رام الله- “القدس العربي”:
في لوحة فنية كوميدية يبدع الفنان الفلسطيني محمود رزق في تناول تحولات المواطنين في فترة الأعياد. تقدم اللوحة الكوميدية شخصية مواطن فلسطيني حاملا دفتر شيكات، ويقوم باقتطاع العيديات لأقارب وتغطية نفقات مواد استهلاكية عن طريق الشيكات (الدفع المؤجل).
في اللوحة الفنية القصيرة هناك مبالغة داعية للضحك والسخرية من حال المواطنين إزاء تفشي ظاهرة استخدام الشيكات في كل تفاصيل الحياة، وهي حالة تترافق مع تنامي الفعل الاستهلاكي اليومي، والذي يتضاعف في الأعياد.
والحالة اليوم هي امتداد لهذا الفعل الأهوج، لكن ما يضاف إليها هو غلاء فاحش في الأسعار طال كل قطاعات الحياة، فكيف تتأثر مباهج الفلسطينيين في عيد الأضحى الحالي الذي جاء بعد فترة ارتفاعات عالمية في الأسعار طالت كل المواد الأساسية، ومن دون أن يترافق ذلك مع ربط رواتب المواطنين بجدول غلاء للمعيشة.
وهو الأمر الذي يترك أثرا على طقوس وسلوكيات وعادات العيد التي تنهب جيوب المواطنين.
مفارقة.. حياة ملك
علاء صبيحات يقول لـ “القدس العربي”: “أعمل في مجالين كي أتمكن من تلبية التزاماتي الشهرية. والمفارقة التي أعيشها تتمثل في أن ما أتقاضاه اليوم من العملين لم يعد كافيا لتغطية التزاماتي المالية في عيد الأضحى الحالي، رغم أن راتبيّ زادا 2500 شيقل على الأقل عن العام الماضي”.
ويتابع صبيحات، الذي يعمل لحاما في سوبرماركت في عمله الثاني: “كان سعر كيلو لحمة العجل السنة الماضية 35 شيقل، أما اليوم فأصبح بـ 44 شيقل، أما كيلو لحم الخاروف فكان 55 شيقلا أما اليوم فأصبح 72 شيقلا. هناك فارق كبير، وهو أمر يؤثر على كافة المصاريف”.
ويستعرض صبيحات تجربته قائلا: “قارنت بين التزاماتي السنة الماضية مع السنة الحالية، فيما يتعلق بنفقات العيد فوجدت نفسي غير قادر على تغطية هذه النفقات، على عكس العام الماضي الذي كنت أعيش فيه وكأني ملك”.
وشدد صبيحات على أن سلوكه الشرائي أصبح أكثر ذكاء: “صرت أحسب الأمور بطريقة متوازنة، والأمر أصبح يرتبط بمدى حاجة البيت لما سأشتريه، أما العام الماضي فكان الحديث يدور عن شراء الكماليات.
ويؤكد أن طريقة التفكير التي تغيرت انعكست على السلوك الشرائي عند زوجته فقررتْ عدم الشراء قبل العيد لكون محلات الملابس تتعامل مع الزبائن المشترين “بغبن كبير”. فبضاعة العيد الماضي التي كان عليها عروض أصبحت أسعارها أعلى في العيد الحالي وبشكل جنوني، بدل أن يحدث العكس.
ويؤكد صبيحات أن زوجته نقلت له كمية الصدمة التي عاشتها عندما لاحظت وضع السوق، حيث رفضت رفضا قاطعا شراء ملابس العيد: “ستلبس ملابس العيد الماضي وتشتري بعد العيد بدون أن تشعر أن هناك من يغبنها ويستغلها”.
ويلخص صبيحات الحال بأن هناك “تجار أزمة”، وهؤلاء هم من يتحكّمون بالسوق، فمعدل التزامات صبيحات في الفاتورة الواحدة كان ما بين 80 – 150 شيقل، غير أن ذلك زاد عليه في كل فاتورة 100 شيقل، معتبرا أن هذا فارق كبير.
يذكر أن جمعية حماية المستهلك الفلسطينية كانت قد دعت، الأسبوع الماضي، إلى حملة “يوم بدون شراء” من أجل تشجيع مقاطعة المواطنين للمتاجر ومحلات السوبر ماركت بشكل كامل، وذلك احتجاجًا على الغلاء.
لكن الحملة لم تحقق تفاعلا بالشكل المطلوب، الأمر الذي اعتبره رئيس جمعية حماية المستهلك صلاح هنية، في حديث صحفي، أمراً يعكس ضعف وعي المستهلك بحقوقه. ووصف هنية الالتزام بالمتوسط، معتبرا أن هذه بداية، وحافز للاستمرار بممارسة حق المقاطعة.
وكانت هيئة حماية المستهلك قد رفعت خلال الأيام الماضية مطالب للحكومة تضمنت رفع ضريبة القيمة المضافة عن السلع الأساسية، وتحديد سقوف سعرية للسلع الأساسية ومتابعة الالتزام بها، وتعاون الصناعات الفلسطينية في موجة الغلاء، وتفعيل الجمعيات الاستهلاكية.
قيمة التعاون
أما من أقصى جنوب الضفة الغربية فتتحدث إسراء خضر لافي، من مدينة الخليل، لـ “القدس العربي”: “من كثرة انغماس الناس بالشكليات، وخاصة محافظة الخليل وجبلها؛ فإني لم أر بعد تأثير الغلاء إلا بكثرة الشكوى، فالناس تشكو وتحتج، ولكنها تجد مبررات لشرائها رغم الغلاء؛ منها من أجل فرحة الأولاد، وكي لا “تحكي الناس علينا”، ومن أجل المضي قدما بما تعودنا عليه، وأنه موسم عيد وسيمر”.
ومما لاحظته لافي أن النساء قمن بتأخير تدابير شراء حاجات المنزل والأبناء إلى أسبوع العيد الأخير، حيث أصبحت الأسعار مضاعفة، وهو أمر ضاعف من الشكوى التي لم تتحول إلى حالة من عدم الشراء ومقاطعة المحلات.
وتتحدث بسخرية: “الناس تشتري وتدفع ضريبة تأخرها في عملية الشراء حيث الأسعار تصبح مضاعفة”.
وتؤكد لافي أن الأسواق تشهد انفجارا بشريا عند مقارنتها بفترة ما قبل أسبوعين من اليوم، لكن ملاحظتها اليومية ترصد حركة تسوق ضعيفة في المجمعات التجارية (المولات) عند مقارنتها مع الأعياد الماضية.
وتنتقد بدورها الرجال الذين يعطون الأموال للنساء (ربات البيوت)، ما يجعلهن يقبلن على الأسواق من أجل الشراء. أما بالنسبة لتأثير الغلاء الكبير على العيدية (مبلغ من المال يقدمه الرجال الكبار للنساء والأطفال) فهو “أمر سنراه خلال أيام العيد”، بحسب لافي.
وترى لافي أن عائلتها تحيي وتتعامل مع موسم العيد بمنطق تعاوني، حيث يتقاسم نفقات العيد كل أفراد العائلة العاملين، حيث يتكفل الوالد بالأضحية كل عام، وبقية المصاريف تتعاون فيها الأخوات مع الأخوة، كل بحسب مقدرته.
ورغم ذلك تؤكد لافي أن العائلة لم تتنازل عن الأضحية كتقليد ديني سنوي، لكنها راجعت مسألة الضيافة، وما يمكن تقديمه للضيوف، بحيث أمكن جعله أقل كلفة عن الأعوام الماضية.
وتؤكد لافي أن واقع الحال يفرض على المواطنين التخفيف من النفقات وتقاسمها، لكن ما يجري على أرض الواقع نقيض ذلك، حيث يتكرس الاهتمام بالشكليات التي تكرس العيد بصفته ملابس وضيافة ونقود.
وبحكم تواجد لافي بالميدان فإنها تؤكد أن التجار يمارسون ظاهرة الضحك على الزبائن، وهو ما يجعلها تعزف عن الشراء في أوقات المواسم والأعياد.
يذكر أنه ومع اقتراب عيد الأضحى شهد سوق المواشي ارتفاعًا عالياً، في ظلّ لهيب أسعار السلع الأساسيّة. حيث يتذرّع تجار الماشية بارتفاع أسعار الأعلاف، فيما ترى “حماية المستهلك” أن السبب هو استغلال تجار الماشية الموسم لجني ربح أكثر. وبلغ سعر الخروف القائم “قبل الذبح” ما بين 35-37 شيقلًا للكيلوغرام الواحد، فيما سيصل سعر الكيلوغرام من الأضحية بعد ذبحها وتغليفها إلى 40 شيقلًا.
“سلامتك وتعيش”
أما سالي وليد نصرة فتؤكد أن الحال في مناطق فلسطين المحتلة عام 1948 مختلف، حيث ترى أن سوء الحال الاقتصادي والغلاء وضع المواطنين في مساحة دفعوا فيها إلى التبذير أكثر من قبل، “فالغلاء جعل الناس تشعر بأنها مخنوقة لدرجة تنامت رغبة المواطنين في بحثها عن كل ما يجعلها تمارس ترفيها واستهلاكا أكثر”.
وتؤكد نصرة أن هذه الحالة دفعت المواطنين للاستدانة من البنوك مهما كان الثمن، وبالذات في مسألة السفر للخارج، الذي يعتبر من أكثر تكاليف موسم العيد على العائلات.
أما عبير بني عودة من مدينة طوباس فترى أن تكاليف العيد ونفقاته تجعل من الراتب “سلامتك وتعيش”، وبالتالي يكون السؤال الذي تطرحه من تجربتها الشخصية: ماذا عن بقية المصاريف؟ من ماء وكهرباء وخبز وإنترنت وكهرباء ومواصلات ودراسة..الخ.
وترى بني عودة أن سعر الأضحية يتجاوز 2500 شيقل تقريبا، فيما النفقات المختلفة قبل العيد وخلال أيامه الثلاث فتصل إلى حدود 5000 شيقل.
وتشدد بني عودة على أن العيد مظهر اجتماعي يتأثر الناس ببعضهم البعض بشكل مضاعف، وهو أمر يترافق مع قلة في الرواتب وحالة من الغلاء الفاحش وتكاليف حياتية مضاعفة، وهو أمر يجعل من الحياة أكثر صعوبة.
ترحيل أزمات
يذكر أن وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية كانت قد أعلنت، اليوم الأربعاء، أنها ستباشر صرف مخصصات الأسر الفقيرة والمهمشة المستفيدة من برنامج التحويلات النقدية. ووفق بيان للوزارة فإن نسبة الأسر المستفيدة من هذه الدفعة في قطاع غزة بلغت 65 في المئة، في حين استفادت الأسر في الضفة الغربية بنسبة 35 في المئة.
علما أنه منذ 20 شهرًا لم يتلق المستفيدون من الأسر الفقيرة والأكثر احتياجًا في الضفة والقطاع مخصّصاتهم، التي لا تتجاوز 400 شيكل، ووِفق بيانات رسمية يتلقّى 116 ألف أسرة مُخصّصات الشؤون النقدية، منهم نحو 80 ألفًا من غزة.
وفي سياق الأزمات بفعل الغلاء رحلت اللجنة العليا لقطاع النقل العام أزمتها مع الحكومة الفلسطينية بسبب غلاء الأسعار إلى ما بعد عيد الأضحى، حيث أعلنت اللجنة أنّها ستنظّم إضرابًا شاملًا لكل قطاعات النقل في الضفة الغربية يوم الأربعاء المقبل (13 تموز/ يوليو) احتجاجًا على الغلاء.
وقال عبد الله الحلو، نقيب نقابة شركات الباصات، في حديث صحفي، إن ما دفعهم لإعلان الإضراب هو ارتفاع الكلفة التشغيلية في ظل ارتفاع أسعار قطع الغيار والإطارات والزيوت، والارتفاع العالي في سعر السولار والمحروقات، ومشكلة السيارات الخصوصية التي تنافس قطاع النقل العام وتعمل خارج إطار القانون وتنقل الركاب مقابل أجر.
وأشار الحلو، إلى أن مجلس الوزراء رفض مؤخرًا مقترحًا برفع تسعيرة أجرة المواصلات، علمًا أن اللجنة العليا تطالب بخفض أسعار التكلفة التشغيلية والسولار وليس رفع أجرة الركاب، ورفع الأجرة كان مقترحًا من قبل وزارة النقل والمواصلات، وتم رفضه من قبل مجلس الوزراء. وأكد أن توجههم ليس على حساب المواطن ومن جيبه، وإنما يجب أن يكون على حساب الدولة، وهي من يفترض أن تتحمل المسؤولية تجاه هذا القطاع. وأوضح، أن قطاع النقل العام يجب أن يكون مدعومًا، لأن هذا القطاع يخدم المواطن، على أساس تشجيع المواطن على استخدام المواصلات العامة وترك السيارات الخاصة، الأمر الذي من شأنه تخفيض أزمة المرور الخانقة التي تعاني منها مدن الضفة الغربية.