«سنعلم الدرس لكل من يمس تركيا في اقتصادها؛ مثلما نحارب الإرهاب سنحارب الإرهاب الاقتصادي»، هكذا هدد الرئيس التركي اردوغان في الأسبوع الماضي.
مثلما في حالات سابقة، أيضاً في المجال الاقتصادي، يوجه اردوغان إصبع الاتهام نحو جهات مجهولة، بالأساس نحو حكومات أجنبية وأعداء أيديولوجيين يكمنون له من خلف الزاوية ويريدون إسقاطه. شركات تصنيف الائتمان الدولي مصنفة منذ زمن كأعداء للدولة، «لوبي الفائدة»، الذي يريد رفع الفائدة في السوق بسبب «مصالح ضيقة»، هو الذي بنفسه يوقف النمو، والبنك المركزي الذي لا يخضع بشكل كامل لتوجيهات الرئيس، هو بشكل عام جهة تآمرية. بالنسبة لاردوغان، اقتصاد تركيا هو أيضاً مصلحة تجارية عائلية، حيث إن وزير الاقتصاد والمالية صهره؛ ومكانة اردوغان مرهونة بنجاحه، وبالأساس، احتمالية الفوز في الانتخابات المحلية التي ستجري في 31 آذار القادم. هذه ستكون الانتخابات الأولى التي تجري في تركيا بعد فوز اردوغان في الانتخابات الرئاسية في حزيران الماضي وتحول للمرة الأولى إلى رئيس ذي صلاحيات تزيد على صلاحيات شبيهه وخصمه دونالد ترامب.
ولكن مع السيطرة الكاملة التي لاردوغان على الحكومة والبرلمان (الذي يسيطر فيه حزب العدالة والتنمية مع الحزب الوطني) تأتي المسؤولية المطلقة عن وضع الاقتصاد في تركيا، الذي ضده لا يمكن إرسال دبابات وطائرات ـ كما تتم محاربة الأكراد في سوريا.
الانتخابات لا تهدد اردوغان في هذه الأثناء، لكن نتائجها ستستخدم كاختبار مرحلي على مدى رضى الجمهور عن سلوكه. بالأساس في المجال الاقتصادي. الخسارة في الانتخابات في مدن كبرى يمكن أن يدل على أن الثقة بـ «السحر الاقتصادي» الذي رافق اردوغان في الـ 15 سنة من ولايته كرئيس حكومة وكرئيس، آخذة في التلاشي.
استراتيجية اردوغان تستند على الأقل حتى موعد الانتخابات، إلى نشاط شعبي معروف (التودد للشعب) على حساب الاصلاحات الاقتصادية. مثلاً، أنشأ مركز التجارة التركي من الخيام في ست مدن، حيث تباع فيها الخضراوات والفواكه بنصف السعر في السوق الحرة. المنتوج الزراعي تشتريه الحكومة مباشرة من المزارعين وهكذا يتم توفير فجوة الوساطة. بالنسبة للآلاف الذين يقفون في الطابور على مداخل هذه الخيام فهذا يعدّ تسهيلاً كبيراً يهدئ موجة الغلاء الثقيلة التي تسببت ارتفاع الأسعار بنسبة 30 في المئة في المتوسط.
الحكومة وعدت بأن هذه المراكز الشرائية ستعمل أيضاً بعد الانتخابات وستعرض فيها منتوجات استهلاكية أساسية أخرى مثل مواد التنظيف. إضافة إلى ذلك أمرت وزارة المالية البنوك بالسماح للمقترضين بمد عدد الدفعات على القروض بما في ذلك المدفوعات عبر بطاقات الائتمان.
في المقابل، تعمل وزارة التجارة ضد التجار الذين يرفعون الأسعار وتقدم دعاوى قانونية ضد من يقوم بتخزين المنتوجات الاستهلاكية في مخازنه. البنوك، وبشكل خاص التي تسيطر عليها الحكومة مثل بنك زرآت والكابنك، حصلت على تصريح بزيادة مرونة إطار سيولتها من أجل توسعة نطاق القروض للمصالح التجارية، وهي خطوة يعتبرها اردوغان مفتاحاً حيوياً لزيادة النمو الاقتصادي.
إلا أنه مقابل هذه الخطوات يجب على البنوك مواجهة قروض مشكوك فيها تقدر بـ 30 مليار دولار. إن زيادة مبالغ القروض يمكنها أن تضاعف حجم الديون المشكوك فيها. ولها يجب أن نضيف ديون أصحاب المصالح التجارية الذين حصلوا على القروض بالدولار، وإزاء انخفاض سعر الليرة التركية منذ آب الماضي ارتفعت بشكل كبير مبالغ ديونهم.
مناورة القروض وخيام التسويق المباشر تحتل العناوين، لكنها لا تستطيع مواجهة المرض المزمن الصعب للبطالة، التي ترفض الانخفاض. حسب معطيات وكالة التشغيل التركية، ارتفع عدد طالبي تعويضات البطالة إلى أكثر من 53 في المئة في نصف السنة الأخير، إلى جانب ارتفاع عدد الذين يحصلون الآن على بدل البطالة.
في مكتب التشغيل مسجل 3.7 مليون طالب عمل، وهم لا يشملون العاطلين غير المسجلين. من هنا، حتى معطيات البطالة الرسمية التي تصل الآن إلى 12 في المئة، لا تعبر عن الواقع. إن توزيع هذا المعطى يدل على أن نسبة البطالة في أوساط الشباب هي 21.6 في المئة. وضعف ذلك في أوساط النساء.
الحل المعروف لمشكلة البطالة هو زيادة الاستثمارات، وإقامة مصانع وتوسيع البنى التحتية، أما إزاء التوتر في العلاقة بين تركيا وأمريكا، فيفضل المستثمرون الأجانب الانتظار، وحتى سحب جزء من استثماراتهم في البورصة. العجز في الميزانية يبلغ 1.9 في المئة من الناتج الوطني الإجمالي الخام، وهو معطى يلبي توقعات الخطة الاقتصادية ويمكن أن يعتبر إيجابياً بشكل خاص إزاء النفقات الكبيرة النابعة من مشاركة تركيا في الحرب السورية وإعالة أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري في تركيا. ولكن الدين العام أكثر من 212 مليار دولار وهو يلزم الحكومة بالحذر في بند النفقات.
هذا الحذر لا يتوافق مع خطط الشراء العسكري بمليارات الدولارات التي تشمل ضمن أمور أخرى طائرات اف 35 أمريكية وأنظمة صواريخ مضادة للطائرات، روسية الصنع من نوع اس 400. هذه البنود تقف في مركز الخلاف بين تركيا وأمريكا، التي تهدد بوقف تحويل الطائرات إذا لم تتنازل تركيا عن صفقة الصواريخ الروسية. ليس واضحاً إلى أين سيتطور هذا الخلاف، لكنه في هذه الأثناء يغذي تردد المستثمرين الأجانب ـ الذين بدونهم سيصعب على اردوغان اجتياز سقف 2 في المئة من النمو، الذي يتوقعه الاقتصاديون للسنة القادمة.
تسفي برئيل
هآرتس/ ذي ماركر 28/2/2019