دولة فلسطينية، ومنها ضم الضفة الغربية، عدا عن قرار الحكومة الإسرائيلية ببناء جدار على الحدود الشرقية مع الأردن وما يشكل من تثبيت للسيادة الإسرائيلية على الحدود والمعابر مع الأردن.
ورابعاً: زيادة الفرصة لتطبيق «مشاريع التهجير» في ظل زيادة سطوة المستوطنين وتسليحهم.