كيف نهزم إسرائيل بموس حلاقة ومفك براغي؟

حجم الخط
0

بسام البدارين إسمحوا لي أن أتحدث باللهجة المصرية قليلا: يااااه.. بعد التعب ده كله والسنين دي كلها بتطلع بت مصرية على شاشة محطة المحور يوم حكاية (تصحيح المسار) وتئول: مفيش حاجة إسمها إسرائيل… فين كامب ديفيد والسادات وأكتر من ثلاثين سنة تطبيع ودول عظمى وأمريكا ومساعدات.. فين شباب الفيسبوك اللي قالو عنهم (بتوع واشنطن) وشباب ثورة يناير المتهمين بأنهم جواسيس دربتهم شركة سي آي إيه.. فين كل دول؟.. بعد كل السنين والتعب كله ومؤتمرات سي الريس في شرم الشيخ ببساطة مفيش حاجة في مصر إسمها إسرائيل وببساطة بيهدم عيال (السورة) سور السفارة وينزلوا علمها والجدع السفير الإسرائيلي بينهرب مع جماعته سرا للمطار ووثائق السفارة بالعبري بتطير بالجو والغريب بتنشر محطة العربية اللقطة المثيرة اللي يبان فيها ضابط من القوات المسلحة المصرية (بيزأف) للشباب وهما بيهدموا سور السفارة.

الأن يمكن أن تتوقف اللهجة المصرية لنعود إلى موضوعنا وهو حصريا عبارة مفيش حاجة إسمها إسرائيل في مصر.. بصراحة هذه العبارة ساحرة وتثير قدرا غريبا من هيام الطرب وكأني أسمع عبد الوهاب رحمه الله. حتى الدكتورة كريمة الحفناوي القيادية في حركة كفاية المتهمة هي الأخرى من النظام الرسمي العربي بأنها مصنعة في بلاد العم سام إستعانت بها الجزيرة للتعليق على مسار الأحداث فقالت عمليا لكن بلغة علمية وتحليلية: مصر اليوم وتحديدا بعد الإساءة لكرامتها بقتل جنودها مفيش فيها إسرائيل فعلا. تحليل الحفناوي أن ثورة يناير إنطلقت أصلا من أجل إنجاز ثلاث قيم أولها وعلى رأسها الكرامة وما حصل ان كرامة الشعب المصري إستهان بها الإسرائيليون عندما قتلوا جنودا مصريين بدون مبرر ثم إستهان بها حكام القاهرة اليوم عندما لم يتخذوا أي ردة فعل بل سارعوا لبناء سور إسمنتي مستفز حول مقر السفارة الإسرائيلية فكانت الإهانة الثانية لكرامة الثورة والشباب والشعب المصري.

مفك وموس حلاقة طبعا هذا كلام مصري جميل يخلد اللحطة فقد تبين أن السور الإسمنتي الذي بني لحماية سفارة العدو أوهن من عش العنكبوت ففي الفيلم الذي بثته عن الحادث محطة النيل التلفزيونية أمكنني شخصيا رصد الأدوات التالية التي إستخدمها المصريون في ردم وهدم الجدار: أولا مسطرين وهو أداة معدنية مسطحة تستخدم لقطع الهريسه او الكنافة بالعادة ويمكن إستخدامها في أعمال قصارة ودهان الجدران، ثم مفك براغي مخصص لتفكيك مسننات إطار السيارة وسيخ حديد من الطراز الذي إستخدمه الأمن الأردني في موقعة ساحة النخيل الشهيرة وكذلك موس حلاقة إستخدمه فتى يافع إضافة طبعا للأداة الأضخم وهي عمود كهرباء خشبي من النوع الرديء خلع للتو من الشارع حيث إستغنى المصريون عن الإنارة لتحقيق الهدف المقدس وهو هدم جدار حماية سفارة العدو. بالفعل تمكن المصريون وبهذه الأدوات البائسة من هدم السور الإسمنتي وسمعت على ‘العربية’ أحد الشباب يهدد بإنفعال: بعد هدم السور ده هنروح لغزة… وسياسيا لا يعني المشهد الدرامي بالنسبة لي أكثر من التأكد من وهن إتفاقية كامب ديفيد وهشاشة إسرائيل والعلاقات معها فمباشرة بعد زوال نظام الرئيس حسني مبارك تصلنا رسالة شعبية تقول بأن السور الذي يحمي سفارة إسرائيل يمكن إزالته وتدميره بموس حلاقة أو بمفك براغي. السؤال إذا: من قال أن هزيمة إسرائيل تحتاج لأسلحة وصواريخ ونووي من الطراز الذي إستخدمه العدو في قصفنا؟.. لو جمعنا أمواس الحلاقة وبراغي الشعب العربي وأسياخ الحديد وملايين الشفرات لتمكنا من الإستغناء عن الجيوش العربية النظامية ولهدمنا جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية.. على الأقل هذا ما يقوله الشعب المصري لنا ضمنيا ففي مصر اليوم ‘مفيش حاجة إسمها إسرائيل’ والكيان بمعنى أو آخر ليس أكثر مما قاله لنا في كتب الأبجديات بعض كبار علمائنا الذين رميناهم بالجنون وأللاواقعية وهو أن هذا الكيان لا زال رغم كل شيء مشروع غير منجز في محيطنا العربي والإسلامي.

ولا أريد أن أقول هنا بأن المشهد المصري الخاص بالسفارة يدلل على بؤس نظرية المؤامرة التي تقال بخصوص تفسير وقراءة ظاهرة الربيع العربي فإذا كانت المؤامرات من هذا النوع الذي يستدعي كرامة شعوبنا لم لا؟.. أنا شخصيا أرحب بأي مؤامرة تعيدني والجميع للمربع الأصلي وهو الصراع والتناقض مع المشروع الصهيوني.

الأمريكيون وقوى الإمبريالية خلقت ظاهرة تنظيم القاعدة والجهاد في أفغانستان لأغراض محددة.. اليوم أفلتت القاعدة وأصبحت شبحا يهدد الأمريكون أنفسهم وعليه فليحصل نفس الشيء مع حراكات الشارع العربي ما دامت ستخلص شعوبنا من التعسف والظلم والفساد والشبيحة الذين إلتهموا الأخضر واليابس في مجتمعاتنا تحت عنوان الصراع مع إسرائيل والتصدي للمواجهة والممانعة فبعد إنجاز الثورات لمهامها الأساسية ستنتقل لمحاسبة صناع النظام العربي الرسمي وسفاراتهم.. أليس ذلك مدهشا؟ لكن السفارات في الواقع لا تتساوى بالوزن ففي عمان فقط تصمت السلطات عن ألاف الحناجر وهي تقف يوميا مقابل السفارة السورية لتهتف ضد بشار الأسد وعندما تسأل الموظفين الرسميين يقال لك (إنها حرية التعبير) لكن هذه الحرية لا تشمل سفارة البحرين في العاصمة الأردنية فمقابل 35 شابا قالوا انهم سيعتصمون أمام سفارة المنامة تواجد نحو 500 رجل أمن ودركي وأغلقت الشوارع الأربعة المؤدية والموصلة لمقر سفارة مملكة البحرين.. طبعا الأسباب مفهومة لكن ما حصل يدلل على ان السفارات ليست بوزن موحد حتى عندما يتعلق الأمر بآلة القمع العربية. .. طبعا بسبب هذه الإزدواجية في المعايير تتوسع الفضائية السورية ببث أشرطة مسجلة لإرهابيين مفترضين تم القبض عليهم يتقدمون بإعترافات تقول بأنهم حصلوا على السلاح من الأردن لكن الشارع الأردني الذي يعتصم هذه الأيام بأي مناسبة من أي نوع فهم بأن سفارة البحرين خط أحمر.

نسخة أمريكية من السنوسي كاميرا ‘الجزيرة’ وحدها دون شقيقاتها العربيات حظيت بشرف دخول المكتب المحطم لمدير المخابرات الليبية عبد الله السنوسي وتقليب الوثائق وبعض المراسلات التي تحتفظ بها مخابرات القذافي بطريقة يدوية.

بطبيعة الحال لم يكن من الممكن ان تتمكن الجزيرة من هذا (السبق) إلا بعدما حرق الثوار مقر المخابرات وجعلوه أشبه بعمارات بيروت أيام الحرب الأهلية ومن الواضح ان المشهد يذكرنا بأن الشعوب عندما تثور أو تنتصر تلجأ أولا وقبل كل شيء لتصفية حساباتها مع مقرات المخابرات. وعندما يحصل ذلك يعبث الثوار بالملفات وألأوراق وتصبح حزمة من أكثر الرسائل والمراسلات سرية وخطورة عرضة للنهب والعبث وبعضها يباع في السوق السوداء للصحفيين كما حصل في مصر وتونس.

وفي مكتب السنوسي ثمة تكرار لنفس السيناريو الذي رأيناه مع مقرات أمن الدولة المصري.. أوراق سرية حددت مصير بشر ودول وشعوب وأموال طائلة يعبث بها بفرح طفولي ثوار مفترضون.. أشرطة فيديو نضف محروقة ورسائل معدة لكي تظهر لاحقا على شاشات الفضائيات وصور محطمة للرئيس المخلوع فقد رصدت في مكتب السنوسي فقط أربع صور للقذافي على الأرضية وبين القمامة دون أن ينسى صاحب المكتب نفسه وصوره مع الزعيم وغيره. ويبدو أن في الأمر متوالية هندسية مكررة في العالم العربي: أجهزة مخابرات تقمع وتمنع وتحجب وتظلم بإسم الرئيس والنظام والشرعية البائسة ثم تؤرشف وتوثق كل أعمالها السيئة لكي يسقط النظام وتتاح هذه الوثائق للرأي العام عبر محطة ‘الجزيرة’.. أليس في ذلك سر من طراز خاص؟

أحيانا أشعر بأن رجال المخابرات العرب أغبياء فما الذي يدفعهم لتوثيق إنتهاكاتهم وأرشفتها بصورة بدائية حتى تصبح لاحقا صيدا ثمينا بيد الإعلام المتربص بالشرعيات لصالح المشروع الصهيوني الأمريكي وفقا للكذية التي تروجها ماكينة النظام الرسمي العربي؟.. أحدهم قال لي: في عالم المخبرين والإستخبارات لا شيء أغلى ولا احلى من الوثيقة المكتوبة ورقيا فحتى الشركة الأم أقصد الإستخبارات الأمريكية- تفعل نفس ما تفعله الفروع فتحتفظ بملفات ورقية إن كانت (تحوسب) كل شيء من باب الإحتياط. لكني أعتقد بأن المشاهد العربي قد لا تواتيه الفرصة لمشاهدة كاميرا الجزيرة ومراسلها في واشنطن في حالة إقتحام مماثلة لمكتب النسخة الأمريكية من السنوسي فتلك مسألة تحتاج لحرب كونية وإنتصارعسكري على رأي غسان كنفاني.

وشخصيا أدفع ربع سنوات عمري مقابل جولة فضائية لأي كاميرا عربية (أرشح المنار بسبب قصة الممانعة إياها) في مكتب السنوسي الأمريكي بعد إحراقه وتحويل المقر لأطلال بطبيعة الحال ويمكنني الإستغناء عن جزء حيوي من المشهد فلا حاجة لرؤية صور مكسرة للرئيس باراك أوباما فهو منتخب ويعمل لأربع سنوات فقط وقد نتخلص منه عبر الصندوق العام المقبل وهو ما لا يحصل في عالمنا العربي مع الرؤساء الأزليين الذين ولدوا أولا ثم تم تكوين اوطان على مقاسهم ومن اجلهم.

ولكي تتكامل هوامش اللقطة يمكن للثوار الأمريكيون الذين سيحرقون مكتب السنوسي ديالهم حسب أخواننا المغاربة ترك صور مكسرة لبعض من نكرههم نحن العرب والمسلمين على الأرضية المحروقة حتى تزين فيها فضائية المنار تقريرها عن المناسبة العزيزة وأرشح لهذه المهمة صديقة القذافي والعاهل السعودي كونداليسا رايس وبوش الإبن مثلا. وطن وبديلوحتى لا نتجاهل مفارقة الأسبوع ونكتته يمكنني إعادة نشرعبارة أعجبتني جدا على الفيس بوك لأحد الزملاء حيث قال بإختصار ما يلي: حقوق سياسية للأردنيين من أصل فلسطيني.. باسم عوض ألله.. الوطن البديل.. بعد ذلك تبين سبب ذكر الزميل لهذه الكلمات وهو إنتاج كمية صغيرة من التنكيد على احد الكتاب فبعد تحية الصباح أوضح الزميل الكاتب: لا شيء فقط أحببت إزعاج الزميل ناهض حتر.

مدير مكتب “القدس العربي” في عمّان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية