تثبت دولة اتحاد الإمارات العربية في السنوات الأخيرة نفوذاً متصاعداً في الشرق الأوسط بالعموم وفي العالم العربي بالخصوص. ويدور الحديث عن ذروة ميل تحولت في أثنائه دولة الإمارات من إمارة نفط في هوامش العالم العربي إلى دولة ذات نفوذ في بؤر فعل ونزاع مختلفة في العالم العربي والإسلامي، لها صلات وثيقة بلاعبين أساسيين في الساحة الدولية.
يعكس تثبيت مكانة اتحاد الإمارات في العالم العربي تحولات جذرية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها نقل مراكز القوى الإقليمية التقليدية من القاهرة ودمشق وبغداد – التي غرقت في ظل الهزة في هوة الحروب الأهلية وتفكك الدولة وانهيار الاقتصاد – إلى مجال الخليج الفارسي. في أعقاب الربيع العربي، قل تأثير الدول التي قادت العالم العربي على مدى عقود عديدة وتباهت بلقب “القوى الثورية والتقدمية”، وبالمقابل صعد نجم إمارات النفط التي وقفت على مدى سنوات طويلة في هوامش العالم العربي (وبالتأكيد بالنسبة للنزاع الإسرائيلي – العربي)، والتي كان دورها المركزي الدعم الاقتصادي للأنظمة العربية السائدة، وكذا للفلسطينيين.
الروح الحية خلف عملية تحول اتحاد الإمارات إلى لاعب إقليمي رائد هي زعيم الدولة اليوم محمد بن زايد، ولي العهد في أبو ظبي (ابن 58). يعدّ بن زايد أحد اللاعبين المسيطرين في العالم العربي اليوم، فهو يقيم علاقات وثيقة مع رؤساء الساحة الدولية (ولا سيما مع الرئيس الأمريكي ترامب)، ويشكل لاعباً أساسياً في المعسكر السني المعتدل. ليس صدفة أن توجته صحيفتا “نيويورك تايمز” و “تايم” أحد الزعماء الأقوى في المنطقة بل وفي العالم كله في العام 2019.
لمراكز القوة الجديدة في العالم العربي، وعلى رأسها كما أسلفنا اتحاد الإمارات، مزايا أساسية تختلف عن مزايا القوى التي قادت المنطقة في الماضي:
1. تقوم دول الخليج على أساس مبنى سلطوي وهامش اجتماعي تقليديين، تساهم في استقرار أنظمة الحكم فيها، وتشكل بقدر كبير أساساً لبقائها في عصر الهزة (لم ينهر في عصر الربيع العربي أي من الأنظمة الملكية في العالم العربي، وذلك بخلاف جزء كبير من الأنظمة غير الملكية).
2. تفتقد الأنظمة الملكية في الخليج الفارسي للبعد الأيديولوجي، وبالتأكيد غير الثوري – بخلاف ما يسمى “الأنظمة التقدمية” والمحافل الإسلامية في العالم العربي – وهي مؤيدة واضحة لحفظ الوضع الراهن.
3. أساس قوة الأنظمة في الخليج الفارسي اقتصادي، وإن كان بعضها يطور بالتدريج روافع نفوذ سياسة، وإعلامية، وتكنولوجية – علمية، بل وعسكرية (فضلاً عن السعودية التي كان لها نفوذ إقليمي واسع، ولاتحاد الإمارات الذي يطور نفوذاً كهذا في السنوات الأخيرة، تبرز قطر التي تتطلع منذ عدة عقود إلى تثبيت قوتها في الشرق الأوسط، إلى ما يتجاوز بكثير حجومها الديمغرافية والجغرافية).
4. الموقف التاريخي لأنظمة الخليج تجاه إسرائيل بخاصة وتجاه النزاع بينها وبين الفلسطينيين بعامة، أرّق من موقف باقي الدول العربية. ويعتمد نهج تلك الأنظمة على فكر الواقعية السياسية، ويمكن بموجبها بل ومرغوب فيه العمل على تسوية سياسية بعيدة المدى مع إسرائيل تشكل على حد نهجهم حجر أساس لاستقرار استراتيجي في كل الشرق الأوسط.
إن تثبيت المكانة القيادية لاتحاد الإمارات في المجال العربي يأتي في ظل التعاون الوثيق مع حليفيها المركزيين، السعودية ومصر، اللتين تشاركها في الرؤيا المتعلقة بصورة المنطقة وفي تعريف التهديدات والفرص الكامنة فيها والتمييز بين الأصدقاء والشركاء الاستراتيجيين والأعداء. “المعسكر الثلاثي” – الذي تشارك فيه معظم دول الخليج (باستثناء قطر) والأردن، ويحظى بتأييد دول شمال إفريقيا والسودان – على ثلاثة مبادئ أساسية:
1. تشخيص مشترك للأعداء، وعلى رأسهم إيران وحلفاؤها في معسكر المقاومة والمعسكر الشيعي. (تعد طهران التهديد الوجودي المركزي من ناحية معظم دول الخليج)، وبعد ذلك – تيار الإخوان المسلمين في العالم العربي والإسلامي وداعش.
2. تعريف مشترك للولايات المتحدة كسند استراتيجي (وإن كان الموقف من الإدارة الحالية في واشنطن شكاك أحياناً، ويترافق وقلق من عدم الوقوف الكامل إلى جانب دول الخليج، إذا وعندما تقف أمام تهديدات خطيرة، بخاصة من جانب إيران).
3. وضع مشابه للرئيس الفلسطيني في هوامش جدول الأعمال الاستراتيجي – القومي والإقليمي – في ظل إبداء موقف أساسي إيجابي تجاه إسرائيل التي تعد كلاعب أساس في إطار الصراع ضد إيران.
إن النفوذ المتعاظم لاتحاد الإمارات في المنطقة يجد تعبيره على عدة مستويات:
1. السياسي – الاستراتيجي: إلى جانب السعودية (وعلى أساس العلاقة الشخصية الوثيقة بين بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان)، تقود الدولتان اليوم “المعسكر العربي السُني المعتدل”. ترى هاتان الدولتان نفسيهما كمن يقف في جبهة الصراع العربي مع إيران وتركيا اللتين تتعاظم قوتهما على حساب العالم العربي؛ تقودان المواجهة العربية العامة الحادة التي تمتد منذ ثلاث سنوات ضد قطر (احتكاك يترافق و “حصار” متواصل على الإمارة المتماثلة مع معسكر الإخوان المسلمين، وتعد تقليدياً عاملاً باعثاً على التآمر والاضطراب في العالم العربي)؛ وتحاولان العمل على استقرار الأنظمة العربية القريبة منها.
2. الأمني: بخلاف الامتناع التقليدي لدول الخليج الفارسي عن التدخل العسكري في النزاعات الإقليمية، تبدي السعودية والإمارات في السنوات الأخيرة تدخلاً فاعلاً في بؤر صراع مختلفة في الشرق الأوسط، بما في ذلك ساحات خلف “ساحتهما الخلفية” (أي الخليج الفارسي والبحر الأحمر). ويعد الحسم في تلك المواجهات في نظر الرياض وأبو ظبي عظيم الأهمية لغرض التصميم الاستراتيجي للمجال الإقليمي. ويبرز في هذا السياق التدخل العسكري لاتحاد الإمارات في الصراعات الجارية في اليمن (ضد الحوثيين العاملين بدعم من إيران، أعلن اتحاد الإمارات في حزيران من هذه السنة عن وقف تدخله في الدولة) وفي ليبيا (ضد القوات المدعومة من تركيا)، وبشكل محدود أكثر في سوريا، والعراق، ولبنان والصومال. ووجد الجهد العسكري للإمارات تعبيراً بارزاً له في استخدام القوات الجوية، في ظل التعاون مع السعودية ومصر، وأحياناً في التنسيق مع محافل غربية (مثلما في ليبيا).
3. الاقتصادي: المدن المركزية لاتحاد الإمارات، وعلى رأسها أبو ظبي ودبي، أصبحت في العقود الأخيرة المراكز المالية، والتجارية، والمصرفية، والسياحية السائدة في الشرق الأوسط، لها وزنها أيضاً على المستوى الدولي. ويستغل اتحاد الإمارات قوته الاقتصادية كي يدعم حلفاءه، وعلى رأسهم مصر التي تحظى بمساعدة اقتصادية واسعة منذ عقدين.
4. المدني: في السنوات الأخيرة يبدي اتحاد الإمارات قوة على المستوى المدني أيضاً، ولا سيما في مجالات العلم، والتكنولوجيا والتعليم. في هذا السياق، تبرز المؤسسات الأكاديمية التي تطورت فيه وتحظى بمكانة رائدة في العالم العربي (وتحل هذه بقدر كبير محل مؤسسات التعليم العالي في مصر والأردن، التي كانت حجر جذب للشباب في كل العالم العربي)، وكذا المشاريع التكنولوجية التي تعمل عليها (بما فيها: تشغيل مفاعل إنتاج الطاقة النووية في تموز 2020، الذي بني في أبو ظبي بالتعاون مع كوريا الجنوبية؛ وإطلاق سفينة فضاء إلى المريخ في تموز الماضي؛ وتدشين مركز خلايا جذعية إقليمي لزرع مخيخ العظام؛ وكذا استثمار مقدرات كثيرة في التصدي الطبي لفيروس كورونا (ولا سيما المشاركة في محاولات تطوير لقاح، وتوريد عتاد طبي للدول في العالم ممن تضرروا بالفيروس.
إن تعزيز النفوذ الإقليمي لاتحاد الإمارات يشكل ميلاً استراتيجياً إيجابياً من ناحية إسرائيل. توجد بين الدولتين علاقات وثيقة في جملة من المستويات في العقدين الأخيرين، الأمر الذي خرج إلى العلن في أعقاب الإعلان عن تطبيع العلاقات بينهما. ووجدت العلاقات الخاصة تعبيرها في عدة جوانب:
1. التعاون الأمني واسع النطاق الذي يشكل مركزه مشتريات كثيرة لعتاد أمني إسرائيلي من قبل اتحاد الإمارات (ولا سيما في مجال والسايبر).
2. عمل مشترك في مواضيع اقتصادية وتكنولوجية (بما في ذلك الجهد المشترك في الأشهر الأخيرة لتطوير لقاح لكورونا.
3. استضافة علنية (وليست عادية في العالم العربي) لممثلين رسميين ولوفود اقتصادية ورياضية.
4. تأييد علني (وشاذ نسبياً في العالم العربي) من اتحاد الإمارات لمحاولات ترامب العمل على “صفقة القرن” في أثناء السنوات الأخيرة.
تقف علاقات اتحاد الإمارات مع إسرائيل غير مرة بخلاف علاقاتها الطبيعية مع مراكز القوى في الساحة الفلسطينية. كقاعدة، لاتحاد الإمارات نفوذ محدود جداً في الساحة الفلسطينية مقارنة بلاعبين إقليميين آخرين مثل مصر والأردن وقطر. وهي في قطيعة شبه كاملة سواء مع حكم حماس، الذي ينتمي لتيار الإخوان المسلمين، وكما أسلفنا يعتبر في نظر بن زايد تهديداً، أم مع السلطة الفلسطينية. والقطيعة بين اتحاد الإمارات ورام الله وقعت بالتدريج في العقد الأخير على خلفية شكاوى بن زايد من “اختفاء” أموال المساعدة التي قدمها اتحاد الإمارات للفلسطينيين في جيوب مسؤولي السلطة الفلسطينية، وكذا على خلفية تأييد بن زايد لمحمد دحلان، الخصم المرير لأبو مازن (يعمل دحلان مستشاراً للأمير في شؤون مكافحة الإخوان المسلمين وينتظر الانخراط في القيادة الفلسطينية في اليوم التالي لأبو مازن).
وثمة تجسيد بالملموس للرواسب بين اتحاد الإمارات والفلسطينيين جاء فور الإعلان عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل. فقد شجبت السلطة الفلسطينية الخطوة بشدة، وصفتها بأنها “طعنة سكين في ظهر الفلسطينيين” وأعادت سفيرها من اتحاد الإمارات، وعقدت مظاهرات احتجاج في أرجاء الساحة الفلسطينية ضد اتحاد الإمارات أحرقت في أثنائها صور بن زايد. وقبل ذلك، برز احتكاك بين اتحاد الإمارات والفلسطينيين وقع في حزيران الماضي، في أعقاب قرار الإمارات إرسال مساعدة طبية للسلطة الفلسطينية في إرسالية مباشرة بين أبو ظبي وإسرائيل، توجه كرحلة الطيران الرسمية الأولى في الخط الجوي بين الدولتين واعتبر كمظهر للتطبيع المتزايد بينهما. أثارت الخطوة استياء شديداً في الساحة الفلسطينية، التي كانت في ذروة أزمة حادة مع إسرائيل على خلفية الإعلان عن العمل على الضم، ودفعت الفلسطينيين بالإعلان رسمياً عن رفضهم تلقي المساعدة.
يشكل تعاظم نفوذ اتحاد الإمارات في العالم العربي ميلاً إيجابياً من ناحية إسرائيل. فقوتها الصاعدة تساهم في الجهد الإسرائيلي بلورة معسكر إقليمي ضد التهديدات المشتركة، وعلى رأسها إيران، وتساعد في قبول إسرائيل في العالم العربي. ولكن خطوة عظيمة الأهمية لتطبيع العلاقات، والتي ترافقت وإزالة موضوع الضم عن جدول الأعمال الإسرائيلي (على الأقل للمدى المنظور)، لم تؤد حتى الآن إلى إبطال الأزمة الحادة مع السلطة الفلسطينية التي تتجسد منذ 19 أيار بقطيعة مطلقة بين الطرفين، وتترافق وضعف متزايد للحكم في رام الله. صحيح أن إسرائيل حققت إنجازاً مهماً مع العالم العربي، ولكنها تبقى تواجه مشكلة محتدمة في ساحتها القريبة، من شأنها أن تتطور لتصبح تحدياً استراتيجياً – سياسياً وأمنياً – في الوقت القريب القادم.
محظور أن يؤدي نجاح إسرائيل في تحقيق المفهوم الاستراتيجي الذي يقول إنه يمكن تطبيع العلاقات مع العالم العربي دون التسوية مع الفلسطينيين (والذي يوجد في بؤرة الإحباط الفلسطيني)، إلى الاستخفاف بالأزمة العميقة مع الساحة الفلسطينية. العكس هو الصحيح.. فعلى إسرائيل أن تدرس كيف يمكنها مساعدة الفلسطينيين “للنزول عن الشجرة” (قسم كبير من مسؤولي السلطة الفلسطينية ناضجون لذلك، في ضوء الخوف من أن تسبب الأزمة الحالية تضعضع استقرار الحكم في رام الله وتؤدي إلى “رفع رأس” من جانب حماس). لغرض إنقاذ الفلسطينيين من التمترس عديم الجدوى في إحساس الظلم الذي أحيق بهم، نوصي بالنظر إلى إطلاق رسائل متصالحة ومهدئة بين القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية، إلى جانب استخدام واسع لإقناع وسطاء خارجيين، وكذا حوافز ولا سيما في شكل مساعدة خارجية بما في ذلك من اتحاد الإمارات.
بقلم: ميخائيل ميلشتاين
معهد السياسة والاستراتيجية IPS 18/8/2020