كيف لوافد جديد أن يجرح امه؟

حجم الخط
0

كل ما رأيت امرأة حامل إلا ووجدتني في غمرة شعور يوغل بي في متاهات من الغرابة والتعجب تجاورني فيها تساؤلات عدة أبرزها كيف لإبن أن يجرح أمه.. أن يذيقها المرارة.. أن يدفع بدموعها الغالية إلى ملامسة خديها.. تفترسني هذه الأسئلة كثيرا وأنا أرقب ذلك البطن الممتد في تشوه ملحوظ بفعل تكور مخلوق بداخله.. ذلك الإعياء المطل عبر الوجه الذي يوحي بإرهاق وتعب ونقص في التغذية ناتج أساسا عن ما تمر به المرأة خلال هذه الفترة. ومع كل ذلك تبدو المرأة سعيدة.. سعيدة رغم تنهدها لحظة الوقوف.. ورغم تصبب العرق من جبينها لأبسط مجهود.. وأشياء أخرى تدركها المرأة أكثر منا.يداهمها آلام المخاض.. تتألم كثيرا.. تصرخ وتصرخ قبل أن تستسلم أعماقها لرقصة فرح على أنغام صرخات مولودها.. الوافد الجديد الذي سيزين عالمها ويملؤه بهجة وسرورا.تمضي أيام هذا الوافد وكلها صراخ وبكاء مستمرين ولا شي ء يعجبه في عالمه الجديد.. تقف به تارة وتجلس تارة أخرى وقلبها يحترق كقطعة قماش في حضرة حفرة نار ملتهبة إلى أن يهدأ قليلا فتمد له ثدييها فيشرع في تلقف الحليب السخي المنهمر منهما ويخلد إلى النوم بعد ذلك على أن يعاود الصراخ من جديد في ساعة أخرى من الليل ليوقضها.الوافد الجديد لم يعد جديدا وصار عارفا بكل شيء لم يعد ذلك المتكور ولا صاحب الصرخات الليلية المزعجة ولا الصغير الذي لا يهدأ إلا عندما يجد كل مطالبه أمام عينيه بما فيها الألعاب والحلويات والشوكولا وغيرها. الوافد لم يعد يصل إلى البيت إلا متأخرا وعندما تواجهه وتشرع في عتابه على تأخره يصرخ في وجهها ثم يمضي..عندما تطلب منه أن يذاكر وينتبه لمستقبله يمطرها بوابل من الإعتراضات قبل أن يغلق عليه باب غرفته غاضبا فتبادر هي بقلب يفيض حبا وحنانا وطيبة إلى إرضائه وكأنها المذنبة.. تمضي السنين ويقرر الوافد الزواج .. تسعد هي كثيرا وتترقب بشغف أحفادها منه.. تتخيلهم في احضانها.. تداعب بأصابعها شعور رؤورسهم، تقبلهم وتضمهم في كثير من الحنان إلى صدرها.لم تعد بكل تلك الصحة.. قلت حركتها وتسلل الضعف إلى خلايا جسدها..غزت جيوش من التجاعيد وجهها واستحال شعرها إلى بياض إلا من شعيرات قليلة رفعت شعار العصيان في وجه الزمن وسطوته.. لم تعد تفارقها حبوب الضغط والسكر.. ولازمتها متاعب الشيخوخة. بعد كل صلاة تجلس على سجادتها والمسبحة بين أصابعها.. تدعو بإلحاح بأن يحفظ الله الوافد أو النزيل عند امرأة أخرى هي الزوجة التي يعيش معها اليوم.في كل مرة تعاتبه فيها على تباعد مواعيد زياراته لها يعلل ذلك بكثرة المشاغل.. الشغل والأبناء، وينسى تماما أن لها جسما تكور بداخله.. شوهه.. تغذى منه.. وقلبا تقطع لصراخه المتواصل في ليال تقاسمتها الفصول.. وأحلاما كثيرة خبأتها بعيدا في سبيل تربيته. محمود الصيام – المغرب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية