كيف لإسرائيل أن تراقب حدودها الشمالية؟

حجم الخط
3

في إسرائيل حيث تتبدل العناوين الرئيسة بوتيرة هستيرية وقصة الأمس تصبح نبأ هامشياً في اليوم التالي، نسوا منذ زمن بعيد أنفاق حزب الله في الشمال. ما كان قبل نصف سنة عنواناً رئيساً دراماتيكياً دحر إلى الهوامش، فأصبح موضوعاً جانبياً يكاد لا يحظى بأي اهتمام جماهيري. ولكن في الأجهزة المهنية ـ في إسرائيل ولبنان، وكذا في دوائر أوسع في المنطقة وفي العالم، تظهر بوضوح موجات الصدى للقضية. فقد نشر في «إسرائيل اليوم» هذا الأسبوع عن القرار بمنح جائزة أمن إسرائيل هذه السنة لفرق الاستخبارات والهندسة التي كشفت وعطلت الأنفاق، وهذا مجرد الجانب الرمزي ـ الاحتفالي للقضية، الذي أعطى لإسرائيل إنجازاً دراماتيكياً مزدوجاً: سحب قدرة مهمة من العدو، وفرصة لتغيير عميق، جذري لجزء من قواعد اللعب في الميدان.
وهكذا وافقت حكومة لبنان على الدخول في محادثات مباشرة مع إسرائيل، بوساطة أمريكية في محاولة لترتيب مسألة الحدود البحرية في الدولتين. على جدول الأعمال تطلع لبناني معلن للشروع في تطوير حقول الغاز في نطاقها أيضاً؛ ففي دولة تعاني من أزمة اقتصادية عسيرة ومن عجز مالي عميق، تعد هذه فرصة لن يسارع رجل أعمال مثل رئيس الوزراء سعد الحريري إلى تفويتها.
حزب الله هو من كبح محاولات الحل الوسط، والذي سعى لأن يبقي الخلاف جزءاً من الشرعية لمواصلة كفاحه ضد إسرائيل. أما كشف الأنفاق ـ الذي كشف أكاذيبه، وضمناً ورط حكومة لبنان كمن لا تسيطر على ما يجري في أراضيها ـ فقد ألزمه بالتراجع إلى الوراء: في المرحلة الحالية على الأقل لا يمكنه أن يواصل حرمان دولة لبنان من تحقيق مصالحها.
هكذا ستكون المفاوضات في مسألة الحدود البحرية سابقة: لأول مرة سيلتقي ممثلو الدولتين بشكل مباشر وليس في إطار المداولات العسكرية التي تجري برعاية القوة الدولية في الناقورة. فقد تنقل المبعوث الأمريكي، مساعد وزير الدفاع ديفيد سترفيلد مؤخراً بين بيروت والقدس في محاولة لتحقيق إنجاز قبل لحظة من تعيينه سفيراً في تركيا. إذا ما نجحت الخطوة فسيبقي مزارع شبعا مسألة وحيدة موضع خلاف بين إسرائيل ولبنان (أو للدقة مع حزب الله).

بين الأمن والفزع

في إسرائيل لاحظوا على الفور ضعف حزب الله، وقد استغل هذا الضعف في الميدان لتعطيل الأنفاق ولتسريع الأعمال على العائق الجديد الذي يقام على الحدود اللبنانية ـ بما في ذلك النقاط التي كان فيها خلاف مع لبنان من حيث تمر الحدود بالضبط. (والأعمال التي تتضمن إقامة جرف وحيطان يفترض أن تصعب هجوماً مستقبلياً من حزب الله) تأجلت في نقاط الخلاف هذه كي لا يعطى حزب الله ذريعة للتصعد. أما الآن فتشعر إسرائيل بثقة كافية لاستكمالها دون أن تخاف الرد.
دليل آخر على أزمة حزب الله توفر السبت الماضي في خطاب حسن نصر الله. فمنذ سنين لم يبد في حالة ضغط بهذا القدر: يتعرق، فزع، يهدد. زعيم حزب الله ربط في كلامه بين الضغط الأمريكي على إيران وحرب محتملة من منظمته ضد إسرائيل. وقد شهد هذا أكثر من أي شيء آخر على أزمة (سياسية، اقتصادية، حزبية بل وربما شخصية أيضاً): إذا أراد نصر الله أن يفزع إسرائيل ويدفعها لأن تقنع الأمريكيين بتخفيف الضغط عن إيران فإنه ورط نفسه مع واشنطن أكثر فأكثر.
في أقواله، حذر نصر الله بأن صواريخ حزب الله الدقيقة يمكنها أن تضرب كل نقطة في إسرائيل. رد عليه رئيس شعبة الاستخبارات اللواء تمير هايمن الذي قال في منتصف الأسبوع في محاضرة في تل أبيب إن إسرائيل لا تحتاج لنصر الله كي تعرف ما لدى حزب الله في المخازن. وقد أراد هايمن أن يقول إن نصر الله يكذب ويتبجح بقدرة ليست لديه (وبالمناسبة أن يريه مرة أخرى بأن جهازه متوغل استخبارياً)، ولكن أقواله بدت كوقاحة زائدة.

مفاوضات مباشرة مع لبنان… ولقاء أمن قومي ثلاثي حول الملف السوري

خيراً كان لو صاغ رئيس شعبة الاستخبارات نفسه بشكل مختلف، وليس في موضوع حزب الله فقط. ففي أقواله عن الروس أيضاً ـ الذين «يخلقون احتكاكات شبه يومية كي يتمكنوا من حلها» ـ كانت زائدة حتى وإن كانت صحيحة. فموسكو أهم لإسرائيل من أن تتورط معها في ترهات: لدى هايمن وسائل أخرى لمحاولة ترميم مكانته كرئيس لشعبة الاستخبارات التي تضررت في أعقاب فشل العملية في خانيونس في تشرين الثاني الماضي.

النار على جبل الشيخ كحالة اختبار

لا تتوقف التطورات في الجبهة اللبنانية. ففي الساحة السورية أيضاً من المتوقع قريباً خطوات ذات مغزى. فاللقاء الثلاثي الذي سينعقد هذا الشهر في القدس بين مستشاري الأمن القومي للولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل، هو حدث سابق: بعد 52 سنة من حرب الأيام الستة سيلتقي مندوبو القوى العظمى في القدس للبحث في حل الموضوع السوري.
إسرائيل، بإسناد أمريكي (أو للدقة: الولايات المتحدة بدفعة إسرائيلية)، ستحاول حث الروس على المساعدة في إبعاد الإيرانيين عن سوريا. ويبدو أن للروس مصلحة في أن يحصل هذا، ولكنهم سيأتون مع قائمة مطالب، وعلى رأسها طلب (لن يستجاب) أن تمول الولايات المتحدة إعمار سوريا.
لهذا الحوار الأمريكي ـ الروسي أهمية تتجاوز المصالح الإسرائيلية وما يجري في المنطقة؛ فالعلاقات بين القوتين العظميين ليست في أفضل حالها، ولقاء مستشاري الأمن القومي ـ الذي كاد يكون الإنجاز الوحيد لقمة ترامب ـ بوتين في هلسنتي العام الماضي ـ يستهدف تحسينها. أما حقيقة مثل هذا اللقاء الذي يجري في القدس برعاية وبمشاركة إسرائيلية فمذهلة بقدر لا يقل.
في هذه الأثناء، في الميدان، الأعمال كالمعتاد. ففي أعقاب إطلاق الصواريخ على جبل الشيخ السبت الماضي هاجم الجيش الإسرائيلي مواقع ووسائل قتالية للجيش السوري، حسب التقارير، وفي الغداة أهداف إيرانية في مطار تي 4 أيضاً. لا توجد علاقة بين هذين الحدثين: الهجوم الأول كان رداً، أما الثاني فقد كان استمراراً للنشاط الإسرائيلي الدائم ضد محاولات إيران التموضع في سوريا.
يبدو أن ما أبيد في هذا الهجوم كانت أجهزة النقل والتخزين لوسائل قتالية تنقلها إيران إلى سوريا بهدف استخدام حزب الله لها أو الميليشيات الشيعية التي تعمل تحت رعايتها. حتى وقت أخير مضى جرى هذا النشاط في إطار مغلق في المطار الدولي في دمشق، ولكن سلسلة الهجمات التي نسبت لسلاح الجو ألزمت الإيرانيين بسحب نشاطهم إلى مطار آخر، أقل راحة من ناحيتهم، على أمل (خاب) تصعيب الأعمال الإسرائيلية.
تبقي هذه الخطوات، حالياً، التفوق الإسرائيلي في الساحة الشمالية. ولكن نار الصواريخ على جبل الشيخ يجب أن تقلقها. ليس فقط حقيقة أن مثل هذه النار، التي لم تتضح المسؤولية عنها بعد، تتم هكذا في منتصف الليل دون مبرر أو صلة فورية، بل الحاجة إلى منع من يطلقها من أن يجعل هذا أمراً اعتيادياً.
على الحدود التي يعاد تصميمها بعد أكثر من 7 سنوات من الحرب الأهلية، فإن إسرائيل ملزمة في أن تبقي دفاعاً قوياً إلى جانب رد ذي مغزى، وإلا فستنصب إليها كل مشاكل المنطقة ـ من مشاكل حزب الله في لبنان، عبر أوجاع رأس إيران وحتى كل مخرب متثائب ـ والجولان سيصبح في لحظة منطقة قتالية نشطة وذريعة لاحتكاك دائم وخطير بين إسرائيل والمحور الراديكالي في الشمال.

يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 7/6/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية