كيف يؤثر تخفيض أسعار الفائدة الأمريكية على اقتصادات الدول العربية؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

أخيرا أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تخفيض أسعار الفائدة على الودائع والقروض بالدولار، بعد أكثر من 4 سنوات عانى فيها الاقتصاد العالمي من ثقل وطأة التمويل، وتراجع معدلات النمو، والقلق على معدلات النشاط في قطاعات الأعمال بشكل عام. وجاء القرار بتخفيض سعر الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية (50 نقطة أساس) عند الحد الأقصى لتوقعات السوق التي كانت منقسمة تقريبا إلى نصفين. النصف الآخر من خبراء السوق كان يرجح التخفيض بمقدار 25 نقطة أساس فقط، على أساس أن الخطوة الأولى في سلسلة تخفيضات قادمة متوقعة يجب أن تكون حذرة، بل شديدة الحذر. لكن مجلس الاحتياطي فاجأ السوق بالتخفيض عند الحد الأقصى المتوقع، وهو ما أدى إلى إثارة تساؤلات تشكك في حالة الاقتصاد الأمريكي، وأن مجلس الاحتياطي ربما يرى ما لا يراه نصف خبراء السوق، ما دفعه إلى تخفيض الفائدة بالحد الأقصى المتوقع. لكن آخرين، ومنهم عدد من كبار خبراء صناديق الاستثمار في العالم مثل ريك رايدر، كبير مسؤولي الاستثمار للدخل الثابت في صندوق بلاك روك، قالوا إن المستثمرين ربما بالغوا في رد فعلهم على تقارير أسواق العمل الأخيرة التي جاءت أضعف من المتوقع.
جيروم باول رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي قال في مؤتمره الصحافي بعد إعلان القرار إن الخفض يمثل «إعادة تقويم» لحال الاقتصاد الأمريكي على ضوء البيانات المتاحة. لكنه حذر من اعتقاد البعض أن ذلك سيكون سياسة خطية للبنك في المستقبل القريب. وأوضح أن التخفيض بهذه النسبة من شأنه «المحافظة على قوة الاقتصاد وسوق العمل، والاستمرار في بناء قوة الاقتصاد للحد من التضخم» مؤكدا أن لجنة السوق المفتوحة في البنك ستتخذ قراراتها بناء على البيانات الدقيقة اجتماعا بعد آخر. هذا الإيضاح من جانب باول وإن كان يزيل الشكوك حول الظروف المحيطة بتخفيض أسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية، فإنه يستبعد أي تقديرات مسبقة للقرار القادم في اجتماع المجلس في شهر نوفمبر، بما في ذلك حتى التخفيض بنسبة ربع نقطة مئوية.
ومع ذلك فإن معظم التقديرات، بناء على رصد و قياس آراء أعضاء لجنة السوق المفتوحة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن سعر الفائدة القياسي على الأموال الفيدرالية سيبلغ 4.4 في المئة بحلول نهاية العام الحالي، أي ما يعادل النطاق المستهدف (4.25 – 4.50 في المئة). ومن المقرر عقد الاجتماعين المتبقيين لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لهذا العام في 6-7 تشرين الثاني/نوفمبر و 17-18 كانون الأول/ديسمبر. ومهما كان الخلاف حول مقدار وأجل مسار أسعار الفائدة على الدولار في الأشهر القادمة حتى نهاية عام 2026 على الأقل، فإن جميع المؤشرات تؤكد أن دورة «التشدد النقدي» (رفع أسعار الفائدة وإجراءات أخرى) قد انتهت، وأن العالم دخل فعلا، مع قرارات كثير من البنوك المركزية في العالم، إلى دورة «التوسع النقدي» التي من شأنها رفع معدلات النمو وتخفيض معدلات البطالة وزيادة أرباح الشركات الصناعية والدخل وانتعاش التجارة العالمية.

العامل الصيني

تجيء بداية دورة «التوسع النقدي» بتخفيض أسعار الفائدة مترافقة مع قلق كبير ينتشر في العالم أجمع؛ بسبب الهزات التي يعاني منها الاقتصادين الأمريكي والصيني على السواء. في الولايات المتحدة لا تبدو الأمور على ما يرام في القطاع العقاري، وكذلك الشيء نفسه في الصين. ففي الولايات الأمريكية أصبحت البنوك المحلية تواجه مخاطر فشل شركات التطوير العقاري في سداد الديون المستحقة عليها، وهي أقل استعدادا لمواجهة ذلك. وتبلغ الديون المستحقة على تلك الشركات ما يقرب من 1.5 تريليون دولار في شكل سندات يحل موعد استحقاقها من الآن وحتى نهاية العام المقبل. وحتى وإن كان تخفيض أسعار الفائدة سيسمح لشركات التطوير العقاري بإعادة تمويل الديون بتكلفة أقل، فإن هناك احتمالا بأن تواجه مصاعب في الحصول على تمويل جديد، بسبب ارتفاع المخاطر، وهو ما يعني إزالة الأثر الإيجابي لتخفيض أسعار الفائدة. ويحذر ديزموند لاكمان، نائب مدير صندوق النقد الدولي سابقا، من أن خطر تعرض الاقتصاد الأمريكي للانكماش، نتيجة لتأخر مجلس الاحتياطي الفيدرالي في اتخاذ قرار تخفيض أسعار الفائدة ما يزال قائما. وهو يعتقد أن أكبر المخاطر الآن تتمثل في القطاع العقاري التجاري الذي يعاني من هبوط واسع النطاق في نسبة المبيعات من المشروعات الجاهزة تقريبا.
وقد يرى بعض الخبراء أن احتمال الانكماش في الولايات المتحدة ضعيف، وإن كان غير مستبعد، مثل مؤسسة غولدمان ساكس التي وضعت هذا الاحتمال عند نسبة 25 في المئة قبل قرار تخفيض الفائدة. لكن عددا متزايدا من خبراء الاقتصاد في العالم يحذرون من خطورة تأثير العامل الصيني على الولايات المتحدة في حال تباطؤ معدل النمو في الصين، والأزمة التي يعاني منها القطاع العقاري بأكمله، والديون التي تعاني منها حكومات المقاطعات، إضافة إلى القلق بشأن قوة الطلب المحلي في الصين. ويخشى الخبراء من لجوء الصين إلى تخفيضات واسعة النطاق في أسعار الصادرات للتخلص من فائض الإنتاج، كما يخشون أيضا من حدوث اضطرابات داخل السوق الصينية نفسها بسبب تراجع الطلب على المساكن، وتفاقم أزمة شركات العقارات، الأمر الذي قد يصيب النظام المصرفي كله بالضرر. ويستند هؤلاء على شواهد عن تعثر النمو في الصين، ما أسفر عن انخفاض معدل النمو عن المستهدف. لكن السلطات الصينية تدفع ضد ذلك بالقول إن الاقتصاد يحقق حتى الآن النتائج التي تلبي هدف النمو المستهدف وهو 5 في المئة. وأنها تتخذ الإجراءات المالية والنقدية الكافية بوضع ضوابط لمنع انهيار قطاع العقارات. كذلك فإن تأثير العامل الصيني على النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، وعلى سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يتوقف على نتائج الانتخابات العامة الأمريكية. حال نجاح دونالد ترامب ستزيد حدة الحرب التجارية والتكنولوجية مع الصين، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى رفع معدل التضخم. في هذه الحالة سيجد مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه في وضع لا يسمح بتخفيض أسعار الفائدة، وهو ما يمكن أن يعقد فرص النمو هناك.

فرصة لدول اليسر العربية

تتوقف جاذبية الدول النامية للاستثمارات المالية والمباشرة على طبيعة الهيكل الاقتصادي والقدرات التنافسية التي تتمتع بها الدولة المعنية. وطبقا لمؤشر مؤسسة جى بي مورغان لأداء سندات الأسواق الناشئة، فإن صافي التدفقات المالية للاستثمار في السندات المقومة بالعملات المحلية والأجنبية للدول النامية انخفض في الشهر الماضي، على الرغم من أن العائد على الاستثمار في ذلك الشهر كان الأعلى منذ بداية العام الحالي. وأظهر تتبع الأداء المالي للدول النامية أن إندونيسيا كانت الدولة الأفضل بعائد وصل إلى 6.25 في المئة، بفضل ارتفاع قيمة العملة وانخفاض معدل التضخم. ومن بين البلدان الأفضل أيضا كانت ماليزيا وتايلاند. لكن أسواقا أخرى سجلت تراجعا كبيرا مثل سريلانكا والمالديف. ومن ثم فإن الدول النامية ذات المخاطر الأعلى ستكون في حاجة إلى رفع أسعار الفائدة المحلية إلى معدلات عالية جدا من أجل تقليل تأثير عنصر المخاطرة، والمحافظة على تدفقات كافية من الأموال الأجنبية.
وبالنسبة لدول اليسر العربية التي تتألف من الدول النفطية الخليجية الغنية، فإنها تتبع سياسة أسعار الفائدة الأمريكية تبعية خطية؛ باستثناء الكويت التي تربط قيمة عملتها بسلة من العملات العالمية الرئيسية وليس بالدولار الأمريكي فقط. ولهذا فإذا قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي تغيير أسعار الفائدة، قامت البنوك المركزية الخليجية باتباع المسار نفسه تقريبا، بتغيير أسعار الفائدة على عملاتها المحلية. كما تعتمد هذه الدول معامل تحويل ثابت بين عملاتها والدولار الأمريكي، مستفيدة من حقيقة أن مصدر دخلها الرئيسي وهو النفط مسعرا بالدولار. وفي هذا السياق فإن السياسة النقدية لدول اليسر العربية تحرص على ضبط معدلات التضخم لتكون داخل الحيز المستهدف بواسطة مجلس الاحتياطي الأمريكي. ومع قرار تخفيض أسعار الفائدة يوم الأربعاء الماضي قررت البنوك المركزية في تلك الدول تخفيض أسعار الفائدة على القروض والودائع بعملاتها المحلية. لكنها اختلفت قليلا فيما بينها بشأن نسبة التخفيض، فكان بنسبة مماثلة (50 نقطة أساس) في السعودية والإمارات والبحرين وسلطنة عمان، وكان بنسبة أعلى هامشيا (55 نقطة أساس) في قطر، وبنسبة أقل (25 نقطة أساس) في الكويت. هذه التخفيضات من شأنها أن تساعد على ضبط مسار السياسة النقدية الخليجية مع قرارات الفيدرالي الأمريكي، والمساعدة على تحقيق الاستقرار النقدي، مع الأخذ في الاعتبار ظروف الاقتصاد المحلي كما هو الحال في الكويت، حيث قال محافظ بنك الكويت المركزي أن القرار بتخفيض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فقط يرتكز على تطورات الأوضاع الاقتصادية والنقدية والمصرفية المحلية والعالمية، بما في ذلك مؤشرات السيولة المحلية، وحركة الودائع والائتمان المصرفي، وأسعار الفائدة على الدينار الكويتي وعلى العملات الرئيسية. وسوف يؤدي تخفيض أسعار الفائدة في دول اليسر العربية إلى تخفيض تكلفة الائتمان المصرفي الذي تحصل عليه شركات القطاع الخاص والأفراد، ما يساعد على رفع معدلات نمو الإنتاج والطلب المحلي في آن واحد.

تدفقات من التمويل
الخارجي بتكلفة أقل

كذلك فإن تخفيض أسعار الفائدة على الدولار سيزيد فرص الدول الخليجية في الحصول على تدفقات كافية من التمويل الخارجي بتكلفة أقل، خصوصا مع تصنيفها الائتماني المرتفع واستقرار سياساتها، وصلابة أصولها الاستثمارية والعينية. ومن الملاحظ أن هذه الدولة رغم ما تتمتع به من وفرة مالية أصبحت تحتاج أكثر من أي وقت مضى لضخ استثمارات خارجية كبيرة، وذلك لمواجهة ثلاثة تحديات رئيسية. التحدي الأول هو تمويل خطط التنويع الاقتصادي الطموحة التي طرحتها في السنوات الماضية. التحدي الثاني هو الاستعداد لعصر الطاقة الخضراء والبدء في إقامة مشروعات تتواءم مع مواردها وتتجه إلى تعظيم العائد من هذه الموارد، ومنها مشروعات الهيدروجين الأخضر واستخدام تكنولوجيا فصل أو اصطياد الكربون للحد من التلوث. أما التحدي الثالث فإنه يتعلق بعدم اليقين بشأن أسعار النفط والغاز في المستقبل. ومن التحديات المرتبطة بذلك في الوقت الحاضر تراجع الطلب الصيني على النفط والغاز بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي، الأمر الذي يمكن أن يترك الكثير من الانعكاسات السلبية على اقتصادات الدول الخليجية. وتعتمد هذه الدول إلى حد كبير على التمويل الخارجي من سوق السندات الإسلامية وأسواق السندات العالمية إلى جانب إيرادات بيع الأصول الاستثمارية.
وتعتبر المملكة السعودية أكبر مُصدِر للسندات الدولية السيادية وشبه السيادية في الأسواق الناشئة، ويتوقع الخبراء أن توسع السعودية قروضها هذا العام بشكل أكبر للمساعدة في تمويل الإنفاق على مشروعات البنية التحتية الضخمة. وقد باعت السعودية في العام الحالي اعتبارا من بدايته وحتى 27 من الشهر الماضي ما قيمتها 26.8 مليار دولار من السندات في الأسواق الدولية. وفي الوقت نفسه فإن دولة خليجية أخرى هي الإمارات العربية المتحدة جاءت في المركز الثالث بقيمة إصدارات تم بيعها في السوق بلغت 12 مليار دولار تقريبا. ولا تجد دول اليسر العربية عوائق تذكر في طرح سنداتها أو تسويقها. كما أن القطاع الخاص في هذه الدول يتمتع في كثير من الأحيان بمزايا في الاقتراض من الخارج، تظهر على وجه الخصوص في انخفاض هامش الربح الذي يطلبه المستثمرون فوق معدل العائد على سندات الخزانة الأمريكية.
تضم دول العسر العربية مجموعة الدول النامية ذات الدخل الأقل وهي مصر والأردن وتونس والمغرب، وهي دول تتمتع بتنوع كبير في الموارد، وكثافة سكانية مرتفعة نسبيا قياسا إلى غيرها. وتعاني هذه الدول بشكل عام من العجز المالي بدرجات متفاوتة، أشدها عجزا هي مصر التي تعاني من ارتفاع العجز المالي الداخلي والخارجي والعجز التجاري المزمن. في حين تحاول دولة مثل المغرب أن تتغلب على عجزها المالي بزيادة الصادرات وتعميق الانتماء الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي. الأردن يعتمد على المساعدات الخارجية، بينما تونس تنحدر تدريجيا إلى مصاف الدول الفاشلة مثل لبنان والسودان واليمن وسوريا، مالم تنجح في إعادة تقويم بنيانها الاقتصادية وتعظيم الاستفادة من ثرواتها البشرية (العاملين في الخارج) والطبيعية (السياحة).
وترتبط الدول الأربع ببرامج مساندة مالية متنوعة مع صندوق النقد الدولي، كما تحصل على مساعدات سخية من الدول الخليجية ومؤسسات التمويل الدولية الأخرى مثل بنك الاستثمار الأوروبي. وقد أصبحت الصين في السنوات الأخيرة مصدرا مهما من مصادر التمويل الخارجي لمصر. ولم تستطع الدول الأربع خلال السنوات الأخيرة تمويل نسبة مهمة من احتياجاتها عن طريق إصدار سندات دولية أو سندات طويلة الأجل بالعملات المحلية. ومع تخفيض أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي فربما يصبح الباب مفتوحا أمامها لزيادة التمويل الخارجي، عن طريق الصكوك الإسلامية والسندات الدولية المقومة بالدولار، إلى جانب الإصدارات قصيرة الأجل بالدولار واليورو التي تقل مدة استحقاقها عن عام واحد، وهو ما تحاول مصر والأردن أن تفعله في الوقت الحاضر.
المحافظة على هامش أعلى بكثير من العائد على سندات الخزانة الأمريكية سيظل عاملا أساسيا من عوامل جذب تدفقات الاستثمارات الأجنبية التي تحتاجها هذه الدول. كما أنها تحتاج أيضا إلى هذا الهامش المرتفع لمساعدتها على سداد الديون المستحقة التي يحل أجل استحقاقها خلال الأشهر المقبلة. في الوقت نفسه فإن قيمة العملات المحلية لتلك الدول خصوصا مصر والأردن تتوقف ضمن عوامل أخرى على قوة تدفقات الاستثمارات بالعملات الأجنبية، بما فيها التدفقات المالية، لأنها تزيد الطلب على العملة المحلية، الأمر الذي يعزز قيمة تلك العملة. ويعني ذلك انخفاض أحد المخاطر التى يخشى منها المستثمرون الأجانب.
وعلى هذا فإن تخفيض أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي يعني تخفيض الضغوط على عملات دول العسر العربية مثل الجنيه المصري والدينار الأردني. كما أن تدفق الاستثمارات الأجنبية يساعد على تماسك قيمة هذه العملات. وربما تسمح التدفقات بكميات كبيرة بتخفيض أسعار الفائدة في تلك الدول، خصوصا تلك المرتبطة بمنطقة اليورو مثل المغرب وتونس، وهو أمر من شأنه أن يساعد على زيادة التمويل للقطاع الخاص، نتيجة لانخفاض تكلفة الحصول على الأموال من البنوك. ويساعد تسهيل التمويل الرخيص للقطاع الخاص على دفع دورة النشاط الاقتصادي وزيادة معدلات النمو.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية