لندن – “القدس العربي”: أعلن ريال مدريد تعاقده مع اليافع البرازيلي جيسوس رينيير، مقابل حصول ناديه السابق فلامنغو على 35 مليون يورو، استكمالا للسياسة التي يُصر عليها الرئيس فلورنتينو بيريز منذ سنوات، باستقطاب المواهب الخام مقابل رسوم في المتناول، بدلا من سياسته القديمة بإنفاق الملايين لضم أفضل لاعبي العالم، منذ ظهوره على الساحة مع بداية الألفية الجديدة.
ولجأ الملياردير الإسباني لهذه السياسة، لمحاربة ظاهرة “تضخم” أسعار وأجور النجوم الكبار، التي فاقت كل التوقعات في آخر 3 سنوات، الاستثناء الوحيد كان صفقة البلجيكي إيدين هازارد، الذي جاء من تشلسي مقابل رسوم تخطت حاجز الـ100 مليون يورو. في المقابل، وضع حجر أساس مشروع العقد الجديد، بشراء ملكية مجموعة من ألمع المواهب الصاعدة بسرعة الصاروخ إلى سماء النجومية العالمية، وصلت لحد تكوين فريق للمستقبل بأقل من 330 مليون يورو، أقل من قيمة نيمار وكيليان مبابي، حتى لا يضطر بعد عامين أو ثلاثة لإنفاق أضعاف هذا المبلغ، في ظل استمرار الارتفاع الجنوني في أسعار اللاعبين، بعد تحكم المال في كل مفاصل اللعبة، متمثل في تمويل الشركات الراعية ومحاولات الاستفادة من العلامة التجارية للنادي بأعلى عائد ممكن، وهو ما أدى في النهاية للقفزة الهائلة في أجور وأسعار أصحاب الجودة والكفاءة العالية.
بداية المشروع
بدأ بيريز ما عُرف بسنوات “التقشف” بعد صفقة خاميس رودريغيز، التي كبدت الخزينة 80 مليون يورو، بانتداب الموهوب الإسباني الأعسر ماركو أسينسيو من مايوركا مقابل 3.5 مليون يورو فقط عام 2015، ليرسله الريال إلى الحليف الكتالوني الوحيد إسبانيول على سبيل الإعارة في الصيف ذاته، ليعود في الموسم التالي بالصورة المفاجئة التي أدهش بها عشاق الميرينغي ببدايته الصاروخية، التي جعلته عنصرا مؤثرا في المجموعة التي حافظت على دوري الأبطال عامي 2017 و2018، وبصرف النظر عن الإصابة التي أوشك على التخلص منها، فهو الآن بعمر 24 عاما، لكن بخبرات لاعب ثلاثيني باقتدار، بوصوله لقمة نضجه كلاعب مزعج لأي منافس في الثلث الأخير من الملعب، إما بتصويباته الصاروخية أو بتمريراته الحاسمة وانطلاقاته الجريئة، ولا ننسى أن قيمته السوقية الآن تزيد على 50 مليون يورو، حتى وهو يتلقى العلاج، وبطبيعة الحال، إذا عاد بنفس الصورة التي كان عليها قبل إصابته في المعسكر الصيفي في أمريكا، سترتفع قيمته التسويقية من جديد.
صفقة العقد
في الصيف التالي، جلب بيريز الاسم المغمور فيديريكو فالفيردي من بينارول الأوروغواني مقابل 5 مليون يورو فقط، ليعيره إلى ديبورتيفو لمدة موسم مقابل 3 مليون بنفس العملة في الشهر ذاته، ليعود بعدها إلى فريق الكاستيا، إلى أن بدأ تصعيده للفريق الأول في عهد المدرب السابق سانتياغو سولاري، ومع الوقت، حصل على فرصته كاملة بعد الإصابة التي ألمت بلوكا مودريتش في بداية الموسم، ليثبت أقدامه في التشكيلة الأساسية، ويؤكد بشكل عملي أنه يستحق مكانه على حساب أي لاعب في وسط الريال، مكونا شراكة من نار مع ابن قارته كاسيميرو على دائرة المنتصف، ليخلص زين الدين زيدان وبيريز من صداع هشاشة عمق الملعب، التي كانت ستورطهم في إنفاق أكثر من 100 مليون يورو لإطلاق سراح بطل العالم بول بوغبا من “مسرح الأحلام”، أضف إلى ذلك أن قيمته السوقية ارتفعت الآن لنحو 50 مليون يورو على الورق، لكن إذا تقدم أي نادٍ بطلب للتعاقد معه، سيطلب بيريز ضعفي هذا الرقم على أقل تقدير، بعد تأثيره الكبير في 46 مباراة ظهر فيها بالقميص الملكي، وخرج منها بهدفين وثلاثة تمريرات حاسمة، والأهم من هذا وذاك، أن مستواه في تطور مذهل من مباراة لأخرى، ويكفي ما فعله في نهائي الكأس السوبر الإسباني، بعرقلة ألفارو موراتا، ليبقى على آمال فريقه إلى أن توج باللقب بركلات الترجيح، بخلاف اختياره أفضل لاعب في المباراة رغم حصوله على بطاقة حمراء بعد تدخله على زميل الأمس.
استكمال المشروع
بينما كانت جماهير النادي الميرينغي تنتظر الإعلان عن صفقة “الغالاكتيكو” المنتظر بعد رحيل الأسطورة كريستيانو رونالدو في صيف 2018، إذ بالرئيس بيريز، يسير في اتجاه آخر، بالإصرار على سياسة جلب مواهب المستقبل، بضم فينيسيوس من فلامنغو مقابل 45 مليون يورو، في أوج لحظات تضخم أسعار اللاعب، بعد انتقال مواطنه نيمار من برشلونة إلى باريس سان جيرمان مقابل 222 مليون يورو، ومع الوقت، أثبت الموهوب البرازيلي أنه مشروع لاعب من الطراز العالمي، بامتلاكه كل مؤهلات سحرة السامبا، من جرأة في موقف لاعب ضد لاعب، وسرعة في الانطلاق وتحكم في الكرة بالنكهة البرازيلية، تبقى فقط مشكلته الوحيدة، تخلصه من الضغط واتخاذ القرار الصحيح في اللمسة الأخيرة. وهذه المعضلة سيتخلص منها مع الاحتكاك والممارسة، وربما لو خرج لأحد أندية الليغا على سبيل الإعارة في ما تبقى من الموسم، قد يعود بصورة مغايرة في الصيف، كما حدث مع أسينسيو وفالفيردي عندما كانا في نفس عمره (19 عاما)، وفي نفس الصيف جاء بالمدافع الشاب الإسباني أودريوزولا من سوسييداد مقابل 30 مليون يورو، لمنافسة داني كاربخال على مركز المدافع الأيمن بعد إعارة أشرف حكيمي إلى بوروسيا دورتموند، لكن من سوء الطالع تعرض لأكثر من إصابة، منها إصابة أبعدته عدة شهور، لذلك اقتصر ظهوره على 10 مباريات فقط، لكن في المقابل سجل هدفا وصنع 10 أهداف، لهذا استعاره بايرن ميونيخ لنهاية الموسم، على أن يعود مع حكيمي من ألمانيا مع بداية الموسم الجديد، لمنافسة كاربخال بشكل حقيقي على مكان في التشكيلة الأساسية.
ثورة 2019
افتتح بيريز عام 2019 بالتقاط ذي الأصول المغربية إبراهيم دياز من مانشستر سيتي مقابل 17 مليون يورو، وبصرف النظر عن قلة مشاركاته، فمن الصعب الاختلاف على مؤهلاته كمشروع لاعب وسط من الطراز العالمي، مشكلته أنه يحتاج لاحتكاك أكثر مع فريق يمنحه فرصة اللعب بصفة مستمرة، وهذا ما سيحدث معه في ما تبقى من الموسم بإرساله لأحد أندية الليغا على سبيل الإعارة، لمساعدته على لعب دقائق أكثر واكتساب مزيد من الخبرة، وفي الوقت ذاته تقريبا، نجح في تأمين مستقبل إيدير ميليتاو مقابل 50 مليون يورو، مع الإبقاء عليه مع بورتو لنهاية الموسم الماضي، لتفادي دفع مبالغ أكثر في فصل الصيف، وأبلى بلاء حسنا هذا الموسم في مبارياته العشر التي تناوب فيها اللعب مع سيرخيو راموس ورافاييل فاران، قبل أن يضيف المهاجم الصربي لوكا يوفيتش إلى القائمة، بالاستحواذ عليه قبل برشلونة بدفع 60 مليونا لإينتراخت فرانكفورت، وهو مهاجم من النوع القادر على التسجيل بالرأس وكلتا القدمين، كما أظهر في البوندسليغا الموسم الماضي، لكن مشكلته أنه ما زال يلعب تحت ضغط، لاكتفائه بهدف وحيد وصناعة اثنين في 18 مباراة، لكن بمجرد أن تبتسم له الكرة، سيكون له تأثير كبير في فريق زيدان. وتبعه في الميركاتو الصيفي الأخير البرازيلي رودريغو، الذي احتل قلوب المشجعين منذ ظهوره الأول في أوساسونا، بتوقيعه على هدفه الأول بعد ثوان من مشاركته كبديل في الشوط الثاني، ومن مباراة لأخرى، يثبت أنه مشروع “غالاكتيكو” حقيقي في المستقبل غير البعيد بتسجيل سبعة أهداف وصناعة اثنين في 18 مباراة هذا الموسم، بعد ضمه من سانتوس مقابل 45 مليون يورو.
الأمر لم يقتصر على الهجوم فقط في السوق الصيفية الماضية، بل اشترى الظهير الأيسر الفرنسي فيرلاند ميندي من ليون مقابل 48 مليونا، بعمر 24 عاما، ليصنع الفارق على مستوى الدفاع، كما أظهر في المباريات الأخيرة، كصخرة ثالثة جنبا إلى جنب مع راموس وفاران، مع أداء هجومي لا بأس به، عكس مارسيلو، الذي تحول لثغرة ونقطة ضعف في الدفاع، لمبالغته في أدواره الهجومية، في الوقت الذي لم يعد فيه توني كروس وكاسيميرو ومودريتش قادرين على تغطية المساحات الشاغرة التي يتركها وراءه، ومع هؤلاء أسماء أخرى منتظر عودتها مثل الظهير الأيسر ريغيليون بعد انتهاء إعارته مع إشبيلية ومارتن أوديغارد بعد عودته من سوسييداد والحارس المستقبلي أندري لونين، وكما ذكرنا حكيمي والوافد الجديد رينيير، الذي لن يكون الأخير في مشروع بيريز في ولايته الأخيرة أو قبل الأخيرة كرئيس أعاد للنادي وجماهيره زمن سانتياغو بيرنابيو.