كيف ننتصر لشباب الثورة؟

مصر من مجتمعات الزيادة السكانية النشيطة، والنتيجة أنها مجتمع شاب جدا، نسبة الأطفال حتى سن 14 سنة تبلغ 31′ من مجموع السكان، ونسبة الشباب من سن 15 سنة حتى 29 سنة تصل إلى 29’، بينما لا تزيد نسبة الكبار (65 سنة فأكثر) على 4.4′ من السكان، حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء .
والأرقام لا تكذب، وهي تحكي ببساطة قصة مجتمع يعاني، فلدينا 65′ من المصريين فى سن الوعي ثم سن العمل، وهم الكثرة الغالبة من سن الالتحاق بالمدارس الثانوية إلى سن الإحالة على المعاش، وهذه الحيوية الشابة واقعة تحت ضغط ظروف السياسة والاقتصاد، بينما تبدو النخبة الحاكمة فى مدار آخر، فحتى بعد 25 يناير2011، ثم موجتها الأعظم فى 30 يونيو 2013، وبعد التجديد والتبديل فى اللوائح والأسماء، فإن سن رئيس الوزراء الجديد إبراهيم محلب، يبلغ 65 سنة، وهو أصغر بحوالى 15 سنة من سلفه المستقيل حازم الببلاوي، وسن أغلب الوزراء أكبر كثيرا أو أصغر قليلا من سن رئيس الوزراء، والمحصلة أن المجتمع الشاب محكوم من أقلية الأقلية السكانية، التي لا تزيد عن 4′ من مجموع المصريين .
وربما تفسر هذه الصورة جوانب من محنة الشباب فى مصر ، فقد كان الشباب هم وقود الموجات الثورية المتلاحقة، كان المبشرون بالثورة والداعون إليها من جيل الوسط السياسي، وهم الذين بادروا إلى تأسيس حركة ‘كفاية’ وأخواتها، وأغلب هؤلاء الآن بين سن الخمسين إلى سن الستين، ثم تدفقت أجيال أصغر إلى ميادين المبادرة الثورية بعد إضراب 6 أبريل/نيسان 2008، ثم كانت أجيال ما تحت الأربعين هي عناوين الميادين من 25 يناير/كانون الثاني إلى 30 يونيو/حزيران وبصورة جعلت الشباب والنساء في قلب المشهد الثوري، بينما سكنت الأجيال الأكبر سنا على حواف الصورة، ولم يكن في الأمر ثورة أجيال، ولا ثورة شباب محضة كما يقال أحيانا عن الثورة المصرية تصغيرا لشأنها، بل كانت ثورة مجتمع شاب بطبعه السكاني، مجتمع شاب وقع تحت قهر ظروف انحطاط تاريخي متصل لأربعين سنة خلت، تكالبت عليه المظالم وصنوف التجريف والنهب الوحشي، واجتمعت عليه مآسي الاستبداد والفساد والتخلف والفقر والبطالة والعنوسة والمرض، وجرى احتجازه في نفق تاريخي مظلم، دفعه إلى الهجرة التائهة في الجغرافيا بحثا عن الرزق، أو الهجرة إلى التاريخ بظاهرة العودة الدينية المعممة، وتحويل المجتمع إلى غبار بشري سائح ناضح بمشاعر البؤس واليأس، ثم كانت الدعوة إلى الثورة والتبشير بها، ثم التقدم إلى الثورة ذاتها، بما زفرت النفوس المليونية من غضب، وملكت الأيدي من قبضات، وهو ما بدا معه كأن مصر تريد استعادة حقيقتها، وتطمح إلى تأكيد حيويتها الشابة المحتجزة، وتنضو عنها رداء الشيخوخة المتآكلة، التي طحنت وسحقت وهرست أجيالا، هي غالبية المصريين اليوم بامتياز .
وما من جدال في أن الثورة لم تكتمل في مصر إلى الآن، فالثورة تقوم ولا تحكم، و’الأغيار’ ـ باستعارة المصطلح اليهودي ـ هم الذين يحكمون غالبا، وبانتظار أن تحكم الثورة بالبرلمان، أو بالعودة إلى الميدان، وإلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، إلى أن يحدث ذلك، ربما نظل بصدد ثورة متعثرة، أو ثورة مغدورة.
جوهر التعثر، أن مصر إلى الآن لم تحكم نفسها بنفسها، ولم تستعد شبابها وحيويتها المطمورة، أي أنه لم يجر ‘تمكين مصر’، وهو ما أفهمه من غياب هدف ‘تمكين الشباب’، فتمكين الشباب ـ عندي ـ هو تمكين مصر الشابة بطبعها الاجتماعي والسكاني، تمكين مصر الشابة من قرارها وحقها في صناعة أقدارها، وليس البحث عن مناصب لشريحة سنية بذاتها، ولا حصر قصة الشباب في جماعات مختلطة طافية على السطح، تنتحل لنفسها صفة ‘شباب الثورة’، فقد تألفت عشرات المجموعات الشبابية الحقيقية أو المصطنعة زمن حكم مجلس طنطاوي وعنان، وكلها تتحدث باسم الشباب وتمكين الشباب، بينما لا تعدو في أغلبها سوى جماعات من المرتزقة والنصابين صغار السن، وتماما كما توجد جماعات مرتزقة أكبر سنا، تنتقل في خفة الفراشة من خدمة نظام إلى الذي يتبعه، وقد لا نقيم وزنا لهؤلاء، وإن كانوا طرفا ظاهرا في قصص هزل من نوع ‘مفوضية الشباب’ إياها. إضافة لمرتزقة الأجهزة المحلية، ثمة وجود ملموس لشباب دخلوا في خانة الارتزاق من التمويل الأجنبي، وقد لا يصح حسابهم بحال في زمرة شباب الثورة، وإن كانت أصواتهم عالية نسبيا، وبعد إزاحة المزيفين والأعشاب الضارة من قلب الميدان، يتبقى الجمهور الأوسع لشباب الثورة، وهم من نزعات سياسية متباينة، بعض هؤلاء ينتمون إلى تيارات رجعية ليبرالية كانت أو دينية، وأغلب هؤلاء من تيارات وطنية ثورية. ربما المشكلة تكمن في اختلاط الأوراق وخداع الصور، فقطاعات الوعي الثوري تختلط مع قطاعات الوعي السطحي، فبعض هؤلاء ممن لم يقرأوا كتابا في حياتهم، وبعضهم الأكثر ممن توقف وعيه عند حدود ثقافة الفيسبوك وشاشات الكومبيوتر الملونة، ووعيهم بالثورة بصري وسينمائي إلى حد مدهش، فالثورة عندهم مجرد ‘فيلم أكشن’، أو محض خناقة مع الشرطة، أو مباراة يشجعونها على طريقة مشجعي الكرة الساخنة، وقد لا يصح لوم هؤلاء، فهم ضحايا مجتمع جرى مسح عقله، أو جرى ‘تقوير’ دماغه على طريقة ‘تقوير’ الكوسة في طبخة لزجة تثير القرف. والثورة لا تعني أن تخلع عقلك، الثورة حركة عقل وفهم وقرار وعمل، والشباب يكتسب صفته الشبابية من الوعي بالمجتمع والالتصاق به، وليس الإدعاء عليه أو التطفل على حسابه. الثورة المتعثرة المغدورة تحتاج إلى من ينقذها ويتقدم بها، تحتاج إلى الوعي بعلة النقص فيها، تحتاج إلى الوعي المحدد باللحظة المحددة، وعلة النقص في الثورة المصرية المعاصرة ظاهرة لأبسط وعي ثوري، فثمة تناقض جوهري بين مشهد الثورة ومشهد السياسة، مشهد الثورة ـ في موجاتها المتلاحقة ـ يخلع القلب، ومشهد السياسة الشائخة المتهالكة يقبض الروح. مشهد السياسة تسيطر عليه أطياف اليمين الفلولي والديني والليبرالي، ويستهلك طاقة فئات لا بأس بها ممن ينتحلون صفة شباب الثورة، فيما يبدو مشهد السياسة خاليا إلا فيما ندر من حس ثوري حقيقي، وقد كانت تلك النقطة بالذات مثار اهتمامي المبكر، ومنذ تحدثت في كتابي ‘الأيام الأخيرة’ ـ صدرت طبعته الأولى سنة 2008 ـ عن الحزب الذي تنتظره مصر بديلا للحزب الذي ينتظر مصر، كنت أعرف بيقين اسم الحزب الذي ينتظر مصر بعد خلع مبارك، وتوقعت حكم حزب الإخوان بعد حكم مبارك، وبالمآسى ذاتها التي صاحبت ما جرى، التي بدا فيها شباب الإخوان كضحية لشيوخ الإخوان، وبإعادة إنتاج حالة الانحطاط التاريخي ذاتها، وحين زال حكم الإخوان، لم يكن الذي سعيت إليه قد تحقق بعد، فقد نبهت في ‘الايام الاخيرة’، إلى ضرورة بناء حلف وطني واسع من حول حزب ثوري جماهيري، نبهت إلى أولوية بناء حلف سياسي يجمع تيارات اليسار والوسط الاجتماعي، وبدت الفرصة مواتية بعد ثورة 25 يناير 2011، فقد زاد الطلب الاجتماعي على السياسة بصورة طفرية، وأفاق المصريون من غيبوبة طويلة، وصارت السياسة خبز الناس اليومي في البيوت والمقاهي والشوارع وأماكن العمل، وتغير الموقف كليا، كان المصريون أسرى لخوف تاريخي تمدد حتى نهاية العقد الأول من القرن الجاري، وكان بناء حزب سياسي ـ خارج دعاوى اليمين الديني ـ مهمة بالغة الصعوبة، فقد كان الناس قد أعرضوا تماما عن السياسة التي ماتت وفقدت جدواها، وهو ما تغير بالجملة مع موجات الثورة المتلاحقة، فقد صار الناس هم الأساس ، وصار السؤال مختلفا عند الراغبين في بناء حزب سياسي ثوري، كان السؤال قبل الثورة ‘منين نجيب ناس؟’، وصار السؤال بعد الثورة: كيف ننظم كل هؤلاء الناس؟ وهم ينامون ويصحون على ذكر السياسة، صارت المهمة ممكنة جدا، وتستدعي تجردا وابتعادا عن النوازع الذاتية والشللية الصغيرة، وهو ما لم يحدث بكل أسف إلى الآن، ورغم تعاقب الفرص الكبرى، فقد كان تقدم الصديق حمدين صباحي موحيا في انتخابات الرئاسة الأولى بعد الثورة، كان التقدم مذهلا بغير تنظيم كفء، وبدت الفرصة سانحة لبناء التنظيم والحزب الذي تنتظره مصر، وقد حاولت ـ مع غيري ـ أن أحول الفرصة إلى حقيقة، وطرحت فكرة تحويل ‘التيار الشعبي’ إلى حزب ثوري ببرنامج سياسي وطني جامع، ووجدت الفكرة معارضة ـ للأسف ـ من شباب حصروا دورهم في خدمة فرد بذاته، وليس خدمة قضية الأمة ونصرة الثورة المتعثرة، وظلوا لعام كامل ـ امتد إلى أواخر 2013 ـ في حالة تجريب بدائي، أدركوا بعده أنه لا سبيل سالك بغير قبول فكرتي، كان التطور مقلقا لهؤلاء الذين يريدون حشد الشباب في مناسبات ومواسم عابرة، لا تنتصر أبدا لقضية الثورة، تخاطب الغرائز الشللية الصغيرة، ولا تؤدي إلى تمكين مصر ولا إلى تمكين شبابها الثوري .

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية