عبدالكريم كاظمالثقافة العقائدية لا تعصم الفرد من الأخطاء المتسببة عن طبيعته الأخلاقية وطباعه الخاصة، فالشرط الأخلاقي تجسيد للشرط الثقافي وتوكيد له، كما أن الشرط الأخلاقي بلورة للشرط الثقافي وتزكية له، من هنا نساءل: هل سينتهي عصر الثقافة العقائدية المغلقة لكي نرد للثقافة المغايرة هيبتها؟ هذا السؤال يجعلنا على قدر كبير من الصراحة ونحن نطلق عنان الكلمات والحروف .يخلخل المثقف العراقي المغاير الأسيجة، يضحك بمرارة، لأنه، وهو المحاصر بالموت والاحتلال والنفي والشبهات، يهزّ موته ويخرج إلى الحياة، يتقدم إلى المعنى، وهو المصفوع على وجهه بسلطة السياسي المحزوز عنقه بصواعق الاحتلال المخذول من صمت الآخرين لذبحه، ليُفسح المجال للحلم وللكلمات المضادة للدمار وسط الزمان المفخخ في المكان الموكول للهدم .أقول دائماً: إن إصرار السياسي على أن يستمد مشروعيته من الثقافي ليس محض اجتهاد، فالثقافة هي عماد الضمير الإنساني ولا يمكن للسياسي أن يحصرها في مواقف شعائرية مثلما لا يمكن له أن يضع المثقف تحت إبطه يئن من وطأة التهميش أو الإقصاء وأمور أخرى تتمحور حول سلطة المال وسلطة الأحزاب واللصوص وسلطة الاعلام والتكنوقراطيين وغيرها من السلط الخفية والمتسترة تحت عناوين براقة، وفق هذه التصورات كيف يمكن أن نرد للثقافة العراقية المغايرة هيبتها؟ في حين أن هذا السياسي أو ذاك لديه عموميات واسعة، كل واحدة منها تحاول أن تضفي القمع على الأخرى وتحاول أن تقسر أختها بصرف النظر عن التسميات .البعض منا يردُ على هذا التساؤل بأن علينا أن نُسقط الثقافة في الشرك الذي نصبه لنا السياسي، وأن نرد عليه بضدّه، أن نستخدم نفس الأسلوب الذي مارسه ضدنا، بأن نبين أن ممارسات السياسي ضد الثقافي تندرج تحت مفهوم الإقصاء كما حدده هو إبتداءً بطقوس التهميش أوالاهمال المتعمد وانتهاء بحروبه المدمرة، والبعض الآخر يرى أنه من الخطأ أن نتبنى نحن سؤالاً ابتدعه السياسي ضدنا لأن ذلك يعني انحيازاً منا لمواقف السياسي أو خوفاً منه، فالسؤال بمجمله وكل ما يرتبط به من مفاهيم وإجابات مفترضة يحتاج إلى مراجعة شاملة أو صياغة جديدة منا، لأنه بصورته الجدلية الراهنة لا يصلح لاسترداد هيبة الثقافة محل التساؤل، وفي رأيي أن لا بأس من سلوك طريق أسلوب المراجعة الشاملة، فمن الضروري في إطار الحالة الثقافية العراقية البائسة الراهنة أن نفصح بالقول وندع الذاكرة تتحدث بلا تشويش على ضوء ما يختزنه الماضي من تفاصيل مثقلة بالخراب أوما يضعه الحاضر من معايير مختلة باتت مستهلكة في نظر البعض وأن نبيّن زيف قواعده الأخلاقية وازدواجية قياساته المضطربة وذلك بأن نكشف عن ممارساته الهمجية الوحشية وفقاً للتوصيف الذي وضعته الوقائع، إلا أن ذلك لا يجوز بأي حال من الأحوال والفوضى عارمة شاملة بحيث تُشغلنا عن قراءة الظاهرة الثقافية الجديدة في عراق اليوم حين يحاول البعض أن يستوعبها بشكل منقوص ومشوه ونعني بها ظاهرة العنف الثقافي التي لا تقل ضراوة عن العنف السياسي الذي لا يخرج عن إطار الضحية والجلاد عبر تبادل الأدوار والمواقع بينهما، علينا أولاً أن ندرس تأريخ وأشكال ذلك العنف الذي كان سائداً ابتداء بالحظوة الحزبية وما صاحبها من ممارسات عقائدية مغلقة معروفة وانتهاء بالحروب التي كانت بمثابة إعلان عن ترتيبات جديدة لممارسة السقوط والهيمنة الايديولوجية المتجددة مروراً بالأشكال المختلفة للإقصاء الذي مارسه صاحب الحظوة بمعية ثقافة الصوت الواحد ضد ثقافة الاختلاف والمغايرة.ان مثل هذه القراءة ضرورية اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن ما يسمى بالنظام البائد أوالعهد الجديد، المقصود به الإعلان عن بداية مرحلة ثقافية جديدة، إنما يؤذن في الوقت نفسه بظهور أنماط جديدة بالغة الخطورة للعنف الثقافي والعقائدي والطائفي المسحوب على السياسي ضد كل أنواع القول أو الكتابة والنقد، على انه ينبغي أن يكون معلوماً هنا أن الحديث عن تلك الأنماط العنيفة لا يعني بحال من الأحوال اختفاء الأنماط القديمة كالحرب أو التهميش بالمعنى السابق وإنما يعني إضافة النسيان إليها، وهذا الأمر ترفض أن تمارسه الذاكرة، فحرب الخليج الأولى والثانية والثالثة والأحتلال مروراً بجميع الممارسات القمعية أثبتت أن أشكال العنف الراهنة لا غنى عنها، بل إنها تتخذ طابعاً قد يكون أكثرة قسوة من الماضي، وفي رأينا أن الأزمة التي نمر بها لم تقتض من الرموز الثقافية القمعية والمتلونة،او تلك التي وقفت مع الاحتلال، لتضعهما موضع المساءلة وعليه نتساءل ثانية: هل ثمة إجراءات جادة لوضع حدّ لهما أم أن الثقافة ستبقى، مرة ثانية، هي المرشحة لأن تدفع الجزء الأكبر من ثمن الجروح والازمات والمحن؟ فأزمة الثقافة، هيبتها وجروحها تقتضي توسع هذه الإجراءات وهو ما يعني مزيداً من المكاشفة والمصارحة البعيدة عن العناد أوالتصلب وسوف يتم فرض إلحاق هذه المكاشفات المفتوحة بمزيد من الانتعاش الثقافي الذي سيحمي الثقافة، ولقد رأينا بالفعل بعض من هذه المكاشفات والاعترافات، حتى وأن كانت مقتضبة أوخجولة ومكابرة، التي كانت تهدف بمجملها إلى التبرئة أو الاعتذار . لقد جاءت هذه المحاولات جميعها مصحوبة بحملة ثقافية متمدنة تقتضي أيضاً إعادة النظر في الكثير من الممارسات الماضية التي صدرت عن هذا أو ذاك لا من أجل التكيّف مع متطلبات العهد الجديد بطريقة حرباوية أو نفعية سمجة بل بما يتكفل اليوم القيام به من مهام حضارية متحضرة، يجب التعاطي معها، تقع على عاتق العديد من مثقفي العراق .تبقى في النهاية كلمة: لا أريد هنا حقيقة كمن يقوم بإسداء النصائح، لكنني أقول وبمنتهى الصراحة، إن مقاومة العنف السياسي/الثقافي بأشكاله الجديدة لا يمكن أن تتخذ ذريعة من قبل بعض الأحزاب أو المؤسسات الاعلامية المسيسة أو المدعومة لتفرض هيمنتها وعنفها، مرة أخرى، بل على العكس فإن هذه المقاومة الفكرية السلمية، وهي مهمة المجتمع ومثقفيه الصادقين، تقتضي فتح أوسع أبواب الحوار الحقيقي بين مثقفي البلاد كلها، وعليه فلا يمكن للثقافة أن تكون ذريعة للسياسي لإغلاق النوافد الحوارية وفرض الأحادية الثقافية من جديد بمسميات شتى، فالحوار دليل عافية والقسر دليل سُقم، وهذا شرط أساسي ليبدع المثقف ويصمد أمام كل الآفات التي أوغلت في حياتنا إيغالاً عميقاً .