لندن – “القدس العربي”: ذكرت صحيفة “ميرور” البريطانية الثلاثاء الماضي، أن الإدارة الإماراتية المستحوذة على نادي مانشستر سيتي، تنوي دعم المدرب الكتالوني بيب غوارديولا بنحو 100 مليون جنيه إسترليني، لتعزيز صفوفه بصفقة أو اثنتين في الانتقالات الشتوية المنتظرة لحل معضلة هشاشة خط الدفاع، التي تفاقمت أكثر من أي وقت مضى، كما شاهد الجميع في قمة “أنفيلد” العالمية، التي حسمها ليفربول بالثلاثة، ليقفز خطوة عظيمة نحو حلم إنهاء عقدة اللقب الملعون والمتمنع على مدينة نهر الميرسيسايد في آخر 30 نسخة.
شبح النهاية المأساوية
دائما في كل حقبة زمنية، يأتي رجل بأفكار جديدة ليُحدث هزة في عالم كرة القدم، وكانت البداية بابتكار هيربرت تشابمان أسلوب W_M، الذي هزم به الجميع مع هدرسفيلد وآرسنال في بداية القرن الماضي، وتبعه كارل رابان بابتكاره الخالد “الكاتيناتشو” مع ميلان والإنتر، ثم جاء الراحل العظيم يوهان كرويف، ليصدر للعالم مدرسة “التيكي تاكا”، والآن نحن محظوظون بما فيه الكفاية، بوجود رجل من هذه النوعية نشاهده أسبوعيا، وتفهم عزيزي القارئ أن الحديث عن غوارديولا، الذي غير المنظومة والانطباع عن المدرب في العقد الأخير، ليس فقط بتحديثه على الطريقة “الكرويفية”، بل لاهتمام بأدق أدق تفاصيل حياة لاعبيه، تصل لحد التدخل في نظامهم الغذائي اليومي بمساعدة خبراء في هذا المجال لتحسين لياقة اللاعبين، وهذا يعكس بصيص من عبقريته في عالم التدريب، لكن كأي إنسان، لديه نقاط ضعف، لعل أبرزها وأكثرها وضوحا معاناته في الحفاظ على هرم النجاح بعد الموسم الثالث، ولنا في تجربته الأولى دليل، بهبوط منحنى برشلونة في موسم بيب الرابع والأخير، الذي خرج منه بكأس إسبانيا بصعوبة، فقط مع البايرن لم يتعرض لنفس الاختبار، أما الآن، يبدو وكأنه يواجه نفس سيناريو موسمه الرابع مع البارسا، أولاً بتخلي عامل التوفيق عنه، بكم هائل من الإصابات، خصوصا في مركز قلب الدفاع، بخسارة مدافعه الأول لابورت بداعي الإصابة التي قضت على مستقبله، وسبقه ليروي ساني بإصابة بقطع في الرباط الصليبي، على إثرها من المفترض أن يعود في الشهر الثاني من العام الجديد، إذا لم تواجهه مشاكل في فترة إعادة التأهيل، وبين هذا وذاك، حصدت فيروس الإصابات العديد من اللاعبين، منهم على سبيل المثال جون ستونز وبنجامين ميندي ونيكولا أوتامندي، ليضطر للقيام بواحدة من غرائب البريميرليغ بخوض مباراة نوريتش بتشكيلة أساسية بدون لاعب مركزه الأصلي قلب دفاع.
بالعامية البسيطة
يقول البسطاء في إحدى محافظات دلتا مصر الجميلة “مش كل مرة تسلم الجرة”، وهذا المثل انطبق حرفيا على غوارديولا وفريقه في صدام “أنفيلد”، صحيح نجح مغامرته أمام الفرق التي تشعر بالرهبة من مجرد ذكر اسمه، لكن أمام دابته السوداء يورغن كلوب، عادة يكون الأمر مختلفا، فبالنظر إلى تاريخ المواجهات المباشرة بين الاثنين، سنجد أن آينشتاين المدربين الألمان هو أكثر مدرب على هذا الكوكب نجح في تحقيق الفوز على الفيلسوف، في ألمانيا تقابلا ثماني مرات، فاز كل واحد بأربع مباريات، لكن دعونا لا ننسى فارق الإمكانات والقدرات وكل شيء بين بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند، وحتى في إنكلترا، كان بيب يملك عناصر أقوى على المستوى الفني والبدني، مع ذلك هزمه 5 مرات، ليصبح في سجله 9 انتصارات على غوارديولا من أصل 18 مواجهة مباشرة بينهما، مقابل 6 انتصارات للأخير و3 مباريات انتهت بالتعادل، وهو أمر كما أشرنا، لم يفعله أي منافس آخر للعبقري، وهذه الإحصائية تلخص لنا أشياء كثيرة، أهمها أن كلوب، يملك شفرة الرجل الذي احتكر الجوائز في إنكلترا آخر عامين، ويفعل ذلك بأسلوبه المعتاد، بخداع المنافسين بأقل عدد تمريرات في منتصف الملعب، في الوقت الذي ينطلق فيه صلاح أو ماني أو فيرمينو إما من العمق أو على الأطراف بشكل قطري، ومعها يضرب لاعب الوسط ضربته بتمريرة واحدة في الثلث الأخير، معها تظهر كلا علامات الارتباك على المدافعين، في مواقف لاعب ضد لاعب في الثلث الأخير من الملعب، ومع من؟ ثلاثة من الأسرع في أوروبا بل في العالم.
عقدة الأنفيلد
لكن هذا لا يمنع أنه لولا القرارات التحكيمية المثيرة للجدل، لما انتهى اللقاء بهذه النتيجة على أقل تقدير، كما شاهدنا في لقطة لمس الكرة في يد ألكسندر أرنولد في الدقيقة السادسة، لترتد بهدف فابينيو الأول في وجود تقنية فار، بجانب لقطة دفع ساديو ماني لرحيم ستيرلينغ من الظهر بالقرب من منطقة الست ياردات، والفرصة الأخيرة الأكثر غرابة ودهشة، التي أشار خلالها بيب بيده برقم اثنين، باعتبار اللقطة تستحق ركلة جزاء ثانية بعد التغاضي عن الأولى بلمسة يد على نفس المدافع الأيمن وتدخل الحارس أليسون على قدم لاعب السيتي، وهذه التفاصيل البسيطة لعبت دورا في تغير سيناريو وأحداث المباراة، بجانب يقظة كلوب وعامل الثقة لدى محمد صلاح ورفاقه، بثباتهم وتركيزهم أكثر من الفريق السماوي، الذي سيطر على جُل نجومه حالة من التوتر والعصبية المعتادة في كل زيارة لهذا الملعب بالذات، حتى الهداف التاريخي سيرخيو أغويرو، فشل للمرة الثامنة في هز شباك الريدز في عقر داره، رغم أنه أتيحت له أكثر من فرصة للتسجيل، كالأخيرة التي كانت تحتاج مجرد لمسة واحدة بالقرب من منطقة الجزاء، لكنه أضاعها برعونة غير معتادة منه، ليؤكد بالدليل والبراهن، أن “أنفيلد” مكان صعب المراس للسكاي بلوز، والشاهد على ذلك أن آخر فوز تحقق في عقر دار الجار الجنوبي يرجع تاريخه لعام 2003.
ماذا بعد؟
صحيح فرص مانشستر سيتي تقلصت في الاحتفاظ بلقب الدوري الإنكليزي للموسم الثالث على التوالي، باتساع الفارق مع ليفربول لثماني نقاط، مع التقهقر في جدول الترتيب إلى المركز الرابع، بفارق نقطة عن ليستر وتشلسي أصحاب المركزين الثاني والثالث، لكن هذا لا يعني أن بيب ألقى المنديل الأبيض، وفرصته المثالية لتصحيح أوضاعه وإظهار رغبته في ملاحقة المتصدر بنفس سيناريو الموسم الماضي، هو ترويض أسود فرانك لامبارد في القمة التي ينتظرها ملعب “الاتحاد” بعد انتهاء العطلة الدولية، إذا فعلها، سيثبت للجميع أن ما حدث في سهرة الأحد الماضي مجرد ليلة غير موفقة من لاعبيه وطاقم الحكام، كأفضل دفعة معنوية وخطوة كبيرة نحو استعادة الثقة قبل مواجهة خصومه الكبار المفضلين مانشستر يونايتد وآرسنال في معارك ديسمبر/كانون الأول الحاسمة، ليستغل غياب ليفربول في فترة مشاركته في كأس العالم للأندية، بالضغط عليه بتقليص فارق النقاط ولو بشكل مؤقت، باختصار شديد، يحتاج للحفاظ على فارق الثماني نقاط لأطول فترة، أو على الأقل تقليص هذا الفارق، لحين قدوم موعد تدعيمه بالصفقات الدفاعية المطلوبة في أول ساعات العام الجديد، من يدري؟ قد يستعيد الصورة المخيفة التي كان عليها في النصف الثاني الموسم الماضي، بقطار سريع يدهس كل من يقف أمامه في المحطات المحلية، إلى أن خطف لقب الدوري بفارق نقطة عن المتصدر الحالي، بجانب لقبي كأس الرابطة وكأس الاتحاد الإنكليزي، أما إذا انفلت العقد واتسع الفارق لأكثر من ثماني نقاط مع بداية النصف الثاني من الموسم، فبنسبة كبيرة جدا، قد نكون على موعد مع موسم كربوني للموسم قبل الماضي، عندما أنهى السيتي السباق مع فصل الربيع، لكن هذه المرة سيكون البطل ليفربول، وهذا ما تظهره المؤشرات حتى هذه اللحظة، ومعها عامل التوفيق، الذي أعطى كلوب وفريقه تسع نقاط في ثلاث مباريات كانت بعيدة المنال حتى الدقيقة 90، واكتملت بالفوز الأهم قبل عطلة الفيفا الحالية، فهل هي علامات نهاية العقدة الأزلية؟ أم ما زال لبيب رأي آخر؟ دعونا ننتظر.