تُرى.. هل يمكننا أنْ نتخيل حياتنا، ولو للحظةٍ واحدة، بدون أن تزهر في فضائها الشاسع هذه الفنون؟ وكيف كانت ستسير بنا قاطرات الحياة، وليس بها من شِعْر نقرأه أو نستمع إلى مُنْشدِه، فنندهش ونتعجب ونصيح قائلين: الله؟ وكيف كانت ستصبح كذلك بدون لوحات، رسومات، أعمال نحتية، وغيرها، صاغتها أيدي فنانين مَهرة، نقف أمامها في تمام الانبهار، لِمَا فيها من جمال وإبداع فَتيّ وطازج، يُوحي بأن مبدعها مُلَهَمٌ وقدير. وكيف كان سيصير حالها بلا معزوفة موسيقية هادئة وعذبة، نُصغي إليها ونرهف السمع في مختلف أحوالنا، فتروح تصفو أرواحنا وتبتهج قلوبنا ونمتليء نشوةً وسرورًا، ونُحلّق كما الطيور في عوالم أخرى؟ قَطْعًا، كانت ستختلف تفاصيل هذه الحياة كُلياً عما هي عليه الآن، كانت ستؤول إلى فريسةَ جفافٍ وقحطٍ عاطفيّ/ شعوري.. وربما انعدمت الأحاسيس التي يَصْدر عنها الفن بشتى أنواعه إنتاجاً وتَلقّيَاً.
غير أن الفن الذي نلجأ إليه ونلوذ بحدائقه الغَنَّاء ناشدين المتعة، ليس رفاهيةً ولا هو ترف كماليّ، بل هو ضرورة حياتية، ربما لن تستقيم الحياة إلا به. إذ إن الفن كما ترى ثلة من الفلاسفة والمفكرين، له آثار اجتماعية، فهو يُغيّر من شخصيتنا وتجربتنا في المجالات غير الإستطيقية للحياة، ويجعلنا أكثر حكمة وسمواً، ويُعمّق رؤيتنا لذواتنا وذوات الآخرين. للفن أيضا وجهه الموضوعي، وبُعْده البَيْنذاتي الذي يدخل في صميم ماهيته. فالمبدع والمتلقي متضايفان يأخذ كل منهما من الآخر حقيقته ومعناه. مثلما يُطْلعنا الفن على دينامياتنا النفسية وديناميات الآخرين، ويَعْتقنا من مركزية الذات. ولهذا على الفن أن يتضمن موقفاً ما تجاه الحياة، إذ ينطوي على اعتقاد بأن المستقبل لن يكون مجرد تكرار للماضي. وبناءً على هذا وجب على الفنانين أن يكترثوا بمصير الإنسانية، بل ربما كانوا هم من يقررون هذا المصير في بعض الأحيان. طوبى إذن للفنان الذي تُعرِّفه إحدى الموسوعات الشهيرة بأنه المُبْتكِر ذو الأفكار الغريبة عن التقليد، الفنان الذي يسبق عصره، فيما يظن بقية الناس أنه شبيه بالمجنون، نظرًا لتميز أفكاره، لكنه في الواقع يُعتبر أذكى الناس وأكثرهم خيالاً وإحساساً. فالفنان هو ركيزة الحضارة وهو كذلك القائد الكفؤ لقاطرة التطور. فدخوله لأي مجال عملى أو علمي قد يحوّله من العالم المعقول إلى العالم اللامعقول.
أما الفن ـ وكما تقول الموسوعة ـ فهو اللغة التي استخدمها الإنسان لترجمة التعابير، التي تَرِدُ في ذاته الجوهرية وليس تعبيرًا عن حاجة الإنسان لمتطلبات حياته، على الرغم من أن بعض العلماء يعتبرون الفن ضرورة حياتية للإنسان، كاعتبار الماء والطعام.
طوبى له حين يمتلك من الموهبة والقدرة على الخلْق والإبداع ما لا يمتلكه مَنْ هم سواه. طوبى له بعد أن اصطفاه الخالق الأعظم ونفخ فيه من روحه موهبةً وإبداعاً يفتقر إليه كثيرون في هذه الحياة. طوبى له وهو يُظْهر موهبته جليةً في كل ما يَصْدر عن يده من نتاج، سواء استخدم قلمَ الشاعر أو ريشةَ الرسام، أو كاميرا المصور، أو أداةَ النحات/ المثّال، مُنْتِجا أشياء تحكي عن إبداعه وسموّ موهبته وتُخلّده لسنواتٍ وسنواتٍ في سجلات التاريخ والتأريخ البشري، حتى بعد أن يرحل إلى الحياة الأخرى.
أما الفن ـ وكما تقول الموسوعة ـ فهو اللغة التي استخدمها الإنسان لترجمة التعابير، التي تَرِدُ في ذاته الجوهرية وليس تعبيرًا عن حاجة الإنسان لمتطلبات حياته، على الرغم من أن بعض العلماء يعتبرون الفن ضرورة حياتية للإنسان، كاعتبار الماء والطعام. ومما قيل عن الفن أذكر كلايف بل في كتابه «الفن»، الذي يحاول أن يميز فيه العملَ الفني عن الأعمال العادية والأشياء الطبيعية، إذ يقول إن الفن قد وُجِد منذء البدء بوصفه ديناً متزامناً مع كل الأديان الأخرى. ومن البيِّن أنه لا يمكن أن يكون هناك تضاد جوهري بينه وبينها. فالفن الأصيل والدين الأصيل مظهران لروح واحدة. كذلك شأن الفن الزائف والدين الزائف. ومنذ آلاف السنين والبشر يعبّرون بالفن عن انفعالاتهم الإنسانية، ويجدون فيه الغذاء الذي تعيش عليه الروح.
الفن هو أهم وأبقى صور التعبير الديني جميعًا: لأن دلالة التضافرات الشكلية يمكن أن يدركها أحد الأجناس، وأحد العصور بالكفاءة نفسها التي يدركها به جنس آخر وعصر آخر. وما من فيض من طرب الروح إلا ويجد في الفن قناة تتولاه وتحدوه. وحين يفشل الفن يفشل لافتقاد الانفعال، وليس لافتقاد التكيف الشكلي.
واليوم إذ تُشْرع الحركة الناشئة في البحث عن موئل تلجأ إليه، يكون من الطبيعي أن تتجه إلى الديانة الوحيدة ذات الأشكال اللانهائية والثورات الدائمة.
ويؤكد كلايف بِل أن الفن هو الديانة الوحيدة التي لن يطول تقيّدها بالدوغما على الإطلاق. إنه ديانة بلا كهنوت، ومن الخير ألا تُودَع الروح الجديدة في أيدي الكهنة، فالروح الجديدة في أيدي الفنانين. كما يؤكد أن الفن يُشبع الحاجة الدينية لعصر ينمو بحدة لا يحتملها الدين الدوغماوي. ولكي ينجح في ذلك يجب أن يوسّع من نطاق تأثيره. من هنا يصبح الفن، هو الموهبة التي وهبها الخالق الفنان الأعظم لكل إنسان، ولكن بدرجات تتفاوت بين فرد وآخر.
بالطبع لا يمكن وصف كل الناس بأنهم فنانون، ولا نستطيع أن نوزع لقب فنان على الجميع، فالفنان الحقيقي هو الذي يتميز عن غيره بالقدرة الإبداعية الهائلة. وكلمة الفن تدل بطبيعتها على المهارات التي تُستخدم لإنتاج أشياء تحمل قيمةً جمالية. والفن إن جاز التعبير هو شيء هُلاميٌّ مُتغيرٌ يَرْجع إلى وجهات النظر أحيانًا وللثقافة أحياناً وللعصور أحياناً أخرى. وإذا ما أدركنا جيداً قيمة الفن والفنانين فإنه سيختفي من الحياة، مَن يعارضون الفن ويضعونه في ركن الحرام، بدون أن يكون لديهم سند يتكئون عليه، أو بينة يستدلون بها. وهنا أتحدث عن فن يحمل رسالة مفيدة لبني البشر، لا عن فن ينتجه أصحابه لمجرد العبث أو اللهو وهو فارغ من أي مضمون، وإن كان كل فن حقيقي يحمل رسالة ما، ربما تُبدي نفسها للبعض، وربما يستعصي على البعض التعاطي معها وفهمها الفهم الصحيح. ولا أضيف جديداً حين أقول إن ما يصنعه الفن في حياتنا قد لا تصنعه أشياء أخرى، وإن حاولتْ مجتمِعة. غير أنه لابد أن نفرق بين ما هو فن وكل ما يريد الالتصاق بجدار الفن، والفن منه بريء. والسؤال الأهم هو كيف تنظر الشعوب المتخلفة إلى الفن، وكيف تتعامل معه؟ ومتى تستطيع هذه الشعوب أن تدرك فرقاً بين لوحة الموناليزا وصورة العائلة الفوتوغرافية المعلقة على الجدران؟ ومتى تمتلك الوقت الكافي لتأمل لوحة أو نحت أو نص مكتوب، منبهرة بروعة ما خطّته ريشة الفنانين، متسائلةً: كيف لأناملَ هؤلاء أن تَخْلق هذا الفن وهذا الإبداع؟
كاتب مصري