كيف مات الطفل يسوع في غزة؟ وعاد «بابا نويل» سريعاً إلى القطب؟

«عيد بأية حال عدت يا عيد»؟! عدت ودماء أطفالنا في غزة قد طافت حتى صبغت مياه البحر الأبيض المتوسط بالأحمر. عدت، على الرغم من أن كنيسة بيت لحم وكل المناطق الفلسطينية قد أعلنت وبصوت عال عن عدم رغبتها في استقبالك.
لقد اكتفى السكان برفع الصلوات حداداً وألماً على إخوتهم في غزة، بعد أن دمرها الاحتلال، بشكل كامل، ولم يترك فيها أي معالم للحياة!
لم يكتف بهدم البيوت وقتل المواطنين وهم نائمون في أسرتهم، بل أيضاً قصف الجوامع الكنائس! هكذا وصف البابا فرنسيس همجية الجيش الإسرائيلي الإرهاب، خصوصاً بعد أن قتل القناصة المتوحشون السيدة ناهد أنطون وابنتها سمر، في ساحة كنيسة العائلة المقدسة.
أما منذر إسحاق، وهو قس في الكنيسة اللوثرية الإنكليزية فقال في عظته، بعد الاعتداء على الكنائس وقتل المصلين: «لن نقبل اعتذاركم بعد الإبادة الجماعية.. ما حدث قد حدث، وأريدكم أن تنظروا في المرآة وتتساءلوا أين كنتم عندما كانت غزة تعاني..»!؟
في بيت لحم ولد المسيح هذه السنة، وقتل في اللحظة ذاتها.. في ليلة الميلاد هذه لم يستطع أب فلسطيني دفن أطفاله وخسرت أم فلسطينية تسعة من أبنائها وراحت تنوح وتتلوى فوقهم وكأنها مذبوحة من الوريد إلى الوريد. وهناك أطفال كثيرون ماتوا جياعاً. ومبان عديدة هدمت، كلها وفي وقت واحد، فوق رؤوس سكانها. وكانت كل تلك المجازر تقدم كهدايا «مميزة» من الجنود الإسرائيليين إلى أفراد من عائلاتهم أو أبنائهم في مناسبات مختلفة.
عدت أيها العيد بوحشية غير معهودة ترن أجراسك، فيما هناك طفل فلسطيني في مركز علاج الكلى يبكي بحرقة وهو يردد: «خائف أموت قبل ما أشوف عيلتي»، بعد أن اعتقل الاحتلال والده، وفقد عائلته خلال التهجير.. عدت لتقهر أباً فلسطينياً متطوعاً في مستشفى.. ففي ليلة العيد صدم برؤية أبنائه أمامه مقتولين جميعاً بفعل الصواريخ التي تساقطت فوق جنوب غزة.. عاد العيد وفي إحدى الطرقات طفل صغير يبحث بين الأنقاض عن أشلاء أخيه.. وآخر ينام على الطريق، وهو يعانق جثمان صديق طفولته، الذي استشهد في غارة إسرائيلية.
يا فلسطين الحبيبة، نعتذر منك لأننا لم نتمكن من إيقاف العيد عن المجيء.. لقد أصر أن يطل علينا بألوانه وأضوائه.. ولم يخجل من احتلال واجهات أكبر المتاجر العالمية، وأن يحمل معه صخب الحفلات.. لكن الكثيرين حول العالم من مناصري العدالة والمحبة والسلام تفاعلوا مع حزن بيت لحم.
هكذا قام نشطاء في مدينة ليون في فرنسا بإمطار الزبائن، في واحد من أكبر مراكز التسوق، بآلاف الملصقات، التي تحمل أسماء أطفال فلسطين.. وفي بريطانيا وقفت امرأة انكليزية مسنة على الرصيف، وهي تحمل لافتة كتب عليها: أوقفوا الحرب على غزة.. وفي استراليا اعتصم عدد كبير من الأشخاص، وقد رددت إحدى الشابات على مكبر للصوت:
«بينما يتساءل أطفالكم ربما عما إذا كانوا سيحصلون على الهدايا التي طلبوها منكم، فإن الأطفال في غزة يتساءلون عما إذا كانوا سيستيقظون على سقوط منازلهم فوق رؤوسهم. وبينما أنتم تهرعون إلى المتاجر اليوم وغداً استعداداً لغداء وعشاء عيد الميلاد، يتساءل الناس في غزة عما إذا كانوا سيحصلون على قطعة خبز قديمة تكفيهم لـ 24 ساعة المقبلة». أما في ساحة إحدى الكنائس، فقد وضعت فنانة مجسماً «للطفل يسوع» داخل حضانة، للتذكير بالخدج الذين قتلوا جراء الاعتداءات الإسرائيلية على مستشفيات غزة.
هكذا تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع عدم الاحتفال في الميلاد من خلال مشاركة عدد من الرسومات المعبرة.. كانت أبرزها صورة لشجرة الميلاد نصفها أخضر والنصف الآخر أسود.. على الجهة الخضراء زينة ترتمي تحتها الهدايا أما الجهة السوداء فهي تقف فوق الركام والدمار وإلى جانبها طفل يبكي.
وقد تداول أيضاً رواد مواقع التواصل الاجتماعي شجرة أخرى نصفها مزين والنصف الآخر مشتعل بالنيران.. ومن أكثر الصور التي لاقت تفاعلاً كبيراً لشدة المعاني التي تحملها هي صورة للعذراء مريم التي تلطخ وجهها بالدماء وهي تحمل طفلها المقتول، وقد لفت رأسه بكوفية فلسطينية، ولا شيء حولهما سوى الدمار والموت.
«عيد بأية حال عدت يا عيد»؟! لماذا عدت في موسم القهر والحزن والعزاء؟
يا أطفالنا في غزة، الشهداء منكم والأحياء، ما أبشع «بابا نويل» هذه السنة.. هو لم يتغير.. مازال نفس العجوز السعيد والسمين صاحب اللحية البيضاء الكبيرة واللباس الأحمر والأبيض، ولكنه أصبح بغيضاً وبخيلاً ومجرماً وجباناً، مر بعربته ولم يكن معه سوى كيس من الألعاب.. وأطفال غزة لا يريدون منه ألعاباً، بل أشياء أخرى كثيرة، فهو لم يرم بأغطية صوفية على أطفال يرتعشون من البرد، وهم يحتضنون بعضهم البعض على الرصيف، ولم يلق بعوامات للأطفال الذين أغرقتهم المياه داخل الخيم، ولم يحضر أرغفة خبز للجياع ولا قناني مياه للعطشانين، ولم يوزع أدوية على المرضى، ولم يحضر معه للأطفال الذين فقدوا أطرافهم أطرافاً اصطناعية جديدة. مر بكيس ألعابه وراح بغباء شديد يتفقد مداخن مدافئ المنازل، التي يهبط منها فيضع هداياه تحت شجر عيد الميلاد، لكنه لم يجد لها أثراً. وقف للحظات قليلة فوق الركام ليجد معظم أطفال القطاع أشلاء. ثم سمع صوت هدير الطائرات الحربية التي أسرعت بإطلاق صاروخ على مسافة قريبة منه فكست لحيته الناصعة بالبياض بغبار كثيف. هكذا خاف على حياته وحياة الأيائل وعلى مزلجته السحرية الجميلة، فترك كيس الألعاب وحيداً فوق تلة الركام وهرب سريعاً ليعود إلى القطب الشمالي، حيث تنتظره زوجته السيدة «كلوز» على العشاء.

كاتبة لبنانيّة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية