كيف لنتنياهو أن يحرف بوصلة المحكمة عن ملفاته؟

حجم الخط
0

في زياراته المتواترة إلى موسكو، يحرص نتنياهو على أن ينزل في فندق بريزيدنت على شاطئ النهر الذي يقطع المدينة. الفندق فاخر، ولكن يوجد في موسكو فنادق فاخرة أكثر منه، تتناسب وذوق رئيس الوزراء وعقيلته. ولكن الاختيار ينبع من سبب آخر: المالك الرسمي للفندق هو مكتب الرئيس الروسي. فالمداخيل تنقل إلى مكتب الرئيس، وإذا كان ثمة حقيقة في الشائعات، فإنها تصل إلى هناك مباشرة إلى الحسابات السرية التي يحتفظ بها بوتين في بنوك مختلفة على وجه المعمورة.
لقد علمتني هذه الصدفة شيئاً ما إيجابياً عن رئيس وزرائنا؛ فبخلاف الانطباع الناشئ على مدى السنين في أن نتنياهو يعرف لا وجبات مجانية: إن هناك حاجة أحياناً إلى دفع ثمن. إذا كانت المصلحة الوطنية العليا تستدعي منه أن يكتفي بفندق خمس نجوم زائد ـ ليس ست أو سبع ـ فإنه يفعل ذلك وإلى الجحيم بالراحة. هكذا هو رئيس وزرائنا، وليصمت كل المشهرين به. على ماذا يدور الحديث؟ عن صفقة أتاحت إعادة عظام مقاتل المدرعات زخاريا باومل إلى إسرائيل، عشية الانتخابات. السؤال متى بالضبط عقدت الصفقة.. يبقى مفتوحاً ـ قبل نقل الجثة إلى البلاد على حد رواية الروس، أم بعده على حد رواية مكتب رئيس الوزراء. ولما كان الطرفان في هذه القصة معروفين بولائهما المتزمت للحقيقة، من الصعب علينا أن نقرر.
شيء واحد واضح: الصفقة ممتازة. عائلة باومل أغلقت دائرة، وإسرائيل تخلصت في الفرصة إياها من سمكتين صغيرتين، واحدة تاجر مخدرات كان يوشك على أن يتحرر والثانية مخرب صغير. ويحتمل أيضاً أنه وضع الأساس لصفقة أخرى مع السوريين ستعيد إلى البلاد عظام مفقودين آخرين من معركة السلطان يعقوب، يهودا كاتس وتسفي فيلدمان، وعظام ايلي كوهن. الصفقة وتوقيتها يدلان أيضاً على المكانة العظيمة لنتنياهو في الساحة الدولية. فتدخل دول أجنبية في الانتخابات في إسرائيل سجل في الماضي أيضاً، ولكن نتنياهو نجح في أن يجند في حملته الانتخابية ترامب وبوتين على حد سواء. لست واثقاً أن هناك زعيماً آخر في العالم يتمتع في هذه اللحظة بمحاسن رئيسي الدولتين العظميين الخصمين، ربما باستثناء كيم يونغ اون، حاكم كوريا الشمالية. حسب القانون، فإن صفقة تتضمن تحرير مخربين يجب أن تمر عبر نقاش وتصويت في الحكومة. وكان يمكن لنتنياهو أن يمرر صفقة باومل دون صعوبة في أي محفل ـ في الكابينت، وفي الحكومة، وفي الرأي العام.

بعد نجاح صفقاته… من «باومل» حتى تجنيد ترامب وبوتين لحملته الانتخابية

ورغم ذلك فقد اختار أن يتجاوزها، واكتفى بتسويغ موضع خلاف على لسان المستشار القانوني للحكومة، افيحاي مندلبليت. ينبغي لهذا القفز أن يثير اهتمامنا لسببين: الأول، التغيير الذي طرأ على الطريقة التي يرى فيها نتنياهو نفسه ومكانته. ليس الأول بين متساوين كما كان في الماضي، بل هو واحد ووحيد ـ فوق المسلمات، فوق المعايير، فوق القانون، ينظر حوله فلا يرى إلا أقزاماً، أقزاماً في حزبه وأقزاماً في الأحزاب الأخرى. لقد قيل ذات مرة عن بن غوريون إنه كانت لديه قدرة خاصة على أن يخرج من الآخرين أسوأ ما لديهم، أما نتنياهو فقد تجاوز في هذا المجال أيضاً رئيس الوزراء الأول. فهو يرى كيف يتنافس الوزراء المرشحون فيما بينهم، ومن يخترع طريقة أنجع لشطب لائحة الشبهات ضده. هو لم يطلب: هم يقومون بالعمل الوسخ بمبادرتهم. حقيبة مقابل ملف: حقيبة العدل مقابل إبادة ملف 1000؛ حقيبة التعليم مقابل إبادة ملف 2000؛ حقيبة الأمن الداخلي مقابل إبادة ملف 4000. لا غرو أنه يحتقرهم.
إن القفز عن القانون يثير اهتمامنا لسبب آخر: دور المستشار القانوني للحكومة. لا أعرف كيف ينجح مندلبليت في أن يكون شريك سر نتنياهو في مناورات تنز عنها رائحة سياسية وفي الوقت نفسه يكون خصمه المرير في ملفاته الجنائية. هذا فوق القوة البشرية. مرتان استخدم نتنياهو مندلبليت كسترة واقية في خطوات تجاوزت المنظومة. في قضية الرسالة التي سمحت للألمان بأن يوردوا غواصات متطورة للمصريين وصفقة باومل. ماذا يقول هذا عن مندلبليت، ماذا يقول عن قدرته على الوقوف في وجه الضغوط في المستقبل.
عشية تشكيل الائتلاف الجديد يمكن التقدير على نحو شبه مؤكد بأن ملفات نتنياهو لن تصل إلى المحكمة. توجد لهذا أغلبية في الكنيست المنتخبة، مع ريح إسناد من جانب الناخبين. الأسئلة المتبقية هي كيف سيتم؟ من خلال فرض حصانة بأثر رجعي أم بواسطة أداة أخرى؟ هل سيحظى نتنياهو بإلغاء محاكمته أم أن درعي أيضاً معه، وكذلك ليتسمان وكاتس وبيتان؟ وهل ستخصى على الطريق محكمة العدل العليا أم سيحدث هذا لاحقاً؟
الثمن سيكون ضياع مكانة إسرائيل كدولة قانون. نتنياهو سيدفع: فهو يثبت المرة تلو الأخرى أنه عندما تكون هناك حاجة يعرف كيف يدفع.

ناحوم برنياع
يديعوت 29/4/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية